وساطة عربية وشرعية دولية تهييء المسرح للتدخل الخارجي: الأزمة السورية والتغيرات التي طرأت علي قواعد اللعبة

محمد عبد الحكم دياب - القدس العربي

 


وصل تعقيد الموقف السوري إلي منتهاه. وأمامه يضع الإنسان يده علي قلبه من وساطة عربية تسير، منذ ما قبل حرب الخليج الثانية (1991)، في اتجاه معاكس لخدمة مخططات ترتيب أوضاع المنطقة، وإعادة تشكيلها علي المعايير والخرائط الأمريكية والصهيونية الخالصة.. ساعد علي ذلك مضمون وشكل الشرعية الدولية ، التي ظهرت بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، وبعد سقوط جدار برلين، ثم اختطاف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتوظيفهما لخدمة السيطرة الأمريكية علي العالم، وتحويلهما إلي غطاء يمنح الدول الكبري شرعية التدخل في شؤون الدول الأخري، ونحن ممن يوقنون بأن الوسيط العربي ، المجرب في السابق مع فلسطين والعراق وليبيا والسودان، ليس وسيطا بالمعني السياسي الصحيح، بل أداة ضغط ورديف للتدخل الخارجي، ووجود حسني مبارك بين الوسطاء العرب لا يبشر بخير، وليعذرني القارئ العزيز إذا ما كنت متشائما للغاية من وساطة يكون هو أحد أطرافها. فالرجل تمرس علي دور المخلب الناهش للحم العرب الحي.
وإذا كان انشقاق عبد الحليم خدام عن الحكم في دمشق قد زاد من الرحلات المكوكية بين دمشق والرياض وشرم الشيخ (عاصمة حسني مبارك)، فهذه رحلات تزيد من دواعي القلق ولا تقلله، خاصة أن فيها من يدعي الحكمة بأثر رجعي، ومن يتظاهر بالبراءة. وقد كشفت طريقة التعامل مع تقرير ميليس، قبل التطورات الأخيرة، بعضا من هذا. فبمجرد نشره، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تنادي هؤلاء متجاوزين قواعد التعامل الصحيحة مع هذا التقرير الحساس، ولا يعنيني هنا مدي صدق أو كذب ميليس، إن ما يعنيني هو أن أبسط المبادئ القانونية، غير المسيسة، تقول بأن المتهم بريء حتي تثبت إدانته ، مهما كان عداؤه، ومهما كانت الملابسات والشواهد ضده، وليس العكس، بجانب أن أكبر مساحة للدفاع يجب أن تكون مكفولة له، بغض النظر عن عواطفنا ومدي كراهيتنا أو حبنا له، ليس هذا فقط، بل إن أساليب التحقيقات تقوم علي البحث عن صاحب المصلحة في اقتراف جريمة ما، وحتي علي افتراض أن النظام السوري صاحب مصلحة، كان الواجـب المهنـي والنزاهة القــانونية يقتضــيان وضع احـتـمال وجــود طـرف أو أطراف أخري لها مصلحة في تصفية رفيق الحريري، مهما كان هذا الاحتمال ضعيفا.
وقد يري البعض أن هذا الطرح يأتي متأخرا، بعدما تمت إدانة سورية، وهذا غير صحيح، ولا أملك إلا التذكير بجحافل المحققين والخبراء الذين مسحوا العراق، طولا وعرضا، ودخلوا غرف نوم كبار المسؤولين، في أكبر عملية انتهاك عرض بلد، له شخصيته الدولية، وعضو مؤسس للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية، مع أن ما كانوا يبحثون عنه لم يكن إبرة في كومة قش ، إنما كان أسلحة دمار شامل من الصعب إخفاؤها، وسوغت هذه الإبرة المتوهمة العدوان وبررت الغزو لبلد شقيق وعزيز، وكان مدعوو الحكمة بأثر رجعي أول من أضفي شرعية علي الاحتلال وأدان المقاومة، وبعد أن انتهي الأمر بتصريحات فجة للأمين العام للأمم المتحدة، واعترافات أمريكية وبريطانية مخجلة، تشير إلي زيف التقارير التي سوغت الحرب، ومارست أجهزة الإعلام والصحافة عادتها لتجديد الثقة في الخطاب السياسي الغربي، بدعوي الشفافية في تغطية الحرب، لكي نصدق أن القتلة منصفون، فها هم بصدقهم يعترفون بأخطائهم.. ما أروعها ديمقراطية تجعل القاتل يسير في جنازة القتيل، ويحاسب من انتهك عرضه بعد أن تحول إلي جثة هامدة.
ميليس بني كامل تحقيقه علي احتمال واحد، مستبعدا الاحتمالات الأخري. ومعني ذلك إدانة مسبقة، مع أن سلطة التحقيق القانوني تنحصر في توجيه الاتهام فقط، ووضع أدلتها أمام سلطة اخري، هي سلطة القضاء، كجهة وحيدة مخولة بتجريم الأفعال وتسويغ الإدانة وإصدار الأحكام، أما الخروج عن هذه المعايير يجعل أمثالنا لا يتعاطفون مع هذا التقرير، وأري أنه لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به، ولا ثمن الورق الذي دون عليه. ومع ذلك تحول التقرير، بمنطق الوساطة العربية ، إلي مادة تعتمد عليها الشرعية الدولية وهي تهيئ المسرح للتدخل في سورية ولبنان!!.
الكل يريد معرفة الحقيقة، ونحن منهم، لكن النزاهة واجبة، وموجبات العدالة يجب أن تكون متوفرة، إنها المتغيرات جعلت بعضنا ينحاز ضد نفسه، ولم نجد أحدا أجاد قراءتها، إما جهلا أو عمدا، ليقول لنا ولغيرنا، بأن ظروف الأمس غيرها اليوم، والقواعد التي أدخلت القوات السورية إلي لبنان ضمن قوات الردع العربية غير تلك التي اقتضت خروجها. وتصوير الأمر بأن الشيطان السوري ، كان، وما زال، الشيطان الوحيد المحمل بالآثام، هو نفسه الذي كان بالأمس حليفا له.. ومن يتحدث عن بشاعات الاحتلال السوري ، هو أول من منحه الشرعية، سواء في إقرار استراتيجية الدخول في مؤتمر القمة العربية 6791، أو بمجهود سعوي في الطائف عند البحث في استراتيجية الخروج، لكن لا القمة العربية أصبحت ذات معني، ولا الطائف تعكس أي وزن.. قواعد اللعبة تغيرت، لكن لا أحد يبدو فاهما أو مهتما.. وما كان مقبولا بالأمس أصبح غير مقبول اليوم.
هذا المسمي الاحتلال السوري دخل من الباب الشرعي والمشروع.. صاغته شرعية دولية دالت.. باتفاق اللبنانيين والعرب والمجتمع الدولي، وهذا الاحتلال المدعي لم يتم بالغزو، ولا بحق الفتح.. فالعلاقة بين البلدين الشقيقين كانت تسمح بما هو أكثر من ذلك، وكان الوضع العربي يمنح رخصا تمكن الجيوش من العبور بين البلد العربي والآخر، والظرف الدولي أقر ذلك، بجانب أن الرئيس الراحل حافظ الأسد لم يمارس خطيئة صدام حسين، في دخول الكويت.. وعندما تتغير قوانين اللعبة ، وتتغير موازين القوي الداخلية اللبنانية.. تركت قوي سنية تقليدية مواقعها العروبية والوطنية السابقة إلي مواقع انعزالية، زادتها قربا من المارونية السياسية في توجهاتها الانعزالية والغربية والصهيونية، وشئ مثل هذا حدث علي مستوي الطائفة الدرزية، ارتبط بتصفية تراث الراحل العظيم كمال جنبلاط.. عندما يتغير كل هذا يغيب العمل العربي المشترك عن الفعل ولا يكون أساسا للوساطة.. ينقلب علي نفسه.. يدفع القضايا المحلية والإقليمية دفعا إلي التدويل، ويضيف مجهود الأمة السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي، ليصب في مجري أمركة وصهينة الحلول والتسويات العربية والإسلامية، وهذا المجهود هو الذي يساهم، بفعالية منقطعة النظير، في تدمير ما يعرف بالبني التحتية لـ الإرهاب ، وهدفه اطلاق يد القوي الدولية في تفكيك الدول والكيانات العربية والإقليمية، لتفسح الطريق أمام العودة الجديدة للاستعمار، بصيغه القديمة.. أي بطريق الغزو والتدخل العسكري المباشر.
ولا تعود تعقيدات الوضع السوري إلي تلك المتغيرات فقط، إنما تعود إلي الآثار التي ترتبت علي اختيار الرئيس بشار الأسد، فما كان له أن يصل إلي الحكم، في الأصل، فـ التوريث وتغيير المادة المتعلقة بالسن في الدستور بالطريقة التي تمت، وبطء إيقاع التغيير والإصلاح، ثم الضغط من أجل التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، كل هذا وغيره أثر بالسلب علي الوضع الداخلي في كل من سورية ولبنان. من هنا لا يمكن أن يكون الحديث عن الخطر الخارجي بمعزل عن الاستبداد، ولا بمعزل عن أزمة الحريات وحقوق الإنسان.. وهنا تجدر الإشارة إلي عدم وجود وطني عربي واحد، أيا ما كانت بلده أو اتجاهه يتمني لسورية السوء إلا أن المشكلة هي في أن الدفاع عن سورية، كدولة ومجتمع وشعب لا يستقيم مع إنكار أزمة الحريات أو تجاهل مطلب المشاركة السياسية، أو إغماض العين عن الفساد المستشري في مجالات عديدة، وقبول الأسر في معتقلات وأقبية أجهزة الأمن البوليسية والعسكرية والحزبية، في نفس الوقت فإن هذا لا يبرر القبول بتحويل لبنان إلي مركز لانطلاق لأي نوع من العدوان علي سورية، فلبنان ليس النموذج الكويتي، الذي كان، وما زال، مركزا لانطلاق الغزو واستمرار احتلال العراق، ومن جهة أخري فإن التحسب للخطر الخارجي لا يعفي النظام السوري من المسؤولية عما وصلت إليه الأوضاع من ترد وتعقيد.
الاستبداد والتدخل الأجنبي شيئان متداخلان، بفعل هذه المتغيرات، كل يؤدي إلي الآخر.. فالاستبداد أصبح مسوغا للتدخل، والتدخل صار غطاء لأنواع أخري من الاستبداد.. والنموذجان الأفغاني والعراقي واضحان، فاستبداد لوردات الحرب الأفغان، واستبداد المحاصصة الطائفية والعرقية العراقية، كلاهما يجد غطاءه وحمايته في وجود المحتل. وإذا كان الأول استبداد كتل ومصالح، فإن الثاني استبداد عقائد ومذاهب، وكلاهما شر وجبت مواجهته. وهذا يحكم نظرتنا للأمور في سورية الحبيبة، ويحكم نظرتنا إلي انشقاق عبد الحليم خدام. فلو كان هذا الرجل المخضرم جزءا من حركة تغيير أو إصلاح داخلي لكان الأمر مفهوما، ولكان في مقدوره التكفير عن خطاياه، ولو بالتنازل عن كل ما يحمل شبهة التربح بفعل المكانة والسلطة والنفوذ، لاستطاع أن يكون حافزا للتغيير والإصلاح، أما أن يتحول إلي شاهد اثبات لحساب شرعية دولية مطعون فيها، فهذا خسران كبير. ويبدو أنه مستعد للعب دور الحربة المصوبة إلي رأس سورية، وعليه ألا ينسي أنه أحد صناع كل ما هو منتقد ومصدر شكوي لغالبية السوريين واللبنانيين.. هو الذي رعي كل هذا من تكليفه من قبل الرئيس الراحل حافظ الأسد بتحمل مسؤولية الملف اللبناني.
الموقف الوطني والقومي من سورية، لا يختلف عن الموقف من نظيره الفلسطيني أو العراقي، فرفض استبداد صدام حسين لم يعن أبدا التفريط بالعراق أو تسليمه للغزاة، ولم يعن التخاذل عن تأييد مقاومة الغزو والاحتلال، ونفس الشيء يحدث مع سورية، والدعوة لحماية سورية من خطر التدخل الخارجي لا يعني القبول باستبداد نفر من حكامها أو فساد مسؤوليها. وهذا يضع علي كاهل الرئيس السوري عبئا كبيرا.. عليه أن يثور علي نفسه، يساعده في ذلك شبابه وسنه، ويدعو قوي شعبه الحية إلي المشاركة في تحول ديمقراطي حقيقي، يعيد الاعتبار للقوي المهمشة، وبه يتم التصالح بين الحاكم والمحكوم.. وهذه الدعوة لانفتاح ديمقراطي، علي القوي الوطنية والقومية والإسلامية، ولمشاركة سياسية فعالة، تقتضي التعرف علي مواقف وأدبيات قوي المعارضة السورية في الداخل والخارج، فقد يكون في فتح هذا الملف الآن فرصة لتغييرات داخلية تخفف من وطأة الضغط الخارجي. وحتي لو ادعي البعض أن هذا الأمر يأتي متأخرا، فمن الأفضل أن يأتي متأخرا من ألا يأتي أبدا!

ہ كاتب من مصر يقيم في لندن