المسيحيون العرب.. الحضور التاريخي وتجديد الدور

حسين العودات : (كاتب سياسي وباحث من سورية)  - حوار العرب -/العدد 7/ يونيو (حزيران) 2005

عرف العرب الديانة المسيحية منذ سنواتها الأولى وآمن بعضهم بها، ونهلوا من ثقافتها الروحية وشاركوا في مجمعاتها وحراكها ومناقشاتها اللاهوتية وقادوا تيارات انشقاقية على التيارات المسيحية الأقرب للسلطة البيزنطية هناك مقولة لدى بعض من الرأي العام العربي مبنية على الاعتقاد أن المسيحية دخيلة على العرب والثقافة العربية، وأن المسيحيين من أصول غير عربية ومن شعوب قديمة كانت موجودة في بلاد الشام ومصر قبل مجيء الإسلام (سريان، كلدان، أقباط وغيرهم) أو شعوب أوروبية قدمت مع الإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية ثم الأوروبية واقتصرت عليهم. ويرى آخرون أن العرب "دخلوا" بلاد الشام قادمين من الجزيرة العربية بعد الإسلام ولم يكونوا من سكان هذه البلاد قبل ذلك، وبالتالي، فإن المسيحية ليست من ثقافتهم ولا من ديانتهم، وهكذا دخل في عمق قناعات شرائح كبيرة، وبخاصة الشعبية منها، أن العرب غرباء عن المسيحية وأن المسيحيين (أو معظمهم) غرباء عن العرب. ومن المؤكد أن هذه المقولات بدأت تتكرس في قناعات الناس منذ حروب الفرنجة (الحروب الصليبية) وفي ضوء مجرياتها ومنعكساتها ونتائجها، وتكرّست، بخاصة، خلال المرحلة المملوكية ثم العثمانية، وبلغت أوجها في القرن التاسع عشر بعد التدخل الأوروبي في شؤون الدولة العثمانية وقبول سياسة الحماية والامتيازات التي أعطيت للمسيحيين العرب من قبل الأوروبيين، وأدت الى اتهامهم بالعمالة للغرب الأوروبي وفي ما بعد للاستعمار الأوروبي. والملاحظ أن مثل هذه المقولات لم تكن موجودة قبل ذلك، أي منذ ظهور الإسلام في مطلع القرن السابع حتى نهاية القرن الحادي عشر، قبيل الغزو الفرنجي، لأن الناس خلال تلك الفترة كانوا يعرفون حقيقة انتشار المسيحية بين القبائل العربية في بلاد الشام والجزيرة، وهي قبائل عربية، بل من أهم القبائل العربية، ولا يشكون بأن المسيحية من ديانات العرب وأن من أتباعها عرباً أقحاحاً.
تؤكد بطون التاريخ ووثائقه وأحداثه حقائق أخرى، غير ما يتداوله العامة وما هو شائع لدى البعض حول عروبة المسيحيين وانتماء بعض العرب للديانة المسيحية، ومن أهم هذه الحقائق:
1 ـ عرف العرب الديانة المسيحية (والتي سموها النصرانية. لسان العرب تاج العروس) منذ سنوات الأولى وآمن بعضهم بها كما آمن غيرهم، ونهلوا من ثقافتها الروحية، وشاركوا في مجمعاتها وحراكها ومناقشاتها اللاهوتية، وقادوا تيارات انشقاقية على التيارات المسيحية الأقرب للسلطة البيزنطية، وتبنوا مواقف لاهوتية مختلفة من طبيعة المسيح، وكانوا من أهم أصحاب الطبيعة الواحدة (اليعاقبة) كالغساسنة، وأصبحاب الطبيعتين (النساطرة) كالمناذرة، وقلة منهم كانوا من الملكانيين المقربين من روما، ولم يكن انشقاقهم يخلو من أسباب سياسية، حيث كانت بلاد الشام تحت الحكم البيزنطي. ويؤكد الوجود العربي في قلب الديانة المسيحية ما جاء في أعمال الرسل "كريتيون وعرب نسمعهم يتكلمون بألسنتنا بعظائم الله" (أعمال الرسل 2/11) وأن "في يوم العنصرة كان يوجد في مدينة أورشليم عرب" (أعمال الرسل 2/1)، وفي الوقت نفسه تؤكد المصادر التاريخية أن الأساقفة العرب شاركوا في المجمعات المسيحية الرئيسة الثلاثة (نيقيا 325م، أفسس 430م، خلقيدونية 451م) وأنهم انشقوا أكثر من مرة ورفضوا في الغالب الأعم الهيمنة البيزنطية وتعاليم كنيستها. ومن المهم أن نشير الى التباس يقع فيه أحياناً بعض المؤرخين ومعظم الناس، وهو أن الأساقفة العرب الذين شاركوا في هذه المجمعات، كانوا يأخذون أسماء دينية، إضافة الى أسمائهم الأصلية العربية، ما يجعل الأمر ملتبساً، إذ كيف يكون عربياً في ذلك الوقت من كان اسمه "ثيودوروس أو يوشاسيوس" مثلاً، ويفوت البعض أن هذا الاسم هو الاسم الديني ولا علاقة له بالاسم العربي الحقيقي للأسقف.
كنيسة نجران
2
ـ سكن العرب سورية قبل الإسلام بمدة طويلة منذ القرن الثاني الميلادي (رينيه داسو)، ومن القبائل العربية في سورية وبين النهرين: تنوخ (قنسرين) التي تنصرت ثم تغلبت عليها سليح وتنصرت أيضاً (المسعودي). ومن القبائل النصرانية أيضاً بكر (ديار بكر غرب دجلة) وربيعة (من الموصل الى رأس العين) ومضر (شرقي الفرات، حران والرقة) (ياقوت معجم البلدان 4/494)، ومنها تغلب (لو تباطأ افسلام لأكلت تغلب العرب) وكانت تنتشر حتى في عمق ا لجزيرة (استبدل الخليفة عمر عليهم الصدقة بالجزية لأهمية بني تغلب) وبنوكلب (غرب الفرات) وتميم (حران) وبنو سليم (الرها) وكنانة (حماه) وإياد (السواد) وغيرهم (البلاذري، فتوح البلدان 1/150) وربيعة ولخم وبهراء وجذام (السيرة الحلبية 3/95).
وفي الإجمال كان عرب سورية يدينون بالنصرانية (دوزي) وسكن الغساسنة "جنوب سورية" والمناذرة "جنوب العراق"، وأسسوا ممالك مسيحية في القرن السادس. وفي الجزيرة العربية كانت المسيحية منتشرة جزئياً أو كلياً بين قبائل "طيء وتغلب وذبيان وإياد وغيرها"، وكان القسس والرهبان يردون أسواق العرب، ويعظون ويبشرون، ويذكرون بالبعث والحساب، والجنة والنار، وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الآيات تحكي أقوالهم وتفند مذاهبهم ما يدل على انتشار هذه التعاليم بينهم (أحمد أمين/فجر الإسلام، 27). وفي الإجمال انتشرت النصرانية بين قبائل نجد والحجاز، فكان نصارى في بني شيبان ومنهم النابغة الشيباني، وكانوا في إياد ومنهم قس بن ساعدة الأيادي؛ ويقال إنه كان أسقف نجران، وهو أول من قال: "أما بعد.." وأول من قال كذلك: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، وكان خطيب العرب قال فيه الرسول (ص) "يحشر أمة وحده" وإني "لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة واحدة" (الأغاني، وجواد علي تاريخ العرب 6/466). وتنصر من العرب قوم من قريش من بني أسد بن عبد العزي (ابن هشام السيرة 1/243)، ومنهم ورقة بن نوفل بن أسد: وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل (موجز ابن هشام 48 واليعقوبي 1/298 وابن الأثير 2/238)، ومن بني ثقيف أمية بن أبي السلط، وهو أول من قال "باسمك اللهم" (الأغاني 4/121 ولويس شيخو 120)، ومن طيء عدي بن حاتم الطائي (قابل الرسول وصليبه على صدره).
انتشرت النصرانية في نجران (كنيسة نجران التي سموها كعبة نجران) وكنيسة القليس في صنعاء وكنائس في مأرب وظفار (قصة أصحاب الأخدود الواردة في القرآن الكريم الذين أحرقهم ذو نواس: قتل أصحاب الأخدود..)، وكانت الأديرة تمتد على طول طريق دمشق. مكة، والعراق ـ مكة، والعراق ـ ظفار، وكان الدير في ذلك الوقت مكان استراحة على طريق التجارة ومركز دعوة دينية وثقافية، أي أنه كان مدرسة متعددة المهمات. ويقول البلاذري عن هذه الأديرة: "كان أهل ثلاث بيوتات يتبارون في البيع وربها! أهل المنذر في الحيرة، وغسان في الشام، وبنو الحارث بن كعب في نجران، وبنوا ديارتهم (أديرتهم) في المواضع النزهة كثيرة الشجر والرياض والغدران، وجعلوا في حيطانها الفسافس وفي سقوفها الذهب والصور". وعدّد ياقوت في (معجم البلدان ج2) عشرات الأديرة في مناطق سكنى القبائل العربية.
أما بالنسبة الى الأقباط فقد كانت علاقاتهم مع العرب قديمة العهد "فقد كانت مع الأنباط الذين تكاثروا على العدوة الغربية من البحر الأحمر.. وكانت لهم جمال ينقلون عليها التجارة بين البحر والنيل" (أبو سيف يوسف الأقباط والقومية العربية 49)، كما كانت مع العرب التدمريين والغساسنة وإن بشكل أقل (فيليب حتى تاريخ سورية ولبنان 103-107)، وقد طوع الأقباط المسيحية وطبعوها بطابعهم القومي حسب رأي المرحوم جمال حمدان.
حضورهم في التاريخ العربي الوسيط
اعتمدت
الدولة العربية الإسلامية على المسيحيين في إدارة الدولة ودواوينها، فاستفاد الأمويون والعباسيون منهم في تعريب الدواوين والإدارة وأبقوهم على رأس وظائفهم؛ وكذلك فعل الفاطميون في مصر (فقلما خلا ديوان من النصارى. المقريزي 1/98) وكان "معظم الكتاب في الشام ومصر من النصارى"، حسب المقدسي، ولم يقتصر الأمر على موظفي الإدارة، بل تعداه الى الوظائف الكبيرة في الدولة.
ففي زمن معاوية، كان منصور بن ياسر سرجيون وزيراً، وكان طبيب معاوية الخاص وشاعر بلاطه مسيحيّين (فيليب حتى 2/32)، وعين معاوية الطبيب ابن آثال عاملاً على ولاية حمص، وكان شاعر البلاط في عهده الأخطل الشاعر المسيحي المشهور (اليعقوبي 2/265). وعين سليمان بن عبد الملك كاتباً نصرانياً، كما عين المأمون العباسي اسطفان بن يعقوب مديراً لخزينة الخليفة، وتم تقليد ديوان الجيش لمسيحي مرتين، وشغل سعيد بن ثابت وزارة، وتولى عبيد بن فضل قيادة الجيش، وكان عيسى بن نسطور وزيراً في بلاط العزيز الخليفة الفاطمي (ابن الأثير الكامل 83/985)، وكان لعضد الدولة وزير نصراني اسمه نصر بن هارون، وكلف نصارى كثيرون بمسؤوليات حكومية أيام الدولة الفاطمية (الأسد بن ميقات رئيس ديوان الجيش وأبو سعد بن منصور وزير الخليفة المنتصر).
ثمة التباس يقع فيه بعض المؤرخين ومعظم الناس، وهو أن الأساقفة العرب الذين شاركوا في المجمعات المسيحية، كانوا يأخذون أسماء دينية لأسمائهم الأصلية العربية، ما يجعل الأمر ملتبساً، إذ كيف يكون عربياً في ذلك الوقت منكان اسمه ثيودوروس أو يوشاسيوس مثلاً، ويفوت البعض أن هذا الاسم هو الاسم الديني ولا علاقة له بالاسم العربي الحقيقي للأسقف
كان
للمسيحيين دور مهم في الترجمة، بخاصة أيام الدولة العباسية، وأدت الترجمة مهمة رئيسة في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، وقد أتقن العرب (والمسيحيون منهم خاصة) الترجمة واستوعبوا محتويات الكتب المترجمة، بعدما عربوها وأعادوا صياغتها وطوروا مضمونها وأجروا عمليات نقد عليها وأعادوا إنتاج الثقافات السابقة لهم ووضعوها بين يدي العالم في ما بعد. لقد ترجم العرب المسيحيون من اليونانية والسريانية والفارسية، واستفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العربية الإسلامية، خصوصاً مدارس مدن "الرها ونصيبين وجند يسابور وإنطاكية والإسكندرية"، واشتهر من المترجمين شمعون الراهب وجورجيوس (أسقف حوران) ومارأبا ودنحا (مترجماً وشارحاً أرسطو) وجوجيس بن يختشوع (في الطب خصوصاً)، وبقيت أسرته مسؤوله عن الطب في الدولة العباسية طوال ثلاثة قرون، وعين المأمون يوحنا بن ماسويه (ترجم وألف خمسين كتاباً) رئيساً لبيت الحكمة، وحنين بن إسحق العبادي (كان أيضاً رئيساً لبيت الحكمة وترجم 95 كتاباً) ويحيى بن عدي وابن البطريق وقسطا بن لوقا وإسحق الدمشقي ويحيى بن يونس والحجاج بن مطر وعيسى بن يحيى، وقد ترجموا وألفوا في الفلسفة والنواميس والتوحيد والطبيعيات والإلهيات والأخلاق والطب والرياضيات والنجوم والموسيقى وغيرها.
وأسهم الأقباط بدورهم في التطور العلمي، فهم الذين قاموا بالدور الأساسي في بناء الأسطول العربي في بداية العصر الأموي، وهم الذين أقاموا دار الصناعة في الإسكندرية، ودار الصناعة في تونس، وذهب عدد من العمال (الفنيين) القبط الى الشام للهدف نفسه (أبو سيف يوسف 84).
دورهم في النهضة العربية الحديثة
أسهم
المسيحيون العرب في النهضة العربية الحديثة، فكانوا أول من أدخل المطبعة الى البلدان العربية "مطبعة دير قزحيا في لبنان" ثم مطبعة حلب العام 1706، وساعدوا منذ منتصف القرن التاسع عشر على نشر التعليم وتأسيس المدارس العربية، وطالبوا بتعريب التعليم والقضاء في البلدان العربية وإحياء اللغة العربية، وشاركوا في نقل مفاهيم النهضة الأوروبية والدولة الحديثة الى العرب كمفاهيم الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والحق بالتعليم وتحديث الدولة، وأكدوا اعتزازهم بانتمائهم القومي. ومنهم بطرس البستاني الذي كان يفتخر بالحضارة العربية ويؤمن بعروبة جميع الناطقين بالعربية "ألا تشربون كلكم نفس الماء؟، ألا تتنفسون كلكم نفس الهواء؟" وينادي بالوحدة الوطنية وطرح الشعار الشهير "حب الوطن من الإيمان". ودعا الى تعليم العلوم الحديثة فلا "يمكن أن ينهض الشرق من دون الاطلاع على حضارة أوروبا وعلومها"، وعمل لنشر مبدأ العدالة وفصل السلطات في الدولة وإدخال التعليم الإلزامي، وألف القاموس المحيط ثم بدأ تاليف "دائرة المعارف" وأنشأ صحفاً "الجنان، الجنينة"، وافتتح مدارس على أسس قومية طلابها مسلمون ومسيحيون، وأسهم في إحياء التراث العربي. ومنهم ناصيف اليازجي (اهتم بالنحو والبلاغة والعروض) وفرنسيس مراش (تحزب للعقل ونادى بالحرية والمساواة ومحاربة الاستبداد والاستعباد وطالب بالمواطنة مرجعية للجميع)، ومنهم أيضاً أديب إسحق (انضم الى حلقة الأفغاني)، أصدر صحفاً في مصر وباريس، وناصر ثورة عرابي، ودافع عن الحرية والمساواة، وعارض الاستعمار والتدخل (من كل الجهات تمتد أيدي الأجانب الى الشرق)، ونادى بالوحدة العربية (إن غايتي هي السمو بتفوق الدم العربي وإذكاء الحماسة في قلوب العارفين حتى يقف شعبي على الحقوق التي سلبت منه ويستعيد ما هو له)، وإبراهيم اليازجي الشاعر والأديب والمفكر القومي العربي (تنبهوا واستفيقوا أيها العرب.. فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب). ولعل فرح أنطون من أهم النهضويين العرب، فقد كان محرراً في عدد من الصحف وترجم الى العربية مؤلفات عديدة وألف كتباً وساجل محمد عبده ونادى بالمساواة والعدالة والولاء القومي.
أسهم المسيحيون العرب في تأسيس الجمعيات، بدءاً من أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأخذت الجمعيات أسماء غير سياسية، لكنها كانت أحزاباً بأسماء جمعيات، أهدافها الحقيقية سياسية وقومية وتنويرية، وضمن مسلمين ومسيحيين من دون تفريق، وعملوا معاً لنشر الثقافة العربية، وإحياء اللغة العربية والتراث العربي، وتنوير الشعب بالأهداف القومية العربية، والعمل لانتزاع حقوق العرب من السلطة العثمانية، وأخيراً تحقيق اللامركزية. وانتشرت الجمعيات في المدن العربية، وأصدرت الصحف والكتب والمنشورات، وقامت بنشاطات ثقافية وسياسية واسعة، وكان من أبرز الجمعيات: الجامعة العربية والإخاء العربي العثماني والمنتدى الأدبي والجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد والجمعية القحطانية وحزب الإصلاح، وكان حوالي نصف عدد أعضاء المؤتمر العربي الأول (باريس 1913) من العرب المسيحيين.
تؤكد المصادر التاريخية أن الأساقفة العرب شاركوا في المجمعات المسيحية الرئيسة الثلاثة (نيقيا 325م، أفسس 430م، خلقيدونية 451م) وأنهم انشقوا أكثر من مرة ورفضوا في الغالب الأعم الهيمنة البيزنطية وتعاليم كنيستها
أثبتت
الدراسات النوعية للمجتمعات الحديثة أن التعددية نعمة وأن وجود الأقليات ميزة، فالوجود المسيحي يعطي أمتنا شخصية متميزة ويثبت رحابة تاريخها وتنوع حضارتها، والأمم الناهضة والشعوب الذكية تبرع في توزيع الأدوار عند اللزوم، وتجعل من الاختلافات الدينية والمكونات الحضارية مصدراً لتعظيم مصالحها وتحقيق أهدافها والدفاع عن غاياتها. ونحن في هذه المرحلة التي تشتد فيها الحملة الضاربة ضد هويتنا القومية وحضارتنا العربية، في احتياج شديد الى استخدام كل عناصر القوة لدينا ومظاهر التنوع فينا، وفي مقدمتها الدعوة الى قيام المسيحيين العرب بدور فاعل في هذه المرحلة دفاعاً عن تاريخنا الواحد وتراثنا المشترك، وقد يكون موقفهم المنتظر بداية لروح جديدة في عالمنا العربي، تقوى بها العروة الوثفى بيننا وتزدهر معها حقوق الإنسان لدينا (مصطفى الفقي الحياة 11/12/2001). استوعب المسيحيون العرب الحضارة العربية الإسلامية، وهم أبناؤها، وتمثلوها، ودخلت في عمقهم الثقافي والحضاري (لسنا كلنا مسلمين ولكننا كلنا إسلاميون، بمعنى أن هناك حضارة واضحة جداً هي الحضارة العربية والإسلامية ونحن كلنا ننتمي إليها. المطران جورج خضر). وهم يعتزون بعروبتهم وانتمائهم العربي (نحن المسيحيين العرب في علاقة عميقة مع العرب المسلمين، من لحمهم ودمهم، وإثنيتهم وقوميتهم، وقبائلهم وحضارتهم وثقافتهم وتقاليدهم، نتعايش منذ ألف وأربعماية سنة جنباً الى جنب مع افسلام، ونتأثر بالإسلام تأثراً عميقاً جداً، ونتحمل عبر التاريخ مسؤوليات جسيمة قومية واجتماعية وحتى حربية مع المواطنين المسلمين. البطريرك غريغوريوس الثالث لحام). وكما لعبوا دوراً حضارياً وثقافياً وعلمياً وقومياً خلال التاريخ العربي، فإنه يمكنهم الآن تجديد هذا الدور بأساليب أخرى ومناهج وطرق أخرى، بإمكانياتهم التي يمتلكونها وبفهمهم العميق للقضايا العربية وللدين الإسلامي، وهو ما لم يتم حتى الآن كما ينبغي. وتخسر الأمة العربية والقضية العربية والثقافة العربية الإسلامية خسارة كبرى، إن لم يقم المسيحيون العرب بأداء واجبهم ولعب دورهم المهم في ظل المعطيات الراهنة والظروف الدولية والإقليمية القائمة، بخاصة وأنهم في الوقت نفسه حملة راية المسيحية الى العالم وحراسها وأصحاب مهدها والقيمون عليها، ولا يزاحمهم بهذا أحد. إنهم في الواقع من حملة الحضارة العربية الإسلامية، وإنهم حملة شعلة المسيحية المشرقية، وأصحاب فلسفتها وروحها، وفرسانها المدافعون عن المسيحية الحقيقية.
يستطيع المسيحيون العرب الإسهام أكثر من غيرهم بتحديث الدولة العربية، لما يملكون من تراكم ثقافي ومعرفي وممارسات فعلية في هذا المجال، نتيجة علاقاتهم المبكرة مع الأوروبيين التي نمت خلال قرن ونصف وأكسبتهم خيرات ومهارات وقدرات نحن بأشد الحاجة غليها
مع
تغير الظروف والزمان والمكان وشروط التطور والنظام العالمي الجديد، فإن للمسيحين العرب دورهم المهم الذي يمكن أن يؤدوه، سواء في دفع التطور الداخلي والإصلاح خطوة الى الأمام، أم في الدفاع عن القضايا القومية والثقافية العربية والحضارة العربية الإسلامية والدين الإسلامي في الخارج، ويمكن أن يبرز دورهم في مجالات عدة أهمها:
1 ـ يستطيع المسيحيون العرب الإسهام أكثر من غيرهم بتحديث الدولة العربية والمجتمعات العربية، لما يملكون من تراكم ثقافي ومعرفي وممارسات فعلية في هذا المجال، نتيجة علاقاتهم المبكرة مع الأوروبيين، التي نمت خلال قرن ونصف، وأكسبتهم خبرات وإمكانيات يمكن استخدامها لتحديث الدولة العربية والتقاليد العربية، فضلاً عن امتلاكهم المهارات والقدرات أكثر من بعض شرائح المجتمعات العربية، ولعل مهمة المشاركة في تحديث الدولة والمجتمع هي مهمة جليلة نحن بأشد الحاجة إليها.
2 ـ تشغل الجميع في عصرنا قضايا حوار الحضارات والثقافات، هذا الحوار الذي تمت ممارسته في البلدان العربية منذ مئات السنين بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى؛ ولا شك أن الحوار والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في هذهالبلاد هما أنموذج لحوار الثقافات والحضارات المبتغى. وقد تمثلت الثقافة العربية الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية جميع الثقافات والحضارات التي تواصلت معهما، وليست ثقافة المسيحيين العرب في الواقع إلا نتاجاً للحوار الثقافي الإسلامي المسيحي وأنموذجاً ناجحاً له. ولا شك أن المسيحيين العرب قادرون بجدارة على المشاركة في حوار الحضارات والثقافات بين العرب وغيرهم، وهم الأكثر إقناعاً، لأنهم نتاج مثل هذا الحوار الذي عاشوا تحت خيمته مئات السنين، وتيقنوا من احترام العرب والمسلمين للثقافات الأخرى والحضارات الأخرى وممارستهم الحوار معها فعلياً، ولمسوا لمس اليد أن العرب والمسلمين محاورون حقيقيون وليسوا أبناء حضارة صدام وصراع، وغير دخلاء على الحوار، بل عاشوه وعيشوه ومارسوه خلال تاريخهم.
3 ـ إن مسؤولية المسيحيين العرب لا تقل عن مسؤولية المسلمين العرب تجاه قضاياهم القومية والسياسية والوطنية والثقافية، وينبغي أن يتذكروا أنهم أبناء هذه الأمة لا ينفصلون عن نسيجها، ولا يمكنهم الاغتراب عن ثقافتها ومصالحها، سواء كانوا في الداخل أم في بلدان المهجر. ولأن لديهم بعض الإمكانيات والفرص في التخاطب مع الآخرين والتواصل معهم، فإن ذلك يزيد من أهمية دورهم، بحيث تقع عليهم مسؤولية الدفاع عن هذه القضايا في كل مكان وجدوا فيه.
4 ـ لقد تشكت خلال التاريخ ولأسباب عديدة وشديدة التعقيد صورة نمطية عن العرب والمسلمين لدى شعوب أوروبا وأميركا، وهي بالتأكيد ليست صورة زاهية، وقد لعبت عوامل عديدة في تشكيلها، وأخذ دورها السلبي يبرز للعيان، ويؤثر سلباً في مواقف الشعوب الأوروبية والأميركية تجاه القضايا العربية، بخاصة بعد أحداث 11أيلول (سبتمبر 2001). إنها صورة نمطية وخاطئة وظالمة من دون شك، ونحن بأشد الحاجة لتغييرها، وليس أقد من العرب المسيحيين المقيمين والمهاجرين على المشاركة في تغيير هذه الصورة، من خلال نشاطات كنائسهم وجمعياتهم ومنظماتهم وأشخاصهم ووتواصلهم، وخصوصاً في بلدان المهجر، لأنهم عرب يعرفون حقائق الثقافة العربية والحضارة العربية والدين الإسلامي وقادرون على إقناع الآخر بتغيير هذه الصورة، بخاصة وأن لهم صدقيتهم التي لا شك فيها.
5 ـ إن المسيحيين العرب في الوطن والمهجر يعرفون بعمق الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي، ويمكنهم الإسهام الكبير في تصحيح مفاهيم الآخرين ومواقفهم منهما، والمساعدة على فهمهما على حقيقتهما، وإزالة الشكوك وسوء الفهم هذا، خصوصاً أنهم (أي المسيحيين العرب) عايشوا تلك الحضارة وذاك الدين، ويعرفون بالضبط تهافت رأي قطاعات شعبية كبيرة في الغرب تجاههما، ويمكنهم أن يشهدوا بما يعرفون، ويقنعوا بما عاشوا في ظله قروناً عديدة، مدافعين عن الحضارة العربية الإسلامية والدين الإسلامي. ولشهادتهم وقع خاص من دون شك لدى الغرب وشعوبه، لأن لها وقعها المهم وصدقيتها وقادرة على إعادة تشكيل وعي شعوب الغرب بالحضارة العربية الإسلامية وفهمها، واستطراداً تعديل سلوك هذه الشعوب ومواقفها تجاهها.
6 ـ للمسيحيين العرب كنائسهم وجمعياتهم الثقافية والأهلية والاجتماعية والسياسية في الداخل والخارج، ولها صلات واتصالات مع مثيلاتها في كل مكان، ويمكنها أن تقوم بدور كبير في مجال شرح القضايا العربية والحقوق العربية في التحرر وتقرير المصير والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية. ولا شك أن لهذه المؤسسات فعالياتها ودورها الكبير في هذا المجال، ويقع عليها مسؤولية وضع القضايا، القومية على رأس مهماتها، ومن هذه القضايا، إضافة الى التعريف بحقيقة الدين الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية، حق العرب في التحرر وتقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة.
عقبات في الطريق
تقف عقبات بوجه أداء هذه المهمات المتعلقة بتجديد دور المسيحيين المقيمين في البلدان العربية حالياً بحدود 12مليون نسمة أي 4 في المائة من عدد سكان هذه البلاد (الأرقام والنسب مختلف عليها)، ويتوزعون السكن في مصر وسورية ولبنان والعراق وفلسطين والأردن، وكان عددهم سيتضاعف لولا كثافة هجرتهم خلال القرن العشرين وفي الربع الأخير منه خصوصاً (هاجر ربع مسيحيي سورية ولبنان والعراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة). وتقدر بعض الإحصائيات عدد المسيحيين العرب المقيمين خارج بلدانهم بحوالي 10ملايين نسمة، يقيم أكثر من نصفهم في أميركا الجنوبية، بينما يقيمي الباقون في الولايات المتحدة وكندا والبلدان الأوربية والبلدان الإفريقية، وعلى رغم هذا العدد الكبير من المهاجرين المسيحيين المنتشرين في مختلف بلدان العالم، لم تجد أوطانهم الأم السبيل للتنسيق معهم، وتهيئة المناخ للاستفادة منهم، وتنظيم جهودهم وصلاتهم مع الآخرين في مهاجرهم لخدمة القضايا العربية والثقافة العربية، وإبقاء روابطهم متينة مع بلدانهم الأصلية.
2 ـ لم يدخل التحديث بجدية وثبات في بنية الدولة العربية بعد الاستقلال، فما زال معيار المواطنة ليس هو المعيار الأساس والوحيد لمرجعية الدولة، وتشاركه مرجعيات ومعايير أخرى، كالإقليمية والقبلية والطائفية وغيرها، وجميعها معايير غير صالحة لتكون مرجعيات للدولة الحديثة ولكل مواطنيها وسكانها. ولذلك لم تتحقق بعد معايير الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والتعددية واحترام القانون وسيادته، ما خلق بعض الصعوبات أمام المسيحيين، وفرض عليهم الشعور بأنهم أقلية، وعمق مشاعر الخوف من الأكثرية المسلمة، وشجع هجرتهم، وزار مشاعرهم بالغربة في أوطانهم. وربما أشعرهم بعدم المساواة مع بني وطنهم من المسلمين وخصوصاً في مجال الحقوق السياسية، وبعض الحقوق التي تنص عليها قوانين الأحوال الشخصية، إضافة الى حقوق أخرى في بعض البلدان العربية، "وانحسرت المسيحية لدرجة أن العديد من المجتمعات المسيحية، أصبحت في السنوات الأخيرة تخاف على موروثها" (هلال خاشان).
3 ـ لم يسع رجال الدين المسلمون ولا بعض المؤسسات الدينية الإسلامية بشكل كامل لتأسيس نظام إقليمي جديد وأنماط علاقات جديدة بين المسلمين والمسيحيين، تنطلق من حقيقة وجود تعددية دينية في بلداننا، ومن أن هذه التعددية هي أمر إيجابي ينمي الحوار ويزيد التنوع الثقافي والغني الثقافي، وأنها ظاهرة صحية، (لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين/هود 118) ولا يمكن للأحادية أن تكون السبيل الأفصل لتكامل ثقافة الأمة وتطورها وغناها وغنى معتقداتها. ولا شك أن ضيق هامش الحرية والديموقراطية في معظم البلدان العربية، لم يتح المجال للتعددية الدينية والثقافية أن تأخذ مداها، بل على العكس، حاصر الجميع وبخاصة الأقليات، وأدى الى شعورها بالغربة وتوجهها نحو الهجرة الجسدية والروحية عن الوطن وعن قضاياه.
4 ـ إن تنامي تيار التطرف لدى بعض الحركات الإسلامية، أدى الى خشية الأقلية المسيحية من نمو هذا التيار وبحثها عن أوطان بديلة وعن قضايا بديلة، واستسلامها لمفاهيم وقيم أخرى تبعد هذه الأقلية عن قضاياها القومية وعن بلدانها الأصلية وعن الاهتمام بمشكلات مواطنيها. وانكفأ بعضهم ليبرز اهتمامه بالقضايا الطائفية أكثر من أي شيء آخر.
5 ـ لم تتواصل البلدان العربية بشكل جدي مع الجاليات المهاجرة بعامة والمسيحية بخاصة، ما أفقد هذه الجاليات بعض فعاليتها في مجال النشاط القومي والوطني، وتركها أمام تأدية مهمات معاشية محلية وتجارية ويومية لا تهتم بقضايا الأوطان الأصلية كما ينبغي، ولا يعتبر أعضاؤها أن من واجباتهم القيام بمهمات قومية، ويتنامى ضعف التواصل هذا. مع الأسف. على رغم تفجر وسائل الاتصال والإعلام وتقارب المسافات، وتحول العالم الى قرية صغيرة.
6 ـ لعبت السياسات الاستعمارية والإمبريالية وما زالت تلعب دوراً كبيراً في تزييف وعي المسلمين والمسيحيين، وتحريضهم بعضهم على البعض الآخر، وطمس تاريخهم المشترك وتعايشهم خلال التاريخ الطويل، وبذر بذور الشقاق بينهم، والتأكيد على أنها أقرب للمسيحيين وحاميتهم من المسلمين وسندهم عند الشدة، وتنشط بالتالي لفصلهم عن بني قومهم وعن ثقافتهم وحضارتهم، وتعميق الشعور بالغربة لديهم تجاه بلادهم وشعوبهم وقضاياهم.
حوار الحضارات والثقافات تمت ممارسته في البلدان العربية منذ مئات السنين، بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، ولا شك أن الحوار والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في هذه البلاد، هما أنموذج لحوار الثقافات والحضارات المبتغى
إن للعرب المسيحيين وجودهم وروابطهم ومؤسساتهم داخل الوطن وخارجه وحضورهم التاريخي والقومي، وعليهم كما على مواطنيهم المسلمين، مهمات جسيمة قومية واجتماعية وثقافية، فكلهم أبناء قومية واحدة، ويعيشون على الأرض نفسها، وتجمعهم الآمال نفسها والمطامح نفسها، ويدافعون عن ثقافتهم المشتركة وحضارتهم المشتركة، ومن البديهي أن يسهموا. ما استطاعوا. في التجديد وفي الدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية والثقافة العربية الإسلامية.