ليس دفاعاً عن عبد الحيم خدام  

 عبد الاله بلقزيز - النهار

لو لم يكن في التوقيت شبهة، لأمكن ان يقال ان ما أدلى به السيد عبد الحليم خدام من تصريحات لقناة "العربية" يقع في جملة الرأي المصطلح عليه بعبارة "وجهة نظر". ومع ان الرجل ليس مجرّد صاحب رأي بل كان صاحب الرأي الذي تتفرع عنه الآراء فتصطفّ أمامه بين مردد ومندد؛ لكنه في النهاية ما كان ليعدو نطاق الدفاع عن رأي، أو عن موقف نقدي، مما يجري في بلده لو قال ما قاله في ظروف اخرى لا يكون فيها خناق "يَشُدُّ أنفاس بلده. ولا مقتنص فرص يصطاد ادلة من عقر الدار يعزز بها سياسة شد الخناق تلك!

لو صدرت تلك التصريحات قبل صدور القرار 1559 مثلاً، لما اجترأ أحد ان يقذف في وطنية عبد الحليم خدام. ولو صدرت قبل اقرار "قانون محاسبة سوريا" والتصديق الرئاسي عليه، لما هان على أحد ان يستفهم استفهاماً حول صلاتها المفترضة بسياسات خارجية معادية. أما لو أطلقها من قلب دمشق، لكان عُدّ بطلاً سياسياً بامتياز، ولارتفع سهم صدقيتها في العالم والمنطقة ولدى المعارضة ابتداء. لكن أبا جمال اختار ان يطلق رأيه في النظام - الذي كان ركناً فيه من باريس (وهي احدى عاصمتي القرارات 1559، 1636، 1644)، واختار توقيتاً سياسياً دولياً غير مناسب، فأتت افادته تقدم في رأي كثيرين مسوّغاً لتصعيد الضغط على دمشق الى حيث مطالبة لجنة التحقيق الدولية بـ"مساءلة" الرئيس السوري في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ولم يلبث السيد عبد الحليم خدام ان قدم مساهمته في إماطة اللثمان عن استهداف مقاله ومقوله حين صرّح لقناة فرنسية بما يفيد ان نقده نظام سوريا ليس محض نقد يروم تنبيهاً او تصويباً، بل دعوة الى تغيير ذلك النظام من خلال دعوة رئيسه الى الرحيل عن السلطة. وليس يخفى انها دعوة ليست تستند الى عوامل داخلية محلية تتوسّل بها او تراهن عليها، بمقدار ما تخاطب قوة ترتّل املاءات الامتثال من خارج حدود الوطن.

مع ذلك، أعني مع ما في كلام السيد خدام من اشتباه في الطوية والمقصد، فلا يعادله في الخطورة او يفوقه سوى الرد عليه بمفردات التخوين على مثال تلك التي زخّت طلقاتها من اكثر من موقع سياسي في سوريا. تحول عبد الحليم خدام سريعاً، وفي بحر ساعات معدودات، من رمز للدولة والنظام والحزب الى خائن. وسريعاً جرى اكتشاف فساده ورمزيته في الفساد... الخ. وسريعاً وقع تحريك ملفات ضده سياسياً في افق تحريكها قضائياً.

ولست أجادل في حق سوريا في محاسبة أحد رموزها على الفساد، وليتها تفعل ذلك ضد جميع من لاكت ألسنة السوريين اسماءهم من فرط علمهم بما امعنوا فيه من سرقات وهدر وتنفّذ، فذلك حق للدولة والوطن يأخذانه قانوناً ممن ثبت فيهم اتهام مسنود، بل هو واجب على الدولة والوطن لحفظ الحق العام والمال العام وانفاذ سلطة القانون على الجميع. ولست مستعداً - هنا ان ادافع عن عبد الحليم خدام في وجه تهمة الفساد، تماماً كما لا أملك ان اشارك في اتهامه، لأنه لا معطيات لديّ في الموضوع. لكني ايضاً لا أملك ان اتفهّم اسباب التخوين اياً تكن تلك الاسباب لأن أمره خطير، بل شديد الخطر: على سوريا قبل ان يكون على عبد الحليم خدام.

ان يكون عبد الحليم خدام قد خان النظام الذي كان ينتمي اليه الى عهد قريب، فذلك من تحصيل الحاصل. وهو نفسه اعترف بذلك في  تصريحه لـ"العربية" حين قال انه اختار الوطن ولم يختر النظام، وزاد عليه بأن طالب الرئيس بشار بالتنحي: واضعاً حداً لأي استفهام حول مدى وجود خيط ما من خيوط العلاقة بالنظام أو عدم وجوده بعد ان قال الذي قال. ولكن، من ذا الذي يستسهل الاستنتاج بأن خيانة نظام سياسي انما تعني حكماّ - خيانة الوطن؟ هل يجوز اقامة المماهاة بين الأمرين؟

اذا اعدنا عبارة "خيانة النظام" الى حدودها الطبيعية، يصبح ما فعله عبد الحليم خدام انشقاقاً سياسياً عن نظام كان فيه رمزاً وفي جملة صناع القرار. والمنشقّ - عن حزب او جبهة او نظام انما هو صاحب موقف معارض حدّي للمؤسسة التي كان فيها. لنقل، اذن، انه بات يملك موقفاً نقيضاً لها حين غادرها او انشق عنها. ان كان الأمر كذلك وهو كذلك فكيف يجوز اتهام معارض بالخيانة لمجرّد انه معارض؟ اذا كان يصح ان يقال في الرجل انه خائن، فإن ذلك يصدق على كل معارض سوري؟ وهو أمر في غاية الخطورة ولا يليق بصورة سورية سياسياً.

يمكن المرء ان يتفهم ولو على مضض دواعي الانفعال الاولي في الرد على تصريحات السيد عبد الحليم خدام، لأنها أتت مفاجئة لدمشق وفي توقيت لا يناسب جهدها لرد سيل التهم المنهمر عليها من كل جانب. لكن من الخطأ القاتل ان يتحوّل الانفعال الى سياسة ثابتة، ويستجرّ مواقف وقرارات واجراءات تمعن في اطلاق تداعيات "النازلة" بدل استيعابها. وثمة كثيرون يريحهم ان تتوتر اعصاب سوريا في التعاطي مع تصريحات خدام، وان ينفلت غضبها الى حيث ترتكب اخطاء سياسية يجري توظيفها ضدّها في ما بعد، بل وبأكثر مما جرى توظيف موقف خدام ضدها!

ما كان اغنى دمشق عن الانزلاق الى حملة التخوين. وما كان أحوجها الى الرد على خدام رداً سياسياً قابلاً للادراك بعيداً عن فكرة الاقتصاص ولو لفظياً من سياسي اختار المعارضة. واحسب ان حاجة سوريا اليوم الى رباطة الجأش في مواجهة الضغط الخارجي المضروب عليها كبيرة جداً. وهي وحدها تقدمها الى العالم كدولة صاحبة موقف مشروع، لا تهتز ثقتها بنفسها لمجرّد ان احد رجالاتها جهر بموقف معارض.

والخوف كل الخوف من ان الحملة على خدام لا تبني اجماعاً حقيقياً في الداخل، بل تسهّل قيام مثل ذلك الاجماع ضدها في الخارج، بما في ذلك اجماع معارضين لا يجوز لسوريا ان تستهين بهم.

 

كاتب مغربي

عبد الاله بلقزيز