السوق والديمقراطية

محمد جمال باروت : الوطن السعودية 12/1/2006

هل هناك تلازم ضروري بين التوجه إلى اقتصاد السوق وبين التوجه إلى الديمقراطية؟ يبدو هذا التلازم من أبرز الترسيمات الأيديولوجية لليبيرالية الجديدة لعملية العولمة الجارية، التي تمت بلورتها في سياق التحول التاريخي العاصف من نمط النظم التوتاليتارية إلى نمط النظم الديمقراطية في أوروبا الشرقية السابقة، وتم تعميمها على كافة النظم التسلطية التي لا يمكنها أن تحكم من دون دورٍ تدخليٍ قويٍ وحاكمٍ للسلطة في العملية الاقتصادية. يثير ذلك إشكالية العلاقة ما بين الديمقراطية والليبيرالية، فالديمقراطية في تاريخها كانت عمليةً تاريخيةً طويلةً ومعقدةً تمثلت على الدوام بإعادة تعريف الليبيرالية، وتعميق مضامينها الديمقراطية التي شكل حق الاقتراع العام أحد أهم عناوينها التاريخية، وصولاً إلى عملية ترسيم العلاقة التلازمية ما بين الديمقراطية والليبيرالية في الأيديولوجيا الليبيرالية الجديدة الراهنة.
تستمد هذه الترسيمة قوتها من منطلقات أن التوجه إلى اقتصاد السوق يفرض تغييراتٍ عميقةً في طبيعة السلطة التي تجسد الدور التدخلي للدولة في الحقل الاقتصادي- الاجتماعي- السياسي العام، وتقابلها ترسيمة أخرى تطرح إشكالية هذا الدور في ظل نظام السوق، وإعادة تعريفه بما يتسق مع ترسيمةٍ أخرى شديدة الشيوع اليوم، وهي ترسيمة الشراكة ما بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. إن سؤال الدور التدخلي للدولة في اقتصاد السوق هو سؤال عن مظاهر حضورها في نظامٍ اقتصاديٍ تنافسيٍ، يعمل وفق قواعد وآليات السوق، ويتطلب بقدر ما يفرض إعادة نظر جذرية بالمجال القانوني كله، ذلك أن توجه الدولة نحو اقتصاد السوق يعني الاعتراف ضمناً بأنها قد كفّت عن أن تكون اللاعب الوحيد أو اللاعب المسيطر، ويطرح حدود انزلاق السلطة من عملية التمركز في القبضة البيروقراطية- الأمنية- السياسية لجهاز الدولة إلى اللامركزية وتجزؤ السلطات وزيادة دور المجتمعات المحلية وجماعات المصالح وغرفها المنظمة.
إن ترسيمة التلازم ما بين الديمقراطية والليبيرالية هي ترسيمة أيديولوجية تعمل في ضوء نموذجٍ مثاليٍ معياريٍ أو استهدافيٍ. ويصدق ذلك على التوجه السائد في بلداننا العربية إلى اقتصاد السوق، والذي يتم بمعدلاتٍ كبيرةٍ ومتسارعةٍ، من دون أن تعني سرعة ذلك التوجه سرعة تحول من النمط التسلطي للدولة إلى النمط الديمقراطي. إن الذين يفكرون بتلك العلاقة ما بين الليبرالية والديمقراطية في ضوء النموذج الليبرالي الجديد سيتمكنون من القول إن التاريخ شهد ومايزال يشهد أشكالاً للتحول إلى اقتصاد السوق في إطار نظمٍ تسلطيةٍ أو حتى ديكتاتورية، لكنه لم يشهد حالةً واحدةً معتبرةً يتلازم فيها التخطيط المركزي الشامل مع الديمقراطية، فاقتصاد السوق الحقيقي لا يتحقق إلا في إطار دولة الحق والقانون أي الدولة الديمقراطية، ويتنتج عن ذلك القول بيسرٍ إن ما يظهر في بلداننا العربية من تكيفٍ مع نظام السوق واعتماد آلياته وقواعده ليس اقتصاد سوق حقيقي بل اقتصاد سوق مشوه.
ينطوي ذلك على درجة كبيرة من صحة التشخيص، إذ يتم التكيف مع نظام السوق بشكلٍ يوحي في الظاهر باعتماده في ضوء فعالية الاحتكارات العامة والخاصة التي تمسك القبضة المركزية البيروقراطية للأجهزة الحاكمة بحلقاتها الأساسية، حيث إن قيام نظامٍ حقيقيٍ للسوق يتطلب بالضرورة إرساء نظامٍ تنافسيٍ في المستوى الاقتصادي- السياسي- الاجتماعي للنظام الاجتماعي العام كله. الاحتكار هو نقيض التنافسية، وحين يتم التحول إلى نظام السوق مع بقاء الاحتكارات، فإن الشفافية تغدو مفتقدة، وتؤول ثمرات ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي عادةً إلى الطغم والذئاب الشابة الجديدة، عبر العلاقة اللولبية الدوارة ما بينها وبين البيروقراطية الحاكمة.
في المقابل يتعرض هذا" التسليم" إلى مساءلة عن مدى صلاحيته، فالعلاقة اللولبية بين قوى السوق وبين بيروقراطية السلطة قائمة، وتخترق ديمقراطيات السوق العريقة والمتجذرة والمستقرة. لكن حتى في اختراق شبكة المصالح الخاصة للمجال العمومي الذي تدعي السلطة عادةً أنها تؤدي وظائفها باسمه يتحقق هناك نوع من التوازن، يتيح إمكانيات التصحيح والمساءلة والمحاسبة وتداول السلطة في المركز والمحليات وحضور الرأي العام وقوانين منع الاحتكار. فما يميز النظم الديمقراطية المستقرة هو قدرتها على تصحيح ذاتها من داخل دينامياتها الديمقراطية، بينما تفتقد النظم التسلطية إلى هذه الآليات، فتوجهها إلى نظام السوق لا ينبني على دينامياتٍ داخليةٍ حقيقيةٍ بقدر ما ينبني على ضرورات التكيف مع انفتاح الأسواق واندماجها.
من هنا يتلازم تقليدياً في النظم التسلطية العربية الحديث عن مخاطر الربط ما بين التوجه إلى نظام السوق وبين التوجه إلى معايير وقواعد النظام الديمقراطي، والمقصود بالمخاطر هنا هو آثار ذلك على استقرار الجهاز البيروقراطي، ودوام تسلطيته، واحتكاره للمجالات، وهي متلازمة نقيضة لمتلازمة الترابط بين اقتصاد السوق والديمقراطية، في الوقت مازالت فيه هذه النظم على مستوى تطورها مادون معايير الحكم الرشيد، الذي يستوعب بنيات النموذج الديمقراطي وآلياته، ويدمجها بشكلٍ فعالٍ في عملية التنمية، ويمكن إرساء آلياته في مختلف النظم والثقافات، بشكلٍ تنتزع فيه الخصوصية الغربية عن العلاقة المتلازمة ما بين نظام السوق والديمقراطية، وتغدو عموميةً خارج الخطاب ، لكن بنيات النظم التسلطية العربية مازالت على الرغم من كل الوهن الذي تعرضت إليه بعض آلياتها طاردةً للمعايير المؤسسية، وهو ما يعني أن الفجوة ما بين نظام سوق حقيقي وبين نظام تسلطي ستبقى حاضرة، ما لم يتم إدخال إصلاحات سياسية حقيقية في بنية العلاقة ما بين تلك النظم وبين المجتمع.