سوريا بين الشرعية والأهلية والوصاية

لؤي حسين - السفير

 

لن يطول الأمر بنائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام حتى يعلن عن نفسه بديلاً للرئيس بشار الأسد، وأنه يشكل مع مجموعة من الشخصيات الحليفة بديلاً للفريق الحاكم. وإذّاك، سوف يتحول ما يروّجه من آراء واقتراحات مدعياً أنه كان قد تقدّم بها غير مرة وفي غير مناسبة داخل الأطر القيادية لحزب البعث إلى برنامج سياسي سيحاول السيد خدام من خلاله استقطاب الشخصيات السياسية والعسكرية والمالية من داخل الحكم ومن خارجه للانضمام إليه ومناصرته، وسيأمل من خلال ما يطرحه أن يكسب حياد الجمهور والمعارضة في سوريا.
لم يشكك السيد خدام في تصريحاته المتتالية، بعد مقابلته الشهيرة مع تلفزيون <<العربية>>، بشرعية السلطة السورية وشرعية حكم حزب البعث ولا حتى في شرعية رئاسة بشار الأسد، وإنما شكك فقط بأهلية الرئيس وبعض المسؤولين من حوله الذين يعتمدهم في إدارته، في مقابل أهليته هو في قيادة السلطة والحزب الشرعيين، كونه، حسب اعتباره، كان من بناة النظام السوري الذي استطاع أن يعلي اسم سوريا خلال حقبة رئاسة حافظ الأسد، وكونه ما زال وفياً لنظامه وقائده الراحل.
وهو لم يحاول سلوك السبل المعهودة للقادة والمسؤولين الذين يخرجون عن سلطاتهم فيتبرؤون من ماضيهم آسفين، مبررين ارتكاباتهم بأنهم كانوا مرؤوسين لا يمتلكون مقدرة العصيان. بل على العكس من ذلك فقد تباهى بإنجازاته معتبرا نفسه، وهو مُصيب، أنه كان من صنّاع القرار السوري في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، أقلها حتى العام 1998 حين تمكّن الرئيس الراحل حافظ الأسد من تحضير وتهيئة ابنه بشار لخلافته، فأولاه العديد من المهام والمسؤوليات من بينها بعض العلاقات والمصالح الخارجية التي كانت مناطة بنائبه خدام. حتى أن خدام لم يحاول أن يدفع عن نفسه تهم الفساد التي كالها له النواب والمسؤولون السوريون، في سياق رده عليهم، فاكتفى بالتذكير أن الرئيس السوري وبعضاً من أقاربه وأعوانه هم من يديرون الفساد والتطاول على المال العام في البلاد، وكأنه أراد أن يقول في هذا الصدد: أنا وغيري في الفساد سواء.
هو لا يريد نقل مبارزته مع الرئيس بشار وقادة السلطة إلى ميدان كشوفات الفساد، حيث يكتسب الأقل فساداً أو إفساداً شرعية الحكم والحق بإطاحة بالآخر. ويبدو أنه، الى الآن، لا يريد التطهر من تهمة الإثراء غير المشروع، فقد يعتبره مشروعاً حسب ما شرعنه له زعيم المعارضة السورية حسن عبد العظيم، الذي يرى أن ثروة عبد الحليم خدام وثروة عائلته، التي يصعب حصرها، أتت من رواتبه كوزير للخارجية تعويضاً عن المهمات الخارجية التي كان يقوم بها.
ميدان المبارزة الذي اختاره خدام مع من أبعدوه عن السلطة هو المأزق الذي وصلت إليه السلطة والبلاد في مواجهة الإرادة الدولية وإشكالية الانسحاب من لبنان. فهذا الميدان لا يشترط الطهارة والماضي النظيف للمتبارزين، وأرجحية الفوز فيه تعود لمن يتمكّن من أن ينجي البلاد من مأزقها الراهن عبر تحالفات مع أطراف وجهات خارجية، خارجية فقط. وهذا ما يراهن عليه السيد خدام. وقد تمكن لحد الآن من كسب أكثر من خطوة على خصومه، بعد أن وضعهم في مواجهة لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وسينتظر إلى أن تتفاقم المواجهة بين السلطة السورية ومجلس الأمن ليتقدم بعرضه القادم الذي سيتوجه به إلى السوريين: <<أنا من يملك مركب نجاتكم، وعندي حلفاء يتكفلون بإخراج البلاد من مأزقها إن اصطففتم خلفي وخلف من معي>>.
لا تتعدّى محاولة خدام الإطاحة بفريق من السلطة والاستيلاء عليها، وليس قلب النظام كما يروّج المعارضون وبعض الإعلاميين الذين يختزلون النظام بعدد من المسؤولين المسيطرين على قمة الهرم السلطوي. ومع ذلك سيجد خدام نفسه مضطراً لتحديث النظام الاستبدادي القائم بعدما أصيب بتصدّعات كبيرة وخطيرة خلال السنوات القليلة الماضية، وبعد إخفاق قادته، بمن فيهم السيد خدام، من تحقيق أي تحديث فعلي على بنيته. لكن هذا التحديث، بالنظر لقادته وللقوى المعارضة المطالبة به، لن يتعدّى تبديل طابعه من عسكري أمني إلى مدني مالي.
لا يوجد جواب حاسم ومُقنع عن سبب تأخّر عبد الحليم خدام في محاولة قلب السلطة، أو سبب عدم قيامه بذلك حين كان على رأس عمله في ذروة هرم السلطة وتأجيل الأمر إلى حين خروجه من البلاد هو وعائلته. لكن من الواضح والجلي أن ظهوره الآن في هذا الوقت وبهذا الشكل يأتي ضمن سياق ما تقوم به شخصيات وقوى سورية من تقديم عروض متعددة، تحت تسميات مختلفة، استجابة للحاجة الغربية والأميركية لبديل عن السلطة الحاكمة في سوريا بعد أن عدلت الولايات المتحدة عن إسقاط النظام بعد إدراكها حجم الفوضى التي سيتسبّب بها سقوطه، محتفظة بهذه الرغبة إلى حين ظهور أو تشكيل بديل ولو كان هزيلاً لا يقوى على القيام بعملية التغيير وبمهمة القيادة، متكفلة هي بالجزء الأهم من عملية الإطاحة والتنصيب تحت مظلة المجتمع الدولي حين تجد هذا البديل الذي يمكنها أن تعتمد عليه في هذا الأمر. لهذا فإن عرض خدام يأتي ليكون الأهم من سابقيه، مثل مبادرة فريد الغادري و<<إعلان دمشق>> الذي أسرع كثيراً القائمون عليه لإعلانه قبل تقرير السيد ميليس بأيام قليلة من دون أن يأتوا على ذكر التقرير في محاولة طفولية لعدم ربط إعلانهم به. فكل هذه المبادرات هي عروض مقدَّمة للدول الغربية الفاعلة والعاملة على تغيير سياسة النظام السوري، وليست مقدمة للشعب السوري ونخبه وزعاماته.
ما يطمح إليه السيد خدام، وكل أصحاب المبادرات المطروحة الآن، هو عملية انقلابية تطيح برأس السلطة السورية وبعض قادتها، رغم ما يصرّح به خدام من رفضه للصيغة الانقلابية، ورغم ما تصرّح به المعارضة بأن هذه الصيغة لا يمكن لها أن تقوم إلا باعتبارها مرحلة انتقالية لإحلال الديموقراطية. والديموقراطية التي تريدها المعارضة حسبما صار معروفاً عنها بعد بيان دمشق هي انتخابات حرة منفلتة من كل ضابط أو شرط، وحتى من دون قانون انتخابي يراعي التوزيعات المجتمعية السورية بقصد الوصول إلى أفضل شكل تمثيلي ممكن.
هذا لا يعني رفضاً للصيغة الانقلابية كطريقة للتغيير في نظام الحكم السوري، بل قد تكون هي السبيل الأمثل لخروج البلاد من المأزق الخطير التي وصلت إليه. وكانت قد اعتُبرت، من قبل العديدين، خلال السنوات الماضية على أنها أكثر الاحتمالات قبولاً وترجيحاً في ظل غياب قوى سياسية فاعلة خارج السلطة يمكنها أخذ المبادرة وقيادة عملية التغيير الديموقراطي السلمي. وبالتالي فإن الصيغة الانقلابية بشكلها السلس من داخل السلطة تبقى احتمالاً مقبولاً، لكنه غير مرجح في هذه الأيام الراهنة، مع الاعتبار أن خدام ما زال في قلب السلطة وإن بدا الآن أنه خارجها، فهو جناح منها، وليس عليها، وإن كان الآن، كشخص وليس كجناح، خارج مؤسساتها، لكنه رمز من رموزها، رغم ما قيل فيه من قبل جوقات السلطة الفارغة. لتبقى إمكانية عودته إلى مؤسسات السلطة الحالية ضمن تسوية ترعاها دول عربية كالسعودية ومصر، بعدما نلحظه الآن من نشاط مكثف من قبل قادة هاتين الدولتين تحت عنوان حلّ أزمة التحقيق في مقتل الرئيس الحريري. فمن المرجح أن يكون السيد خدام وحراكه الأخير الموضوع الأبرز في مناقشات القمتين الأخيرتين للرئيس الأسد والعاهل السعودي والرئيس المصري.
الوضع السوري بمجمله مرهون الآن بإرادات خارجية عربية وأوروبية وأميركية. وكان قد تأسس لهذه الحال منذ القرار الدولي 1559، وتجسّد أكثر بعيد اغتيال الرئيس الحريري والتردد والتلكؤ السوريين بالانسحاب من لبنان الذي قطعه التدخل المصري والسعودي الحاسم. وقد تنامت حالة الارتهان هذه مع عجز كل الأطراف السورية عن أخذ أي مبادرة على أي صعيد، ومع قبول كل الأطراف بأدوار متعددة لجهات خارجية تحت ذرائع وحجج مختلفة، حتى تعدى الأمر حال الارتهان لتدخل البلاد في حالة الوصاية. لكن هذه الوصاية تختلف عما عرفناه عنها، وإن كانت لا تختلف إلا قليلا. فأن ترضى أطراف منّا بالقرارات الدولية طالما هي كفيلة بالضغط على السلطة لحد إسقاطها، وترضى أطراف أخرى بإملاءات عربية بحجة أنها شقيقة طالما تكفل لها عدول الولايات المتحدة وحلفائها عن الإطاحة بالسلطة، وتقبل أطراف أخرى رافضة الاستقواء بالخارج بقرارات مجلس الأمن على أنه ليس خارجاً، وقبول نخبنا الثقافية والاقتصادية بالجلوس على مقاعد الفرجة راضية بأي قسمة خارجية ولو جاءت بصيغ طائفية، كل هذا هو وصاية صريحة وإن تعدّد الأوصياء.
(
) كاتب وناشر سوري