التحليـل الثقافـي لأسس الديمقراطية

السيد يسين - الاتحاد

 

هناك إجماع بين الباحثين على أن النزعة للديمقراطية أصبحت تسود العالم، وخصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتحول عديد من النظم السياسية الشمولية في أوروبا الشرقية إلى الديمقراطية وقد صدق أحد الباحثين حين قرر في كتاب مهم له عن ''إعادة اختراع السياسة'' بأن الشعوب في أوروبا الشرقية كان عليها أن تتعلم كيفية ممارسة الديمقراطية من جديد، بكل ما تنطوي عليه من قيم ثقافية واجتماعية، بعد عقود ممتدة من الشمولية التي قهرت إرادة الجماهير
ويلاحظ بعض المفكرين أن النزعة للحرية ورفض القهر قد تكون موجودة بشكل شبه غريزي في النفس الإنسانية في كل مكان، إلا أن الديمقراطية كنظام سياسي لا يمكن أن تخلق نفسها من العدم، بل لابد لها لكي تقوم وتترسخ على أسس صحيحة أن تتوافر مجموعة من المتطلبات المبدئية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة طبعا إلى الإرادة السياسية لدى النخب المؤثرة ولدى الجماهير معاً، في الانتقال من الشمولية والسلطوية إلى الليبرالية والديمقراطية
وهناك -كما يرى أغلبية الباحثين- أسس للديمقراطية تمثل منظومة متكاملة تتألف من مفردات أساسية، إن لم تتوفر لا يمكن القول إن النظام السياسي ديمقراطي
وقد أجمل بعض الباحثين المفردات أو الأسس التي تشكل منظومة الديمقراطية في عشرة مبادئ وسنرى أن هذه الأسس لا يمكن إعمالها في التطبيق إلا إذا توافرت شروط مبدئية سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية
ونريد أن نطبق منهجية التحليل الثقافي بالنسبة لكل أساس من هذه الأسس، لكي نرى هل يمكن تطبيقها في المجتمع العربي أولاً
الأساس الديمقراطي الأول هو مبدأ السيادة للشعب وقد يبدو هذا المبدأ بديهيا باعتبار أن أحد التعريفات الذائعة للديمقراطية التي تنسب إلى إبراهام لينكولن ''إنها هي حكومة الشعب التي يؤسسها الشعب وتعمل لصالح الشعب'' غير أن هذا الأساس كان محل نزاع في المجتمع العربي ذلك أن تيار الإسلام السياسي الذي يرفع شعار أن ''الإسلام هو دين ودولة'' لم يقبل هذا الأساس الذي ينتمي تاريخياً للتراث الليبرالي وضد مبدأ السيادة للشعب رفعت الجماعات الإسلامية شعار ''الحاكمية لله'' وهم يقصدون بذلك أن الحكم تنص عليه آيات القرآن الكريم، وليس على البشر سوى تنزيلها على الواقع بدون أي تدخل منهم بل إن بعض الجماعات الإسلامية ترى أن لفظ ''المشرع'' الذي يستخدم في القانون الوضعي والفقه الدستوري، ويقصد به الهيئات المنوط بها عملية التشريع بحكم الدستور والقانون، مسألة ضد الدين لأن كلمة المشرع ينبغي أن تقصر على الله سبحانه وتعالى دون غيره
وقد حاولت بعض الدساتير العربية، وأبرزها الدستور المصري أن تتجاوز هذا الخلاف، بابتداع نص دستوري يقرر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع غير أن أنصار الجماعات الإسلامية يحذفون -في مجال الجدل- كلمة ''المبادئ'' ويريدون أن يطبقوا أحكام الشريعة الإسلامية بتفصيلاتها بالكامل، وحسب تفسيرهم هم للنصوص الدينية وهذا التفسير -في بعض الحالات - قد يعرض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للخطر الشديد وتفسيراتهم التي تزعم أن فوائد البنوك إنما هي ربا محرم، يمكن -لو طبقت- أن تهدم النظام الاقتصادي السائد، بل ويمكن أن توقف حركة التعامل الاقتصادي مع العالم تصديراً واستيراداً، وذلك لأن النظام الاقتصادي العالمي يقوم أساساً على الفوائد ويمكن لتفسيراتهم الجامدة أن تؤثر على وضع الأقليات في المجتمع العربي، بحكم أنهم يجترون مواقف قديمة للدولة الإسلامية مضى عهدها وانقضى زمانها، مثل مسألة فرض الجزية على غير المسلمين كما أن تفسيراتهم فيما يتعلق بوضع المرأة في المجتمع قد تؤدي إلى الجمود الاجتماعي، واعتقال التطور الثقافي في دوائر فكرية ومسلكية بالغة المحافظة والرجعية ومن ثم تحتاج إقامة النظام الديمقراطي إلى حوار فكري فعال بين أنصار مختلف التيارات الإيديولوجية في المجتمع العربي للوصول إلى توافق حول هذه المسائل الأساسية التي أشرنا إليها
والأساس الثاني من أسس الديمقراطية أن الحكومات ينبغي أن تتشكل بناء على رضا المحكومين، وهذا الأساس هو في الواقع لب مسألة شرعية النظم السياسية فالنظام السياسي الذي يتمتع بالشرعية، هو بكل بساطة النظام الذي ينال رضا غالبية المواطنين ومن الجلي أن هذا الأساس الضروري من أسس الديمقراطية يمثل في التطبيق عقبة كبرى ذلك أن النظم السياسية العربية شمولية أو سلطوية تمرست خلال فترة نصف القرن الماضية بتشكيل حكومات لا تعكس رضا المحكومين، بل على العكســــ هـــي حكومـات -في غالب الأحيان- فرضت فرضاً على المواطنين، ولا تتغير بسهولة، حتى لو عبر المواطنون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن عدم رضاهم عنها
بل إنه في حالات عديدة وفي مجتمعات عربية متعددة، مثل مصر والأردن والمغرب والجزائر، قامت هبات جماهيرية شعبية اتسمت بالعنف الشديد ضد الحكومات التي مارست القهر السياسي والقهر الاقتصادي على المواطنين، ومع ذلك لم تغير النظم السياسية السائدة طريقتها وربما كان النظام السياسي المغربي في عصر الملك الحسن الثاني هو الاستثناء من القاعدة فقد أراد الملك الأريب أن يواجه الاستياء الشعبي من الحكومات المفروضة على الناس والتي تميزت ممارساتها بالقهر السياسي العنيف للجماهير، وبالفساد نتيجة حصول الطبقات البرجوازية الحاكمة على القدر الأكبر من الدخل القومي، فابتدع الملك نظام التوالي السياسي ودعا حزب المعارضة في المغرب ''الاتحاد الاشتراكي'' لكي يشكل الحكومة واستمرت التجربة سنوات ثم أقيلت بعد أن فشلت في حل المشكلات الجسيمة التي خلفتها الحكومات المفروضة السابقة وبعد هذه التجربة عاد النظام السياسي المغربي إلى صيغة الحكومات المفروضة مرة أخرى مع تطبيق نوع من المرونة السياسية وتبدو الصعوبة البالغة في تطبيق هذا الأساس الجوهري من أسس الديمقراطية في أنه لو خضعت النخب السياسية الحاكمة لمعيار رضا المحكومين في تشكيل الحكومات، فإن ذلك يعني عملياً التنازل الطوعي عن القدر الأكبر من النفوذ السياسي والامتيازات الطبقية التي يتمتع بها أعضاؤها
وإلى الآن لا يبدو أن النخب السياسية الحاكمة العربية مستعدة للتنازل الطوعي عن نفوذها السياسي وامتيازاتها الطبقية كما حدث في اليابان -على سبيل المثال- حين قررت النخبة الحاكمة التنازل عن امتيازاتها في سبيل خلق اليابان كدولة عظمى متقدمة تستطيع أن تدخل بكل جسارة في سباق الأمم
ولو انتقلنا إلى الأساس الثالث من أسس الديمقراطية وهو تطبيق حكم الأغلبية، لأدركنا أننا بصدد عقبة كبرى ليست في النظرية ولكن في التطبيق! ذلك أنه جرت العادة في عديد من البلاد العربية على تزييف الانتخابات سواء كانت انتخابات رئاسية تقوم على التنافس حول مقعد رئيس الجمهورية، أو تقوم على نظام الاستفتاء وقد شهدنا الأمثلة المشهورة في حصول الرئيس الحاكم على نسبة تصل 95% أو 99% من أصوات الناخبين، وفي الحالة العراقية حصل الرئيس السابق صدام حسين على نسبة 100% من أصوات الناخبين! ومعنى ذلك أن مسألة الأغلبية غالباً ما تزيف بصورة مباشرة أو غير مباشرة سواء بالنسبة لرئيس معين أو بالنسبة لحزب سياسي واحد، أو حتى لحزب سياسي رئيسي تدور حوله أحزاب سياسية معارضة تقوم في الواقع بدور ''الكومبارس'' بلغة السينما في مواجهة ''البطل'' أو ''النجم'' أو الزعيم الملهم!
ونصل بعد ذلك إلى الأساس الرابع من أسس الديمقراطية وهو ضرورة احترام حقوق الأقليات وإذا نظرنا للفكر السياسي العربي في هذا المجال سنكتشف أنه فشل فشلاً ذريعاً في صياغة نظرية قومية عامة للتعامل مع الأقليات غير العربية في المجتمع العربي ذلك أن لدينا أقواما غير عرب، مثل الأكراد في العراق، والمارونيين في لبنان، والبربر في المغرب، والجنوبيين المسيحيين في جنوب السودان ومع ذلك، وللأمانة التاريخية، يمكن أن نعترف لبعض النظم السياسية العربية بنجاحها النسبي والمؤقت في التعامل مع مشكلة الأقليات حدث ذلك في عهد صدام حسين حين وافق على خطة الحكم الذاتي للأكراد ثم انقلب عليها وحدث ذلك بالنسبة للنظام السياسي السوداني في عهد الرئيس نميري حين وافق على الحكم الذاتي للجنوب ثم انقلب عليه
ومعنى ذلك أن النظم السياسية العربية لم تنجح حتى الآن في التعامل مع الأقليات غير العربية بصورة ديمقراطية صحيحة، وتطبيق دقيق للمواثيق الدولية في هذا المجال
إن ما سبق ليس سوى عينة ممثلة لأسس الديمقراطية، غير أنه أمامنا مناقشات شتى لابد أن تدور حول ضمان حقوق الإنسان الأساسية، وتنظيم الانتخابات الحرة العادلة والمساواة أمام القانون، وأسس أخرى تحتاج لتحليل نقدي دقيق