محور خاص
هل
يمكن تجديد دور المسيحيين العرب؟

حنا عبود : (ناقد وباحث من سورية
حوار العرب 7/6/2005


عندما نتكلم على المسيحيين العرب وضرورة تجديد دورهم النهضوي والتحديثي، فإنما نتكلم على جزء لا يتجزأ من نسيج الأمة العربية الاجتماعي والسياسي والتاريخي والثقافي والحضاري والإنساني، فالمسيحيون العرب المشرقيون هم ولا شك في أصل المسيحية التي انتشرت في العالم، وهم أهل هذه الأرض، أسهموا مع أشقائهم المسلمين العربي في بناء صروحها العمرانية والفكرية، وشكلوا بالتالي وجه هويتها وعمق هذا الوجه وجوهره.. كيف لا؟ وهم كانوا أول من دعا الى قومية عربية ديمقراطية ترتكز على مفاهيم فلسفية هي من معطيات العقل والواقع، وكان تآزرهم تحت شعار اللغة العربية عنواناً ثقافياً مؤسساً لوجد أن قومي عربي يعكس حقيقة هذه الأمة في التاريخ والحاضر والمستقبل.
ونحن إذ نفتح هذا الملف الخاص بالمسيحيين العرب، ولاسيما في ظل التطورات المصيرية الخطرة التي تشهدها المنطقة، والتي تستهدف وجودهم كما الوجود العربي برمته، يحدونا أمل في أن نتجاوز هذه المحنة الأصعب، لأنها من شأنها إذا ما استمرت في التفاقم أن تغير من طبيعة المنطقة.
إن ما يحصل من تهجير للمسيحيين العرب في العراق اليوم، وكذلك تصاعد المد "الأصولي الإسلامي" المتطرف وعمليات الفرز الطائفية والمذهبية التي تنتجها حال المنطقة برمتها، (العراق أنموذجاً) باعتبارها صارت مرتهنة لما يريده الآخر الإسرائيل مباشرة أو متقنعاً بغيره... ذلك كله يجعلنا، مسيحيين ومسلمين، نعيش حالة من ثقافة الخوف على المصير وطناً وإنساناً.
"تجديد دور المسيحيين العرب" هو عنوان ملفنا، ونريد من خلاله أن ترسم النخب المسيحية العربية (والإسلامية العربية أيضاً) ملامح أسئلة فكرون ـسياسية وثقافية جديدة، لعلها تسهم في بلورة خلاص نهضوي جديد، نحفظ من خلاله وجودنا الحضاري المتنوع ونسهم بالتالي وبفعالية في المصير العالمي برمته. ومعنى التجديد هنا يتجسد في إعادة قراءة الدور من جديد بالمعنى السياسي والتركيز على العروبة والثقافة العربية كهوية جامعة وموحدة لسائل الانتماءات الدينية والمذهبية التي تؤلف أمتنا.
عندما نقول أن للمسيحيين في العصر العباسي دوراً ثقافياً قاموا به، فإننا لا نقصد أن هذا الدور كان مخترعاً أو مفتعلاً، وإنما دفعت إليه البقايا المتبقية من المدارس اليونانية في العصر الهلليني
أي
شرق؟ وأي مسيحينن؟
مسيحيو الشرق أو المسيحون في الشرق، مصطلح شاع شيوعاً كبيراً بعد نهوض الحركات المتشددة، وقد استخدم هذا المصطلح استخدامين متناقضين تماماً. فبعض السياسيين والمفكرين والمتدينين الغربيين يزعمون أن المسيحيين يتناقصون وهم مهددون بالإبادة في الشرق، بينما يزعم المسلمون أن وجود المسيحيين في الشرق الإسلامي هو أكبر دليل على التسامح الديني الإسلامي، فهم يعيشون كأهل ذمة، وهو المصطلح الذي سعى المسيحيون للخلاص من ممارسات الحكم القاسية التي نتجت منه، وبخاصة منذ عهد المتوكل وحتى أواخر العصر العثماني.
لا يمكن اليوم الحديث عن مسيحيي الشرق بالمطلق. المسيحيون موجودون بثقلهم المعنوي الحقيقي في بلاد الشام (أو ما يسمى اليوم سورية ولبنان والأردن وفلسطين والعراق الشرقي) وهم عرب في غالبيتهم العظمى. ولا ندري بعدما صار الشرق الأوسط اليوم أكبر من الشرق الأوسط السابق، إذا كان يحق لنا أن نعتبر مسيحيي إفريقيا (كأقباط مصر مثلاً) من مسيحيي الشرق. فاستخدام مصطلح "مسيحيي الشرق" فيه تهويل كبير، إذ ليس هناك مسيحيون إلا في الجغرافيا التي حددناها، وبنسبة ضئيلة جداً، عدا لبنان. قد يكون هناك مسيحيون بكميات كبيرة، ولنفرض في الهند أو إندونيسيا أو تركيبا أو إيران أو أي دولة أخرى، ولكن معنوياً لا وجود لأي مظهر مسيحي إلا في البقعة الجغرافية التي كانت تسمى بلاد الشام. ونحن نقر بوجودهم بسبب نشاطهم وليس بسبب عددهم. وهذا النشاط كان متركزاً في العراق أيام الدولة العباسية ومتضائلاً في سورية ولبنان والأردن وفلسطين، نظراً لإهمال الجغرافيا الأموية بعد قيام الدولة العباسية، فقد لحق بها اضطهاد فظيع شمل المسلمين والمسيحيين معاً. وقد بلغ التأثير الثقافي اليوناني على يد المسيحيين ذروته من عهد المنصور حتى عهد المأمون، وقد لعبت عواصم ثقافية مسيحية من أمثال الرها ونصيبين.. وعواصم وثنية من أمثال حران... دوراً كبيراً في الثقافة العربية لم يعرفه المسلمون من قبل. وبمجيء المتوكل صمت كل صوت ثقافي، مسيحياً كان أم إسلامياً. ونعتقد أن زعماء المتشددين في هذه الأيام أخذوا يفقسون ويفرّخون من أفكار ذلك العصر.
هذه اللوحة تصور لنا الحال التي كانت في العصور العباسية، فنلاحظ أن حجم النشاط الثقافي يتضاء كلما انتقلنا من الشرق الشامي الى الغرب الشامي، أي من المسيحيين العباسيين الى المسيحيين الأمويين. أما الصورة الأخرى فإنها بالعكس، إذ حجم النشاط الثقافي في العصر العثماني وحتى هذه الأيام، يتضاءل ويصغر كلما انتقلنا من الغرب الشامي الى الشرق الشامي.
ولهذه النسبة، التي انقلبت رأساً على عقب، سبب معروف. فعندما كانت نسبة النشاط الثقافي للمسيحيين مرتفعة في الشرق الشامي، كانت معظم العواصم الهيلينية تقوم هناك ببقايا نشاطها، ونظراً لقمع الأمويين على يد العباسيين ذلك القمع الشديد والقاسي، فقد خمدت جغرافيا الأمويين خموداً مخيفاً، وتركز النشاط هناك. ولكن في العهد العثماني، وبخاصة في القرن التاسع عشر، وبعد التقدم الصاعق الذي أحرزته أوروبا، تركز النشاط المسيحي في القسم الغربي من بلاد الشام، فكان التراث اليوناني في الغرب شبيهاً بالمدارس الهيلينية، فمن يحمل هذا التراث يكن له دور في الثقافة. وهذا الدور يتراجع طرداً كلما اتجهنا صوب الشرب الشامي، ولنقل بالتحديد إنه تركز في لبنان وسورية. هذا هو الشرق الذي ينسب المسيحيون إليه في هذه الأيام. قد تتغير مهمات المسيحيين بين ظروف وأخرى، وتفرض الظروف دوراً جديداً، ولكن هناك دوراً أو منهجاً لهم لا يتغير، وهو الابتعاد عن طرح الأمور الدينية الخلافية واعتماد العلمانية. وقد ظل هذا الدور مستمراً عبر التاريخ الإسلامي، إلا أن من الضروري التريث عند عصرين واضحين: العصر العباسي والعصر العثماني، لنبين كيف ظل المسيحيون مبتعدين عن الدين معتمدين الحيادية في الشأن الثقافي والشأن القومي. كان دورهم ينحصر في الترجمة قديماً، وفي الثقافة والقومية حديثاً. وفي كلا العصرين لم يتغير سلوكهم. كما أن الأفكار لم تكن من مبتكراتهم. انتهى العصر الأول، وانتهى العصر الثاني، ولكن الالتزام بالحيادية ظل واحداً، وهو توخي العلمانية والابتعاد عن معالجة أي ناحية دينية.
دور المسيحيين العباسيين
ولكن
لماذا قام المسيحيون بالنشاط الثقافي ولم يقم به المسلمون؟

لم يكن هناك أي نشاط ثقافي حقيقي عند العرب قبل الاطلاع على الكتب اليونانية، فالثقافة الإسلامية بدأت عندما اطلع المسلمون على التراث اليوناني في المنطق والفلسفة، مما بقي في المراكز الهيلينية بعد الدمار الذي أصابها على أيدي المسيحيين أنفسهم، فقد كان المسيحيون في بداية تنصرهم يحرقون الكتب في الساحات ويرقصون حولها شاكرين الله أنه خلصهم من الوثنية. وقد نشأ لدى المسلمين من جراء الاطلاع على التراث اليوناني الفلسفي، علم كامل هو علم الكلام. وهذا ليس بالأمر السهل، فقد دارت مناقشات وطرحت قضايا لم تكن لتخطر على بالهم قبل ذلك.
قد تتغير مهمات المسيحيين العرب بين ظروف وأخرى، وتفرض الظروف دوراً جديداً، ولكن هناك دوراً أو منهجاً لهم لا يتغير، وهو الابتعاد عن طرح الأمور الدينية الخلافية واعتماد العلمانية، وقد ظل هذا الدور مستمراً عبر التاريخ الإسلامي
وهناك
أسباب عدة جعلت المسيحيين يقومون بهذا الدور، أهمها أنهم، ومعظمهم من السريا، تلقوا علومهم ودراستهم في المراكز الثقافية الهيلينية التي أنشأها الإسكندر وخلفاؤه في البلاد، فهم يعرفون اللغة الثقافية معرفة واسعة جداً (وهي اليونانية، التي كانت أيضاً لغة الشارع في الغرب الشامي، فكانت شائعة أيام المسيح في فلسطين والساحل الشامي، بل إن الأناجيل كتبت بها). وقد نقلوا الكثير من التراث اليوناني الى اللغة السريانية، فبات من السهل نقله الى العربية، بعد دخول العرب، بدقة أكبر، لتقارب هاتين اللغتين الساميتين. ولم نسمع أن هناك مسلماً ترجم كتاباً واحداً من أي لغة (إلا إذا اعتبرنا ابن المقفع مسلماً، وهو من أكبر المثقفين فكان يجيد لغات عدة، ومنها اليونانية، التي تدرب على أسلوبها من أستاذه عبد الحميد الكاتب). وفلاسفة المسلمين إنما اشتغلوا على الفلسفة المترحمة التي نقلها إليهم المسيحيون من اليونانية. وحتى ابن رشد صاحب السمعة الكبيرة عند المسيحيين الأوروبيين في العصور الوسطى، لم يكن يعرف أي لغة سوى العربية. كان يشتغل على شروح ابن سينا، وشروح ابن سينا كانت عبارة عن آراء وتعليقات على الترجمة التي نقلها الى العربية أهل الشرق الشامي. والعزوف عن اللغات الأجنبية لم يكن لتقصير في التحصيل، بل لاعتقاد راسخ بقدسية اللغة العربية التي اعتبرت لغة الله وأهل الجنة، وفي بعض الروايات جاء أنها لغة الجن أيضاً. هذا الإيمان الراسخ ابعد المسلمين عن التعاطي بالترجمة، بالإضافة الى معتقدات ميثولوجية أخرى في اللغة.
على أن المسيحيين لم يقدموا على الترجمة عبثاً، فقد كانت مصدر رزق كبيراً جداً. وهذا ما يفسر لنا لماذا لم تنشط حركة الترجمة عن اليونانية قبل قدوم افسلام. وحتى يضمن المسيحيون مستقبلهم المادي، أقبلوا على ترجمة ما يريده منهم الخلفاء والأمراء، فترجموا من العلوم أضعاف ما ترجموا من الآداب، وبالأخص الطب والفلك أو التنجيم وعلم الأبراج. وكانوا في ذلك العصر مثل القطع النادر، يسعى الخلفاء والأمراء وراءهم سعياً.
وبعد المأمون، وبالأخص في أيام المتوكل، توقفت تقريباً حركة الترجمة التي قام بها المسيحيون، ومنذ ذلك التاريخ حتى القرن التاسع عشر، لم يعد هناك اي نشاط في الترجمة، فلم يظهر كتاب واحد منقول عن اللغات الأخرى. كان العالم الإسلامي مصراً على الذبول الفكري، بعد شيوع التعصب السلفي ورفض أي لغة سوى العربية، والاكتفاء بالعلوم الدينية واللغوية، فظهرت في ذلك كتب كثيرة جداً... أكثر من أن تحصى.
يمكن القول إن ما قام به مسيحيو الشرق الشامي في العصر العباسي كان نهضة فكرية. طبعاً في تلك الأزمنة لم يكن مسموحاً أن يتعامل المسيحيون وغير المسيحيين في الفنون التي لا يقرها الدين الإسلامي كالرسم والنحت... ولكن الفعل النهضوي الثقافي ظهر بعدما اطلع المسلمون على الكتب اليونانية، ولولا تلك الكتب لكان للفكر الديني تطور آخر. وبمقدار ما كانت هناك نهضة فكرية عقلانية، كانت هناك ردة رجعية لم يشهد تاريخ الإسلام مثيلاً لها من قبل.
وكل نهضة لا تتعامل مع الفن، تقف في منتصف الطريق. وقد توقفت النهضة أولاً ثم ارتدت ثانياً.
ليس للمسيحيين اليوم مهمة خاصة تسند إليهم.. إن ما قام به المسيحييون كان لحاجة خلقتها الظروف المحيطة، واليوم لا يستطيع المسيحيون أن يعيدوا أي تجربة من تجاربهم السابقة، الشيء الوحيد الذي يبقون عليه من تاريخهم هو التعاطي مع أمور غير دينية بأسلوب علمي علماني
دور
جديد في العصر العثماني
في أواخر العصر العثماني، كان الغرب قد أنجز الكثير في العلوم والآداب والفن والفلسفة والاجتماع، فتغيرت عادات وتقاليد، ونشأت عادات وتقاليد جديدة، واكتسبت النظريات العلمية المزيد من الثقة، كما أن الاختراعات الجديدة كانت مذهلة للشرقيين الى درجة بعيدة. ومنذ بداية القرن أطلق بعضهم على هذا القرن اسم "عصر الكهرباء". وشعر بعض المسلمين بضرورة الأخذ بعلوم الغرب وآدابه، حتى أن الدولة العثمانية نفسها كانت تريد أن تنحو هذا المنحى.
وبرز المسيحيون كمتلقين للحضارة الغربية، فكانت مدن أوربا شبيهة بمدن الثقافة الهيلينية في القديم. وانحصر الشرق المسيحي هذه المرة، ليس في الفرات (الرها ونصيبين وبغداد...) بل في الساحل الشامي، وبالأخص لبنان وسورية. أعداد هائلة من الكتب ترجمت الى العربية، وظهرت مهن وحرف جديدة كان المسيحيون رواداً فيها. ولكن من حيث الحركة الثقافية، استطاعوا باعتمادهم على النظريات الغربية في القومية والاستقلال، أن يشكلوا كتلة ثقافية جرّت معها الكثير من المتنورين المسلمين. وساعدتهم الدولة العثمانية مساعدة كبيرة عندما فرضت سياسة التتريك. ما هذا؟ هل يعقل أن يتخلى المسلم عن اللغة العربية المقدسة، التي من أجلها ابتعد عن اللغات الأخرى، ولم يحاول الترجمة منها الى العربية تاركاً وزر هذه الخطيئة تقع على عاتق المسيحيين، فينجو من عقاب الله؟... وقد غيّرت هذه السياسة طرفي المعادلة التي كانت قائمة على "الإسلام والفرنجة"، فصارت قائمة على "العرب والأتراك". ونعتقد أن أكبر غلطة ارتكبتها الدولة العثمانية تكمن في فرضها سياسة التتريك، وعلى من؟ على العرب. ومع ذلك لم تكن معادلة العرب والأتراك مقبولة من كل المسلمين. إنها معادلة لم تحظ بإجماع، ولن تحظى بإجماع حتى في هذه الأيام، حيث لا يزال بعضهم يزعم أن الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية جريمة كبيرة جداً، ويعتقدون أن في الانفصال كانت بداية تدهور الدول الإسلامية وكان تمزق شمل الإسلام في الشرق الأوسط. لكنها معادلة مناسبة للمسيحيين الذين هم في غالبيتهم الكبرى من العرب، وبالأخص الغساسنة والمناذرة، بالإضافة الى القبائل العربية التي اشتركت في جيوش الفتح وخرجت من الجزيرة في السنوات الأولى للغزوات الإسلامية. وقد ساعدتها تلك الأصول في ترويج أفكارها في الانفصال عن العثمانيين. إن المسلمين يقبلون أي حاكم أجنبي، مهما كان مستبداً على أي حاكم وطني غير مسلم مهما كان عادلاً، وهذه عقيدة شائعة عند المسلمين من دون أي استثناء تقريباً، ولها شرعة دينية إلهية مقدسة.
وقد أقبل المسيحيون على الحضارة الأوروبية الجديدة، ليس من باب حب الاطلاع، بمقدار ما كان من باب اكتساب شخصية متميزة تفصلهم عن العثمانيين. لقد اشتروا هذه الحضارة بطربوشهم. وجدوها وسيلة مجدية جداً في إحراج العثمانيين، حيث تظهرهم متخلفين جداص عن الركب الحضاري. ولهذا انكب المسيحيون على المسرح والأدب والفن والصحافة والطباعة والتمثيل والسينما... أي كل ما كان محظوراً أيام العثمانيين، وكل ما لا يستسيغه المسلم المتديّن، ويعتبره كفراً صريحاً كالمسرح والتصوير... بل إن بعض المسلمين حتى اليوم يرفضون أن تلتقط صورة لأي أنثى، وليس لزوجاتهم أو بناتهم فقط. فكأن في الأمر إغاظة، بينما هو في حقيقته موقف معاد لتوجهات الدولة العثمانية، تمهيداً للانفصال عنها.
النهضة التي قام بها المسيحيون تركزت في المهجر الأميركي وفي مصر. ولم يختاروا هذين المكانين عبثاً، بل عن قصد وتصميم، ففي أميركا تتاح الحرية كاملة، وفي مصر قلّص الإنجليز من تدخل تركيا حتى صار شكلياً مقتصراً على الناحية المعنوية فقط، ما أتاح هامشاً كبيراً لحرية الرأي، فذهب المسيحيون الى مصر من لبنان وسورية، وتركز نشاطهم في مدينتي القاهرة والإسكندرية. وكان يعقوب صروف من أوائل الذين نقلوا نشاطهم الى مصر، فنقل مجلته "المقتطف" التي كانت تصدر في بيروت منذ العام 1876 (العام الذي أنشأ فيه سليم تقلا صحيفة الأهرام في القاهرة) الى القاهرة في العام 1885، فكانت من أبرز المجلات العلمية. وفي القاهرة كعاصمة، والإسكندرية كمدينة من بقايا الثقافة الهيلينية، أنشأوا المجلات والصحف والمسارح والسينما والمطابع. وعلى سبيل المثال، لم تعرف مصر الطباعة الأهلية حتى قدم إليها الأشوام، وحتى الطباعة الرسمية كانت في قسم منها بإدارة شامية، فأول مدير لمطبعة بولاق هو الشامي السوري نقولا مسابكي، الذي بقي مديراً لها حتى وفاته في العام 1830.
دور نساء مسيحيات
لم
يبق نشاط علمي أدبي فني حديث (بمفهوم تلك الأزمنة) إلا قام به المسيحيون، حتى أن النساء أنفسهن شاركن في هذا النشاط، ففي العام 1903 أصدرت روزا أنطون مجلة في الإسكندرية "السيدات والبنات"، فكانت مجالاً لكتابة القصة القصيرة والطويلة والرواية والمسرحية وطرح موضوع تحرر المرأة، أين يبدأ هذا الموضوع وأين ينتهي. وكان فرح أنطون يمدها بشيء من تأليفه وترجمته. ولو ظهرت اليوم قصة بعنوان "من أجل قبلة واحدة" في مجلة تصدر في بعض الدول العربية لحظرت المجلة وسحبت رخصتها. وأسهم في هذه المجلة الكثير من الكتاب من أمثال نقولا الحداد. وهناك مجلة مرموقة أنشأتها هند نوفل بعنوان "الفتاة"، دأبت على تقديم العلوم والتاريخ ومعالجة الأمور النسائية بجرأة وعلمية وصراحة. كانت هناك نهضة فكرية كبرى في جو الجمود الشديد الذي استمر قروناً طويلة، منذ العصور العباسية المتأخرة وحتى أواخر العصر العثماني.
ومن الصعب في هذا الحيز الضيق عرض صورة شاملة للنهضة العربية التي كانت موجهة أصلاً ضد العثمانيين. فحتى شعر خليل مطران (الذي سعى العثمانيون الى اغتياله في لبنان أكثر من مرة) لا نعرفه حق المعرفة، إن لم نضع في أذهاننا صورة العثماني الذي كان مطران يمقته كل المقت. والقراء يذكرون قصيدته النونية "وقفة في ظل تمثال لرعمسيس الكبير" يقرع فيها الشعب الذي يذعن للمستبد، فيقيم له التماثيل ويشيد له القصور، فاعتقد الشاعر إسماعيل صبري أن القصيدة هجوم على مصر وحضارة الفراعنة، وليس على السلطان عبد الحميد وزبانية عبد الحميد، فرد عليها بقصيدة مقابلة.
كان خليل مطران وبقية إخوانه المهاجرين الى مصر يعيشون حلم الاستقلال عن الدولة العثمانية. ومن نشاطهم الكبير، ونشاط بقية النهضويين، في تلك الأيام، ظهرت نظرية "العروبة"، وصار المفكرون والسياسيون والأدباء يضعونها في رأس برامجهم. ولما انتصرت الثورة العربية الكبرى العام 1916 انتصاراً مؤقتاً، ظفرت فكرة "القومية العربية" بمكانة كبيرة جداً لدى الساسة، الذين جاء وقت ما كان يجرؤ أحد منهم فيه على إعلان رأي مخالف للقومية العربية، حتى لو كان مؤمناً به كل الإيمان. صارت القومية العربية منذ ذلك التاريخ مصدراً من مصادر التصرف السياسي والتعليمي والتربوي. فساطع الحصري الذي كان وزيراً للتربية في أول وزارة سورية، منع تدريس أي لغة سوى اللغة العربية، رداً على سياسة التتريك.
لن يقدم المسيحيون على الترجمة عبثاً، فقد كانت مصدر رزق كبيراً جداً، وهذا ما يفسر لنا لم تنشط حركة الترجمة عن اليونانية قبل قدوم الإسلام، وحتى يضمن المسيحيون هذا الجانب المادي، أقبلوا على ترجمة ما يريده منهم الخلفاء والأمراء، فترجموا من العلوم أضعاف ما ترجموا من الآداب
ولكن
على الرغم من هذا كلّه، لم يكن المسيحيون على رأي واحد بالنسبة الى التعامل مع الإمبراطورية العثمانية، فعلى سبيل المثال كان فرح أنطون يرى أن "الجامعة" العثمانية هي خير صيغة لأقليات الإمبراطورية، بحيث يمكن للقومية العربية أن تأخذ كامل حقوقها في ظل "الجامعة". وبلغ من شدة إيمانه بفكرته أن أصدر مجلة بعنوان: "الجامعة" روّج فيها للجامعة العثمانية، وحذر من مخاطر الدول الأوروبية، ونصح أولئك المتحمسين الذين يرفعون راية القومية العربية أن يتريثوا قليلاً، لأن مثل هذه الفكرة سوف تؤدي الى ثورة الأعراق والأديان، إذا قيَض للغرب أن يتدخل في المنطقة. إنه (أي الغرب) سوف يترك الحرية على غاربها، ما يؤدي الى قيام كيانات صغيرة مؤذية، بينما لو بقي العرب في ظل الجامعة العثمانية، لتجنبوا الانقسامات.
صحيح أن الأحداث جاءت وفقاً لرؤيته الثاقبة، ولكن سياسة التتريك التي انتهجتها الدولة العثمانية في أواخر عهدها قضت على فكرته، وجعلت رفاقه يسخرون من نصيحته ويستخفون بدعوته العثمانية.
إن الفكر النهضوي، على ما يبدو، وحدة متكاملة، فلا يجوز أن تكون هناك نهضة في الفكر ولا تكون هناك نهضة في الفن والأدب. إن المسيحيين الأشوام أبدعوا في المجالات النهضوية كلها. أليس غريباً أن أول نص نقدي حديث يتناول الشعر العربي، نجده في المقدمة التي كتبها سليمان البستاني لترجمته المشهورة لملحمة هومر "الإلياذة"؟ لم يكن أول من ترجم الملحمة اليونانية فحسب، بل كان أول من قدم نصاً نقدياً للشعر العربي، يعتبر حتى اليوم أكمل نص نقدي عرفه الأدب العربي، على مدار تاريخه. هذا الفكر النهضوي، أو هذه النهضة، لم يعرفها المسيحيون في الشرق الشامي، عرفها مسيحيو الغرب الشامي فقط. إن المسيحيين في الشرق الشامي أيام العباسيين لم يترجموا سوى ما يساعد على إذكاء "علم الكلام"، ما زاد في سعير نار النقاش الديني، فأدى الى انقسامات دينية بين المسلمين. لم تكن لديهم فكرة شاملة، ولا هدف سوى هدف الترجمة لقاء الأموال السخية والمكانة المرموقة. فهم لم يترجموا ولو بيتاً من الشعر أو مشهداً من مسرحية أو فصلاً من ملحمة. كان الأدب بعيداً عن تفكيرهم. تحدثنا عن النهضة التي قام بها الأشوام في مصر، ولم نتحدث عن النهضة التي قاموا بها في بلاد الشام نفسها أو في المهاجر الأميركية. كانوا كتلة من النشاط كأنهم كهنة للقومية العربية، ينذرون لها حياتهم. وما قدمناه عن نشاطهم في مصر جرى هو نفسه تقريباً في الشام والمهجر، باستثناء المسرح والفن السينمائي، فقد كانت مصر أرحب مجالاً لهم من أي بلد آخر.
أول ثورة ثقافية
هناك
شيئان لابد أن نشير إليهما: الأول أدب المهجر والثاني النهضة الأدبية القومية. إن أدب المهجر الذي قدمه مسيحيو الغرب الشامي فريد من نوعه، لم نسمع أن شعباً من الشعوب قدم مهاجروه أدباً مهجرياً على غرار ما قدمه الأشوام. خذ نسبة المهاجرين من أي شعب في البرازيل أو في أميركا الشمالية تجدها أضعاف عدد المهاجرين المسيحيين، ومع ذلك لم يكتب واحد منهم سطراً لوطنه. كل شعوب العالم لم تنتج أدباً مهجرياً، والألمان الذين هاجروا الى فرنسا في القرن التاسع عشر كتب معظمهم بالفرنسية، ولم يظهر لديهم أي نوع من أنواع "أدب المهجر". يبدو أنهم تركوا ذلك ليكون علامة مميزة للقسم الغربي من الشام، فحتى القسم الشرقي من الشام لم يكن له أثر في أدب المهجر. إنها ظاهرة تدعو كثيراً الى التأمل والتفكير. يقال إن الاستبداد العثماني هو الذي كان له الأثر الأكبر في الهجرة، وبالتالي في قيام أدب المهجر. لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير. إن أعداد الأتراك الذين فروا من الاستبداد العثماني لم تكن أعداداً قليلة في مصر، ومع ذلك لا نسمع بأدب مهجر تركي. والاستبداد العثماني الذي عانى منه مسيحيو الغرب الشامي عانى منه أيضاً مسيحيو الشرق الشامي، ومع ذلك كانت هذه السمة خاصة جداً بالغرب الشامي... إن القضية بحاجة الى الكثير من الدراسة والاجتهاد.
وكما قدم القسم الغربية من الشام أدب المهجر، قدم أيضاً النهضة الأدبية القومية. كانوا أول من هرع الى الآداب والفنون، وهم يعرفون سلفاً أنها أعظم الوسائل التي تتيح لهم الانفصال عن الدولة الاستبدادية التي تكافح كل شيء، من موسيقى ورقص وغناء ومسرح... كانت الإمبراطورية العثمانية مقبرة للفنون العظيمة، فهب الساحل المتوسطي من بلاد الشام وقدم هذه النهضة العظيمة التي تابعت مسيرتها ولكن..
السؤال المطروح هو: لو لم تكن الدولة العثمانية قائمة، هل كانت النهضة تظهر على هذا الشكل؟ أو بمعنى آخر: لو لم تكن السياسة العثمانية تقوم على الاستبداد التتريك والتعصب الديني والتخلف ومكافحة الفنون والآداب وقمع النزعة العربية.. هل كانت النهضة تظهر؟
الأرجح أنها لم تكن لتظهر، فلا مسوّغ لظهورها، ما دام كل من يريد أن يقدم مسرحية على خشبة المسرح، يقدمها بحرية، أو كل من يريد أن يترجم ملحمة أو مسرحية أو يكتب نقداً سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً يكتبه بحرية... كانت أحوال الدولة التركية شبيهة بظروف الكنيسة في العصور الوسطى، كلتاهما أدتا الى ظهور نهضة، بهذه الطريقة أو تلك، ومع فارق كبير جداص بين ظروف ضفتي المتوسط، وإن كانت النهضتان اعتمدتا التراث اليوناني، فلا نهضة تقوم من دون أن يكون أساسها هذا التراث العظيم.
لم نسمع أن شعباً من الشعوب قدم مهاجروه أدباً مهجرياً على غرار ما قدمه "الأشوام"، خذ نسبة المهاجرين من أي شعب في البرازيل أو في أميركا الشمالية تجدها أضعاف عدد المهاجرين المسيحيين، ومع ذلك لم يكتب واحد منهم سطراً لوطنه.
بشكل عام، يمكن القول إن النهضة العربية، مهما تضاءلت عن النهضة الأوروبية، كانت فريدة من نوعها في عالم من الجمود والهمود والرقود الشبيه برقود أهل الكهف.
ولكن عندما نتحدث عن المتنورين المسيحيين، أصحاب النهضة، لا يعني هذا أن المسلمين كانوا ضد هذه النهضة، فقد أسهم المتنورون فيها إسهاماً ملحوظاً، فلا يمكن، على سبيل المثال، فصل عبد الغني العريسي عن رفيق رزق سلوم أو عبد الحميد الزهراوي عن بطرس البستاني... وأحياناً كان التطرف عند المسلمين النهضويين أشد منه عند المسيحيين، فما نجده من مقاومة وفضح للاستبداد العثماني عند الهضوي ولي الدين يكن (وهو تركي) لا نجده عند أي مسيحي. كان ولي الدين بركاناً حقيقياً في الثورة على النظام العثماني. الدور الجديد، أو في الحقيقة المهمة الجديدة أو الحاجة الجديدة، كانت "الانفصال" عن دولة مستبدة، بدافع حس الوجود. و"النهضة العربية" التي قاموا بها هي أول ثورة ثقافية موجهة قومياً ضد الخلافة الإسلامية.
تلخيص ومقارنة
يمكن
تلخيص التجربتين والمقارنة بينهما، بالاقتصار على بعض النقاط التي نراها مهمة:

1 ـ انطلقت النهضة الثقافية في العصر العباسي من بقايا المدارس اليونانية، فهي أول نهضة ثقافية في العالم الوسيط، وسوف تلجأ أوروبا الى التراث اليوناني بعد سقوط القسطنطينية، لتحقق نهضتها الشاملة. ونلاحظ أن النهضة التي قامت أيام العباسيين اقتصرت تقريباً على الترجمة، فكانت الكتب اليونانية جديدة كل الجدة على الفكر الإسلامي، وحاول أن يستفيد منها حتى أيام المتوكل، حيث انتهى كل نقاش أو حوار أو مناظرة حول تلك الأطروحات الفكرية التي دفع بها إلينا التراث اليوناني، أو بقايا التراث اليوناني في المدن الهيلينية.
اليوم لا جديد يمكن أن يقدمه المتنور المسيحي أو المسلم في هذا الصدد. ما كان يراه المسلم جديداً أو غريباً أو مدهشاً، صار عادياً ومألوفاً. واليوم لو عاد المامون لما أبصر حلماً رأى فيه أرسطو ينصحه ويرشده، لأن أرسطو موجود بيننا، نمسك بأفكاره في أي وقت وفي أي لحظة على صفحات الإنترنت، وإن كان الكثير منا يشيحون بوجههم عنه ولا يتعاملون معه. إن في مقدور المرء في هذه الأيام أن يزور أرسطو في أي وقت، كما يمكنه أن يزور كل الحضارات القديمة، ومعها الكثير من الدراسات التحليلية المقارنة، وهو جالس في منزله، أو حتى وهو يقوم بنزهة ريفية. إن العصر الحديث قضى على الدهشة القديمة التي كان يبعثها التراث اليوناني. اليوم تحولت الدهشة الى تحليل نقدي للاستفادة من هذا التراث العظيم والمشرق في تاريخ الإنسانية.
لا جديد في دور المسيحيين هذه الأيام، إنهم يعملون في القضايا والشؤون الفكرية والعلمية والأدبية، ولا يمكن إسناد أي دور لهم، حتى في حيز الحرية الاجتماعية والعادات والتقاليد، أي ما يسمى "التحرر الاجتماعي"، فهذا شيء طارئ جداً مع الحضارة الغربية، يخص كل المتنورين وليس المسيحيين منهم وسبيلهم الى ذلك ليس الدين، بل العلمانية
عندما
نقول إن للمسيحيين في العصر العباسي دوراً ثقافياً قاموا به، فإننا لا نقصد أن هذا الدور كان مخترعاً أو مفتعلاً، وإنما دفعت إليه البقايا المتبقية من المدارس اليونانية في العصر الهيلليني. إن كل نهضة على الإطلاق لابد أن تبدأ بالتراث اليوناني، لا لتقليده، بل للاستفادى من تقاليده وأبعاده الفنية والفلسفية، وقد توافر بعض من هذا التراث، فتحدد الدور وتحدد الذين يقومون بهذا الدور، وتحدد الذين يقومون بهذا الدور، فهم من أبناء المدارس اليونانية.
2 ـ قام المسيحيون في العصر العباسي بنهضة ثقافية وليس بنهضة دينية أو قومية. لو عدنا الى العصر العباسي، لما وجدنا أحداً ممن قام بالترجمة كتب متحمساً لدينه أو لـ "القومية العربية"، التي ابتكر مصطلحها وأشاعها كنظرية للعرب جميعاً، مسيحيو الغرب الشامي. من كتبوا بحماسة دينية كانوا من غير المتنورين أو المترجمين عن اليونانية، بل ربما كان في الكتب المترجمة الشيء الكثير مما يناقض دينهم ودين إخوانهم المسلمين أكثر مما يؤيدهما ويعززهما.
لاشك أن المسلمين استفادوا من المنطق اليوناني في نقاشهم مع الأديان الأخرى ومع مذاهبهم هم أيضاً، إلا أن النهضة لم تقتصر على الدين أبداً، بل امتدت لتشمل الكثير من النواحي وبالأخص اللغة والبلاغة. فقواعد اللغة العربية هي ذاتها قواعد اللغة السريانية المأخوذة كلمة بكلمة من قواعد اللغة اليونانية، والبلاغة مأخوذة من البلاغة اليونانية، ولو لم يكن سيبويه تلميذاً للفراهيدي اليوناني الثقافة، لما كان لدى العرب تلك القواعد الكثيرة والمعقدة في اللغة والبلاغة. وقد انطلق العرب بعد ذلك حتى وصلوا بتلك القواعد الى الحد الأقصى من الدقة والتقسيم والتفريع.
فالقول إن الثقافة اليونانية اقتصرت على خدمة الدين الإسلامي، وقدمت له سلاح المنطق، مما أسّس لظهور الفلسفة الإسلامية، هو قول يتركنا في منتصف الطريق، فهذه الثقافة ذاتها هي التي أسست لقيام علم اللغة وفقه اللغة وعلم البلاغة المنقول نقلاً عن اليونانية. إن هذه العلوم ظهرت على أيدي أبناء مدرسة يونانية من عبد الحميد الكاتب وحتى ابن المقفع والفراهيدي وسيبويه والكثير من المثقفين، الذين كانوا متدينين جهاراً، متنورين ضمناً بما تيسر من بقايا التراث اليوناني الذي لم تجهز عليه الأحداث. إنه بقايا تراث من العهد الهيليني. إن الاتجاه العام للنهضة في العصر العباسي كان اتجاهاً ثقافياً في مسيرته العريضة. ولكن لابد أن نشير سريعاً الى أن "النهضة" التي قام بها المسيحيون في العصر العباسي أدت بالأفكار التي ترجموها الى المزيد من التشنج والتحدي، ففي هذا الوقت بالذات ظهرت علوم القرآن وعلوم الحديث والمذاهب الفقهية بكثرة هائلة، كأنها رد على الأفكار اليونانية. كانت هناك ردة قذفت بالفكر العربي الى الوراء، الى أزمنة الإيمان التسليمي الكامل. ولكن الملاحظ أن هذه النهضة لم تشمل الآداب اليونانية، فلم يترجم بيت شعر واحد، ولا مسرحية أو حتى مشهد من مسرحية. وهذه ناحية ملفتة للنظر، ولابد من العثور على أسبابها وظروفها الحقيقية.
3 ـ لم تكن النهضة في العصر العباسي من صنع المسيحيين وحدهم، بل شارك الحرانيون فيها مشاركة عظيمة جداً. وكانت مدرسة حران من أشد المدارس تمسكاً بالتراث اليوناني. وسكان حران لم يكونوا مسيحيين ولم يكونوا مسلمين، وإنما كانوا "كونيين" إن صح التعبير، وقد سماهم المسلمون، أو هم سموا أنفسهم للمسلمين "المرجئة"، حتى لا يقتلوا كما قتل غيرهم ممن أسماهم الإسلام المشركين. كانوا يؤمنون بوحدة الكون، وبخضوعه لشبكة هائلة جداً من التفاعل، فما يؤثر في الإنسان ليس أفكاره وعواطفه وبيئته الأرضية فقطن وإنما يخضع أيضاً للأشعة الكونية القادمة من النجوم البعيدة. وقد زعموا أن بعض هذه الأشعة قد تسبب أمراضاً، لا تزول إلا عندما يزول تأثير الأشعة. وقد تقبّل المسلمون مدرسة حران لأنهم كانوا بحاجة إليها، ولكن بعدما أدّوا دورهم، واجتاحت السلفية الفكر الإسلامي لم يعد هناك أي أثر لهذه المدرسة، ولا يجد المرء في موقع هذه المدينة لا مدرسة ولا كتاباً. وكانت مدرسة حران موثوقة جداً في الترجمة، فكانت الترجمة تعاد مرات ومرات، من قبل مدققين عدة.
4 ـ النهضة التي قام بها المسيحيون في العصر العثماني هي نهضة قومية، أعادت الاعتبار للغة العربية وللعرب كأمة لها خصوصيتها، وكون العرب مسلمين في غالبيتهم، لا يعني أنه لا فرق بين العربي والتركي والباكستاني، فلكل تراثه الخاص. هذا التراث الخاص بالعرب هو الذي تمسك به النهضويون، كسلاح يساعدهم في الانفصال عن العثمانيين. ولكن النهضة القومية لا تعني الوقوف عند الشعارات السياسية، بل إنها تتناول الكثير من المجالات كالفن والفلسفة والرسم والتمثيل والموسيقى والمسرح والسينما...
ولكن ما مصدر أفكار النهضة العربية في العصر العثماني؟
العلمانية اليوم تشبه العروبة التي لجأ إليها المسيحيون في عصر الحكم العثماني، إنها مصلحتهم الخاصة للبقاء والاستمرار، وكذلك للخلاص من أي مناوشات لا تسويغ لها وقد تعود عليهم بالضرر
إن
هذه النهضة صنيعة أفكار القرن الثامن عشر، وبالتحديد أفكار الثورة الفرنسية، مع بعض الأفكار الحديثة التي ظهرت في القرن التاسع عشر. إن النهضة تلميذ نشيط لعصر التنوير الذي تحقق في القرن الثامن عشر. معنى ذلك أن المسيحيين قاموا بالنهضة كنوع من الدفاع عن الوجود، وجودهم كبشر، ولم يقوموا بالنهضة لدعم دينهم أو دين غيرهم، بل نجد في بعض الأحيان تطرفاً معادياً للدين، كما عند فرح أنظون وشبلي الشميل... ولكن عموماً كانت سياستهم تجاه الدين: "الدين لله والوطن للجميع"، فلم يتحرشوا بالأديان إلا قليلاً.
5 ـ يمكن اختصار الفارق بين النهضتين: إن المسيحيين العباسيين اختيروا للدور اختياراً، بينما المسيحيون العثمانيون اختاروا دورهم بأنفسهم. المسيحيون العباسيون كلفوا بالترجمة تكليفاً، بينما اختار المسيحيون العثمانيون إحياء النزعة العربية اختياراً، وأسسوا فكراً قومياً لا تزال بقاياه حتى في هذا العصر الذي يسمونه عصر العولمة. ولكن لما انتهت الظروف الموجبة عند الطرفين، توقف الطرف العباسي أو انتهى، بينما تابع الفرع العثماني نشاطه حتى هذه الأيام، من دون أن يغير من منهجه في الحيادية والعلمانية وإبعاد الدين عن أي شأن ثقافي إلا عند الضرورة، كما في الدراسات الديموغرافية. الشاميون الشرقيون انتهوا الى الأبد، بينما لا يزال الشاميون الغربيون يعيشون بين ظهرانينا، أنهوا نشاطهم القومي، وتابعوا نشاطهم الثقافي منفتحين على الدفق المعرفي العالمي.
من طيف أليعازر الى شبح هاملت
كانت
النهضة الثقافية التي قام بها المسيحيون في العصور الوسطى، وفي ظل المحيط الإسلامي، مطلباً إسلامياً، فلما لم تعد ثمة حاجة الى ذلك انتهت النهضة. كان المجتمع قد مال الى التعصب الديني والجمود الفكري، فلم يعد أحد يطلب كتاباً يونانياً ولا كتاباً غير يوناني، ولا حتى كتاباً عربياً، فقد تجمعت المؤلفات كلها حول موضوعين أساسيين: الدين واللغة، وما يستتبعهما. وهما موضوع واحد، أو سعى المتدينون الى جعلهما موضوعاً واحداً. وما جرى في أواخر العصر العباسي، جرى في العقد الأخير من القرن العشرين، عندما تهاوى الاتحاد السوفياتي، فلم يعد أحد يقتني كتاباً ماركسياً أو سوفياتياً، وصارت هذه الكتب توضع على الأرصفة، وتباع باثمان بخسة جداً. وصرنا اليوم نبحث عن الكتاب الذي نحتاجه منها، وربما لا نجده في المكتبات التي كانت مشهورة بعرض هذا النوع. يبدو أن التبتل الكهنوتي للعقيدة يتبخر عند المصلحة الخاصة. وما مضى لن يعود، كما يقول إدغاربو، فالدور المسيحي في ترجمة الآثار اليونانية، لا يمكن أن يسند اليوم الى المسيحيين، إذ لا ميزة لهم على غيرهم من المثقفين الذين أخذوا يتكاثرون في المجتمع من كل الملل والنحل.
جورج قرم اليوم يتخذ الموقف الذي كان يتخذه بطرس البستاني وفرح أنطون وجرجي زيدان وأديب اسحق الخ.. وإذا كان هناك موضوع ديني، فلابد أن يكون مشتركاً بين جميع الأديان، وهو موقف لا يختلف عن موقف المفكرين المتنورين من أمثال أحمد لطفي السيد وسلامة موسى ومحمد مندور وفؤادر زكريا الخ...
والواضح أن المسيحيين عندما لبوا هذه الحاجة للمجتمع، بعد زيارة أرسطو للمأمون في حلم ليلي راح يرويه الرواة على مدى العصور، لم يقدموا أفكاراً من عندهم، أي لم يقدموا أفكاراً مسيحية. قدموا الأفكار اليونانية "الوثنية". وهنا لابد أن نفرق بين المترجمين ومادة الترجمة. فالمترجمون مسيحيون، ولكن المادة وثنية. فالقول إن النهضة قامت على أيدي المسيحيين، فيه تعمية على المادة المترجمة، من جهة، وفيه إيحاء بأن المسيحيين قاموا بالترجمة من دون تكليف. إن الجهد الذي قام به هؤلاء كبير ومحمود، من دون أي شك. ولكن الفضل الأكبر يعود الى المادة المترجمة التي سببت تلك الهبّة الفكرية عند المسلمين، فترة قصيرة نسبياً، ثم جرى للكتب اليونانية في تلك الأيام ما جرى للكتب السوفياتية في هذه الأيام، فقد عاد المسلمون الى التمسك الحرفي بالنصوص الدينية، ونبذوا أرسطو وأفلاطون، وكل ما يدعو الى النقاش والحوار. والمحاولات التي قام بها الفلاسفة المسلمون، من التأكيد أن ليس من تناقض بين الدين والفلسفة، أي بين اليقين والشك، أمر يدعو الى الدهشة حقاً. وقد حظي ابن رشد بسمعة طيبة وشهرة واسعة في العصور الوسطى، لأن المسيحيين هناك رأوا في موقفه التوفيقي بين الدين والفلسفة خلاصاً لهم، بعدما ارتفعت أصوات المتفلسفين الحقيقيين، وبعدما صار التفكير الفلسفي يستدعي بالضرورة الأفكار اليونانية.
والحاجة التي لباها المسيحيون في الدولة العثمانية كانت مطلباً عربياً يلبي مصلحتهم، ولكنهم أيضاً مثل مسيحيي العصور العباسية، لم تكن لهم أفكارهم الخاصة الى الدرجة التي تجعل للواحد منهم نظرية محددة، فحتى النظرية القومية والاستقلال والحرية والإخاء والمساواة هي أفكار غربية، هي أفكار القرن الثامن عشر، وبالتحديد هي أفكار الثورة الفرنسية. وقد صارت هذه الأفكار معشوقة حقيقية من قبل المثقفين العرب، وليس من قبل المسيحيين وحدهم. مهمة المسيحيين كانت التوفيق بين النظرية القومية وموقفهم من الدولة العثمانية، الى جانب تهافتهم الشديد على الآداب والفنون الأوروبية الحديثة، كأنهم يرونها للمرة الأولى.
بعد الثورة العربية التي قامت في العام 1916 لم نعد نسمع بالأفكار التي روجها البستاني واليازجي وزيدان وفرح أنطون، ولا نقرأ ترجمات في التحرر والنظرية القومية وثورات أوروبا ضد العثمانيين. انتقلت الشعارات القومية الى العسكر الذين استغلوها استغلالاً بعيداً واستخدموها لبسط سيطرتهم وتحقيق مآربهم الخاصة، بعدما كانت مهمة مدنية، وأخذت تتراجع المؤلفات والمترجمات الفلسفية والفنية والأدبية، بعدما طفت المفاهيم القومية المبتسرة التي صارت تفرض فرضاً كدين كامل الأركان والفرائض. فكأن مهمة المسيحيين انتهت بخروج الأتراك من الديار الشامية. وحتى أدب المهجر الذي هو أدب شامي غيّر من لهجته وأسلوبه، والتفت الى موضوعات تأملية وجمالية، وإن كان المهجر الأميركي الجنوبي قد وجد بديلاً في القضية الفلسطينية، فراح يتحمس لها مثل أبنائها في الديار الشرقية.
تجديد دور أم دور جديد؟
ثمة شبه بين النهضتين التي قام بها المسيحيون في العصر العباسي والعصر العثماني، وهو أن الأفكار غير شرقية وغير مسيحية، بل "غربية" و"وثنية". وهذه الأفكار التي قدمها المسيحيون العباسيون كانت أفكاراً وثنية، ومن اليونان بالتحديد، والأفكار التي قدمها المسيحيون العثمانيون كانت أفكاراً علمانية، وهي أفكار القرن الثامن عشر والثورة الفرنسية حصراً، ولا علاقة لها بالدين، بل بالعكس من ذلك تماماً، فما ورد ذكر الدين مرة، إلا كان الموقف هو إبعاد الدين عن شؤون هذا العالم البشري، وحصره في التجربة الروحية.
المتوكل أنهى الحاجة الى الترجمة والفلسفة وبالتالي الى المسيحيين العباسيين، والثورة العربية حققت ما يصبو إليه المسيحيون العثمانيون، وانفصلوا عن الدولة العثمانية، فما من حاجة الى الاستمرار في الندب والنعيب على مصير العروبة بعدما صارت بين أيدي أبنائها.
هذا هو رأينا في النهضتين "المسيحيتين"، ولكننا نلاحظ أن هناك من يطالب المسيحيين في هذه الأيام بأن يستعيدوا دورهم السابق في الشرق، وهناك تشجيع من قبل الدول الغربية والسلطات الإسلامية الموافقة على سياستها، لهذا الاتجاه. وهو دور يريد إبعاد الدين عن التدخل في كل شأن من شؤون السلطة والحياة اليومية، أي يريدون تجديد عصر التنوير الفرنسي.وإسناء هذه المهمة الى المسيحيين، يدل على اعتقاد بقدرتهم على التغيير وحصر الدين في التجربة الروحية. ونعتقد أن هناك ضبابية في ربط هذه المهمة بالمسيحيين، الذين اعتمدوا العلمانية منذ العصر العباسي، تاركين شؤون الدين جانباً. إن هذه المهمة يقوم بها المتنورون من جميع الملل والمذاهب. إن استعادة دور المسيحيين، سواء في العصر العباسي أم العصر العثماني أمر مستحيل، فأليعازر لا ينهض مرتين.
هناك موتى يعيشون معنا. فهناك من يعتقد أن أليعازر لا يزال حياً، إذ من غير المعقول على من أحياه الرب أن يزوره الموت. وفي الأساطير المسيحية هناك أسطورة اليهودي الجوال أو التائه، يعتقد المؤمنون أنه سيبقى حياً الى يوم القيامة. يبدو أن شبح هاملت قديم ويتكرر دائماً، الى درجة يظن فيها بعضهم أنها حقائق وليست أشباحاً.
إن ما بقي من النهضة هو تلك الخطوة للوصول الى حرية الفكر، وهي مهمة يقوم بها في هذه الأيام المتنورون من أي دين كانوا، فهي ليست دوراً جديداً للمسيحيين الذين لم يتغير أسلوبهم في العالم الإسلامي
لا جديد في دور المسيحيين هذه الأيام. إنهم يعملون في القضايا والشؤون الفكرية والعقلية والعلمية والأدبية والفنية... ولا يمكن إسناد أي دور إليهم، حتى في حيّز الحرية الاجتماعية والعادات والتقاليد، أي ما يسمى "التحرر الاجتماعي"، فهذا شيء طارئ جاء مع الحضارة الغربية، يخص كل المتنورين وليس المسيحيين منهم. وسبيلهم الى ذلك ليس الدين، بل العلمانية. لا يستطيعون أن يكونوا "مسيحيين" على غرار مسيحية العصور الوسطى. إنهم مسيحيون لأنهم معتبرون هكذا من قبل غيرهم. العلمانية اليوم شبه "العروبة" التي لجأ إليها المسيحيون في عصر الحكم العثماني. إنها مصلحتهم الخاصة للبقاء والاستمرار، وكذلك للخلاص من أي مناوشات لا تسويغ لها وقد تعود عليهم بالضرر. أي "تحرش" ديني لن يكون في مصلحتهم، لذلك كثرت لديهم المؤسسات الأهلية التي تقدم خدماتها الأديان والملل، كنوع من براءة الذمة تؤكد ابتعادهم عن، وأيضاً خوفهم من، التعصب الديني. ونلاحظ أن هذا الخوف قائم في المناطق المختلطة. أما في المناطق ذات الصبغة الديمغرافية المسيحية، فإنهم لا يشعرون بهذا الخوف، ولا يطرحون الأمور كما يطرحها سكان المناطق المشتركة. ولنتصور ولو للحظة، كيف سيكون مصير المسيحيين، لو أنهم رفعوا أي شعار ديني في ظل الحكم العثماني. إن جورج قرم اليوم يتخذ الموقف الذي كان يتخذه بطرس البستاني وجرجي زيدان وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وأديب إسحق وفرح أنطون وتقلا والنقاش، وحتى النساء اللواتي برزن في الميدان الكتابي، لم يفصحن عن أي موقف ديني، لا من قريب ولا من بعيد. وإذا كان هناك موضوع ديني، فلابد أن يكون مشتركاً بين جميع الأديان. وهو موقف لا يختلف عن موقف المفكرين المتنورين من أمثال أحمد لطفي السيد وسلامة موسى ومحمد مندور وفؤاد زكريا ومحمد الرميحي وفرج فودة وكثير من المفكرين في هذا الزمن المعاصر. ومع الوقت سوف تترسخ هذه الطريق وتتأكد صحتها، كما نظن. إن تجارب الأمم كثيرة وبليغة جداً... وما نريد قوله أنه ليس للمسيحيين مهمة خاصة تسند إليهم. إن ما قام به المسيحيون كان لحاجة خلقتها الظروف المحيطة. واليوم لا يستطيع المسيحيون أن يعيدوا أي تجربة من تجاربهم السابقة. الشيء الوحيد الذي يبقون عليه من تاريخهم، هو التعاطي مع أمور غير دينية بأسلوب علمي علماني، وهذا شيء ظل متوافراً لدى الأغلبية العظمى من مفكري المسيحيين الأشوام في القسمين الشرقي والغربي. واليوم لا يقل المتنورون الآخرون همة ونشاطاً وعدداً عنهم، فلا توجد مهمة تخص هذا الفريق أو ذاك.
ثمة شبه بين النهضتين التي قام بها المسيحيون في العصر العباسي والعصر العثماني، وهو أن الأفكار غير شرقية وغير مسيحية، بل "غربية" و"وثنية" وهذه الأفكار هي التي سببت النهضة، فالأفكار التي قدمها المسيحيون العباسيون كانت أفكاراً وثنية ومن اليونان بالتحديد، والأفكار التي قدمها المسيحيون العثمانيون كانت أفكاراص علمانية، وهي أفكار القرن الثامن عشر والثورة الفرنسية حصراً
أليعازر لا ينهض مرتين
إن الغالبية العظمى من المفكرين المسيحيين، مثل إخوانهم من المفكرين المسلمين، يعملون معاً من أجل تحويل الدين، أي دين، الى رأي. وكما يتطلب الرأي حرية حتى تنشأ التعددية وتكتمل الديمقراطية، كذلك يؤمن المفكرون المسلمون والمسيحيون بأنه لا خلاص من دون حرية الدين، حرية الاعتقاد، حرية تغيير الاعتقاد... من دون صراع الأفكار، ضمن المنهج العلمي الواقعي، بعيداً عن سخط الكبرياء وشراسة المنفعة... من دون فتح أبواب الحرية على مصاريعها، لخدمة السمو والمناقب الرفيعة، وفق عقد اجتماعي واضح. هذا هو الامتحان الأكبر لمعرفة هل يمكن استكمال الخطوة الناقصة في النهضة التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أم أن هذه المحاولة ستلحق بالمحاولتين السابقتين: العباسية والعثمانية؟ وهذا الدور أو هذه المهمة ملقاة على عاتق النهضويين المسلمين لإكمال النصف المتبقي من الطريق النهضوي.
يمكن الاستفادة من التجربة التاريخية ولكن لا يمكن إعادتها. وإذا لم تستكمل الخطوة الناقصة في النهضة، فإن من العبث الحديث عن "نهضة" بالمعنى الحقيقي. إن ما بقي من النهضة هو تلك الخطوة للوصول الى حرية الفكر. وهي مهمة يقوم بها في هذه الأيام المتنورون من أي دين كانوا، فهي ليست دوراً جديداً للمسيحيين، الذين لم يتغير أسلوبهم في العالم الإسلامي.
إن أليعازر لن ينهض ولو قضت مرتا عمرها انتظاراً أمام حجر القبر. تغيرت أشياء كثيرة جداً. فالقبر صار كهفاً مكتظاً بالشعوب الشرقية، وتعزيل العنكبوت وحده عن باب الكهف، صار يحتاج الى ما هو أكبر بكثير من معجزة أليعازر. إن الغوغاء تلتهم التاريخ... ثم تزعم أنه يهملها، وهي التي تصنع المضطهدين وتشكو الاضطها. إنها تفقس المستبدين، وتبني لهم المقامات والأضرحة، ثم تشكو من الاستبداد وتندب حظوظها.
إن "خراتيت" يوجين يونسكو الصاخبة تملأ الأرض. لقد ابتلعت الحرية الفكرية ولن تتقيأها بسهولة. إنها بحاجة الى زيوس جديد.