عن دور العربية في مسرحية خدام وآخر مراحل انهيار دولة المخابرات العربية

د. عبد الوهاب الافندي القدس العربي


عندما ألقي السير جيفري هاو نائب رئيس وزراء بريطانيا خطاب استقالته الشهير في البرلمان في اواخر عام 1990 ودق به آخر مسمار في نعش زعامة مارغريت ثاتشر لحزب المحافظين والحكومة، علق احد الصحافيين علي الحدث بقوله: لم اكن اعلم ان الخروف الميت يمكن ان يعض بمثل هذه الشراسة ! فقد كانت الصحافة الساخرة اطلقت علي هاو لقب الخروف الميت لانه بزعمهم يخلو من اي كاريزما سياسية، ويميل الي الموادعة والسلبية في حلبة الصراع السياسي المحتدم. ولكن كل من استمع لخطاب استقالة هاو الذي لم يستغرق سوي خمس عشرة دقيقة لم يبق لديه ادني شك في ان ثاتشر اصبحت هي الخروف الميت في تلك اللحظة.
هناك ما يدعو الي تشبيه مداخلة نائب الرئيس السوري المستقيل عبد الحليم خدام المطولة علي قناة العربية الاسبوع الماضي بتلك الواقعة، سوي ان لقب الخروف الميت غير مناسب لخدام، وقد يكون لقبه الانسب البوق المعطل ، او كلب الحراسة الذي فقد اسنانه . ولكن لقب الخروف الميت ينطبق بلا شك علي قناة العربية التي تبرعت باذاعة البيان السياسي لخدام. فالقناة كما يعرف القاصي والداني تنتمي الي تلك المنظومة الاعلامية العربية التي عناها شاعرنا بقوله:
قبيلته لا يغدرون بذمة
ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء الا عشية
اذا صدر الورّاد عن كل منهل
فلم يعرف عنها ولا عن مثيلاتها من الصحف والقنوات انها قادت معركة اعلامية ضد اي جهة او سلطة، الا اذا صدر التوجيه السياسي بذلك، وهذه نفس المنظومة الاعلامية التي تسعي لاقناعنا بأن حركة الاصلاح المعارضة في السعودية لا وجود لها الا حين ينشق عنها احد اعضائها، او تحاول ان توهمنا بأن مراسم دفن حاكم رحل منذ اكثر من عشر سنوات حدث تاريخي يستحق ان تهمل من اجله كل اخبار العالم الاخري لاسبوع. وهي نفس المنظومة التي كانت تجتهد في صناعة الوهم بأن شخصا لا يستطيع الاجابة علي سؤال: ماذا تناولت للفطور هذا الصباح؟ يصدر المراسيم الاشتراعية، ويناقش السياسة الدولية مع كبار زعماء العالم، ويقيل ويعين الوزراء!
ولو كنت قد استشرت في اختيار شعار لتلك القناة، لما وقع خياري علي شعار الأقرب الي الحقيقة الذي تردده القناة عن نفسها، وانما كنت اوصي بشعار الأقدر علي الابداع (فشعار الأقرب الي الخيال قد لا يؤدي الغرض) لأن ما تقدمه هذه القناة واخواتها هو ابداع بكل المقاييس، يخجل امامه كبار روائيينا مثل الطيب صالح ونجيب محفوظ وطيب الذكر عبد الرحمن منيف. المشاهدون والقراء يتعاملون مع هذه الاجهزة الاعلامية تعاملهم مع روايات وافلام الخيال العلمي، يتابعونها، اذا فعلوا، للمتعة والتسلية وليس لاستقاء المعلومات، الا ما يستخلص من صمتها ويقرأ من بين سطورها.
وعليه حين تقدر قناة مثل العربية ان تخصص ساعتين ونصف الساعة، في فترة الذروة، وليومين متتاليين، لاعلان سياسي حزبي لمسؤول معارض لدولة عربية، فان هذا لا يمكن ان يعتبر قرارا تحريريا بني علي القيمة الخيرية والاعلامية لهذه المداخلة، فلا يوجد اعلامي يحترم نفسه يعطي المحاور خمسة واربعين دقيقة للاجابة علي سؤال واحد! القرار بفتح محطة اخبارية بلا حدود لمعارض لنظام عربي لم يتخذه بالقطع المراسل المعني، ولا رئيس تحرير قسم الاخبار، ولا كبير المراسلين، ولا رئيس تحرير القناة الموادع المسالم. القرار لم يتخذه كذلك مدير القناة ولا حتي رئيس مجلس ادارتها. الذي اتخذه هو بلا شك صاحب السمو الملكي اياه، وهو نفس الشخص الذي يملك ان يأمر محطات هز البطن والارداف بأن تنقطع عن كل شيء سوي تلاوة آيات الذكر الحكيم لايام متتالية، فتسمع وتطيع.
والسؤال هو: ما هي الحكمة الملكية السامية في مثل هذا القرار المخالف للمألوف؟ والاجابة بالطبع ان الحدث المعني لم يكن حدثا اعلاميا كما يتبادر الي الذهن، بل هو طقس ديني يقصد به التعبد في المحراب اياه، والتقرب والزلفي الي من بيدهم النفع والضر في دين البعض. وهو يذكر بقرار اتخذ قبل عقد من الزمان في عاصمة عربية اخري باحتضان صهري صدام حسين الفارين من بغداد في وقت كانت الولايات المتحدة تبحث فيه عن وسيلة لتقويض نظام صدام حسين من الداخل، وقد قوبل ذلك الحدث بكثير من التهليل الاعلامي المنظم، واعتبر فتحا مبينا.
ولا شك ان المرء يحتاج لان يكون علي قدر كبير من السذاجة لكي يعتقد ان صهري صدام اللذين يفتقدان لكل مؤهل سوي القرب والحظوة عند الرئيس السابق، يصلحان لبناء قاعدة سياسية ترمي لايجاد بديل عن نظامه. فكيف يتخيل شخص يفهم الابجديات في ديناميات العمل السياسي ان جلاوزة وفتوات نجحوا في الصعود الي هرم السلطة عبر المخاتلة والقمع والمحسوبية يمكن استخدامهم كمصدر الهام شعبي للثورة علي السلطة، او حتي كمخلب قط لانقلاب داخلي، علما بان المعنيين لا يملكان اي سند شعبي او تنظيمي داخل النظام الا ما حصلا عليه من ولي نعمتهما صاحب السلطة الحقيقية؟ وتعتبر درجة الوهم اسوأ بكثير في حالة عبد الحليم خدام. صهرا صدام كانا علي الاقل ينتميان الي الحلقة الاسرية والامنية والتنظيمية الداخلية للنظام، مما يعطيهما قيمة مخابراتية في الكشف عن الاسرار. الامر يختلف بالنسبة لخدام الذي لم ينتم يوما الي الحلقة الداخلية للنظام العلوي المهيمن في دمشق، ولا لمؤسساته الامنية المتحكمة. خدام كان كاسمه، خادما مطيعا وبيروقراطيا فاعلا حقق في المجال الذي اوكل اليه، كما افتخر بذلك، قدرا لا بأس به من النجاح، ولكن هذا باعترافه لم يقربه من الموقع الحقيقي لاتخاذ القرار في النظام.
افتخار خدام بنجاحه في السياسة الخارجية السورية، مثل افتخار صهر صدام حسين من قبل بالنجاح في مجال التصنيع العسكري ليس له اي قيمة سياسية، ولا يمكن ان يصلح كقاعدة لبناء رصيد سياسي مستقل. فالافتخار بالاخلاص والنجاح في خدمة نظام قمعي قهر الناس واستعبدهم يحسب علي من ادي هذه الخدمة لا له. والأمر اشبه بأن يفتخر برزان التكريتي بأنه حقق خدمات امنية جلي لنظام صدام في قهر معارضيه، ويتوهم بأن مثل هذا الفخر يمكن ان يعطيه شعبية عند الناس كمعارض لصدام!
ولكن واقعة انشقاق خدام وترويج المروجين لها لا تخلو من دلالات عميقة ومهمة تكشف المراحل النهائية لتفسخ وتداعي دولة المخابرات العربية. انشقاق خدام، وقبله انشقاق صهري صدام واخرين، يكشف اولا عن عزلة نظام الدولة التي اطلقنا عليها في تقرير التنمية الانسانية العربية العام الماضي دولة الثقب الاسود . فالرفض الشامل الذي تواجهه هذه الدولة لا يقتصر فيما يبدو علي عامة الشعب وضحاياها الكثر، بل يعتمل حتي داخل الحلقات المقربة. فالوزراء وكبار المسؤولين وافراد الاسرة الحاكمة واولياء العهد وغيرهم من المقربين من الدكتاتور يتربصون به الدوائر علي ما يبدو، وينتظرون اول فرصة للوثوب عليه (او للانتحار قرفا ويأسا).
دولة المخابرات العربية تعيش ايضا علي ما يبدو عزلة متزايدة عن العالم حولها صنعتها بنفسها. فالحاكم المحاصر في قصره يبدو اسيرا اكثر من ضحاياه لاجهزة مخابراته. هذه الاجهزة بامكانها ان تحرك الحاكم مثل الاراجوز عبر التقارير التي تنسجها، وتفرض عليه القرارات والخيارات. فما كشف عنه خدام مثلا عن تصديق قصص تشبه الاساطير توردها المخابرات للرئيس يعتبر مذهلا بكل المقاييس، ولكنه يكشف عن ديناميات الانهيار الداخلي لدولة المخابرات. فالدكتاتور يضع نفسه تماما تحت رحمة اجهزته المخابراتية، وهذه الاجهزة بدورها تطور اجندتها الخاصة لحماية نفسها، وتصفية الحسابات مع المنافسين والخصوم، وتبيع مخدومها الروايات والاساطير.
وكما كشف خدام ايضا، فان احد اكثر الاوهام القاتلة التصاقا بدولة الثقب الاسود هو تصورها ان العالم خارجها هو مسودة طبق الاصل منها. ومن هذا القبيل توهم القيادة السورية بامكانية عقد صفقات سرية مع واشنطن لحماية نفسها من اخطائها وسقطاتها، وقراءتها الغاية في الغباء لديناميات صنع القرار في امريكا. ويعتبر هذا الخطأ مركبا لأن سياسة الولايات المتحدة هي كتاب مفتوح لمن يقرأ. المؤامرات الامريكية لا تحاك في الظلام، وانما تناقش علنا في مراكز الابحاث واجهزة الاعلام والكونغرس واماكن اخري. هكذا كان الامر في قرار غزو العراق، وكذلك الامر في السياسة تجاه السعودية ونشر الديمقراطية وغيرها. ولا يحتاج الامر الي عبقرية اجهزة المخابرات للكشف عما هو مكشوف اصلا.
الانهيار المدهش لدولة المخابرات العربية ظهر كذلك في تصدع واجهتها الاعلامية، وهو تصدع برز بصورة اوضح مع صدور القرار باسكات العربية واخواتها عن متابعة اخبار واقوال خدام كما اسكت الصباح شهرزاد عن الكلام المباح، فكان الانصياع والانهيار الكامل للمصداقية، وانكشاف دور هذه الاجهزة الاعلامية كأبواق دعاية وادوات مطيعة في يد السلطان، يطلقها مثل كلاب الصيد فتنهش من شاء، ويعقلها فتجلس سامعة مطيعة.
ومثلما تحولت اجهزة المخابرات من رصيد الي نقمة علي اصحابها، حيث تتحمل المسؤولية كاملة في الانهيار القادم لنظام الاسد، فان ابواق الدعاية الاعلامية تصبح اداة لفضح العورات التي استحدثت لسترها. فهي تفضح غباء سادتها وسذاجتهم السياسية المضحكة، مثلما تعري الاعلام المأجور من ورقة التوت التي لم تكن تستر الا ما تستره ملابس الراقصة المحترفة.
وكلما شاهدنا مسرحية جديدة في هذه المهزلة المستمرة، كلما تأكد اكثر ان هذا العرض المخزي يقترب من نهايته المحتدمة، فبين الاساطير التي ينسجها الاعلام وتلك التي تبدعها اجهزة المخابرات، يترنح النظام المخابراتي العربي نحو هاوية محتومة وهو يتخيل انه يطير بأجنحة من صنع خياله، وقريبا سنسمع لسقوطه دويا تسعد له آذان الشعوب المغلوبة علي امرها.


ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن