تفكيك الاستبداد هل هو ممكن؟

نصر حامد أبو زيد - النهار

منذ بداية القرن الماضي والمثقف العربي، الشيخ والأفندي والتقني، يشكو من الاستبداد، ويحلل أسبابه ويبيّن أخطاره ويقترح الوسائل للخروج منه إلى أفق الحرية وسيادة إرادة الأمة تحقيقا للعدل والمساواة. وها نحن بعد قرن كامل تغيرت فيه الدنيا، وانتقل العالم من عصر التصنيع إلى عصر تكنولوجيا المعلومات، لا نزال نراوح مكاننا من وطأة الاستبداد السياسي والاجتماعي بل والثقافي والديني. تغلغل الاستبداد في تفاصيل حياتنا من وطأة تاريخ طويل من الحكم العسكري أو المشيخي أو الطائفي؛ فالأب مستبد يقهر الزوجة والطفل باسم "تماسك الأسرة"، والمعلم يقهر التلميذ في
المدرسة
باسم "حق المعلم في التبجيل والتوقير"، والرئيس، أيا تكن درجته، يقهر المرؤوسين باسم "الضبط والربط والنظام"، ورجل الدين يقهر المؤمنين باسم "السمع والطاعة"، والحاكم يقهر شعبا بأكمله باسم "التصدي للأخطار الخارجية". صار الوطن معسكرا، كلنا محبوسون داخل أسواره نحيّي العلم كل صباح ومساء، وطول اليوم نغنّي الأغاني الوطنية وننشد الأهازيج في حب الأوطان. كان هتافنا في التظاهرات ونحن صغار - إبان الاحتلال البريطاني لمصر والفساد المتعاون معه في القصر الملكي - "نموت نموت ويحيا الوطن"، ولم يكن الأمر مجرد هتاف؛ فقد مات الكثيرون منا على ضفاف القناة وفي أرض سيناء، واستشهد آخرون في معارك حصدت الألوف. في اختصار، دفعنا الثمن وحصد آخرون الثمرة؛ وظلت الأوطان كما هي رهينة احتلال من نوع آخر اسمه "الاستبداد"، جنرالاته من أبناء جلدتنا، يمصون دماءنا حتى آخر قطرة، ويسدّون كل منافذ التنفس أمام شعوب تختنق ومطلوب منها أن تظل تهتف.
في تقديري أن تفكيك الاستبداد مسألة بسيطة وسهلة فحواها أن نكفّ عن "الهتاف"، وأن نعيد النظر في مسألة أننا يجب أن نموت لكي تحيا الأوطان. لماذا يجب أن نموت؟ وأي أوطان هذه التي ستبقى بعد موتنا؟ لقد متنا وبقيت أوطان لا نعرفها ولا تعرفنا. أسير في شوارع القاهرة، أو بيروت أو دمشق أو الدار البيضاء، فأجد ناساً لا أعرفهم، وأرى مباني شاهقة وفنادق فاخرة أخاف أن أدخلها. أبحث عن أصدقائي والناس الذين أعرفهم وأحبهم ويحبونني فأجدهم في أماكن خانقة، مكاتب التحرير في الصحف أو دور النشر، في قاعات الدرس والمكاتب المزدحمة في الجامعات، أو في المقاهي التي فقدت بهاءها وخلعت أرديتها للكافيتيريات السياحية. أرى وجوههم مرهقة من التدخين والهواء الفاسد، لكننا نتضاحك؛ لأننا مثقفون متفائلون نؤمن بالمستقبل ونتيقن أنه آتٍ لا محالة. هؤلاء أصدقائي الحالمون الذين أحبهم وأسعى إليهم؛ لأنهم مثلي لا يهتفون موتا في حب الأوطان.
لكنْ هناك مثقفون آخرون يرتادون الفنادق الفخمة والكافيتيريات السياحية، ويسكنون في مساكن فسيحة صحية يأتيها الهواء النقي من كل ناحية، ولهم استراحاتهم الصيفية ومنتجعاهم، هؤلاء أبناء العصر، فهموا روحه وأدركوا أن التغيير والإصلاح - لا يأتي من أسفل الى أعلى بل يأتي من أعلى إلى أسفل. ولأنهم مصلحون حقا فقد قرروا أن يتخلّوا عن صيغ الإصلاح البالية التي تحدث عنها محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهما محاربة الاستبداد والفساد - وأن يتبنوا صيغة: إذا لم تستطع مغالبة الموج فاركبه.
من العجيب أن عبد الرحمن الكواكبي قد نبهنا منذ أكثر من مئة عام أن "الاستبداد أصل كل فساد؛ إذ يضغط على العقل فيفسده، ويلعب بالدين فيفسده، ويغالب المجد فيفسده، ويقيم مكانه التمجد". يا إلهي كيف لم نتنبه أن الاستبداد أسّ "الفساد" وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية في هذه اللحظة، الفساد أولا، والفساد ثانيا، والفساد أخيرا.
1 - فساد العقل: هل نحتاج للشواهد، وأنظمتنا التعليمية وجامعاتنا وإعلامنا المرئي خير شاهد؟ فساد العقل أدى إلى فساد الهوية، النابعة من فساد الدين، والمؤدية إليه في الوقت نفسه. إقرأ الكتب التي تصدر فكم منها تستطيع أن تواصل قراءته. لقد صارت اللغة تتكلمنا لا نحن الذين نتكلمها، صار العقل سجيناً للغةٍ تكلمها آخرون منذ آلاف السنين. واجتاح الفساد كل قنوات وعينا. يشكو الصحافي البارز صلاح حافظ من اختراق الصحافة، التي أفسدها المال الذي لم يعد يدخل إلى الصحف "عبر مسالكه الشرعية، ونعني الإعلانات الصريحة"، بل صار يتسرب عبر مسالك أخرى غير شرعية، مثل "خلط الإعلان بالإعلام لخداع القارئ والمشاهد والتدليس عليه... فإذا أضفت إلى ذلك نماذج أخرى من نوع الرشاوى الخفية والمكافآت العلنية التي تعودت وزارات وأجهزة وأحزاب، بل ودول أجنبية، دفعها لبعض مندوبي الصحف ووسائل الإعلام من ذوي النفوس الضعيفة والذمم الخربة، لأدركت عمق الاختراق الذي نفذ إلى العمق". في مقابل هذا الفساد، أو بسبب هذا الفساد، يتعرض الصحافيون والإعلاميون الأحرار "لمضايقات وصلت حدود الاعتداء الجسدي والإيذاء النفسي". هذا في مصر، أما في بيروت فإن الفساد الملازم للاستبداد لا يرضى بأقل من القتل تفجيرا وتدميرا. إذا فسد الإعلام والتعليم فعن أي "عقل" يمكن أن نتحدث؟
2 - فساد الدين: احتاج المستبد إلى "الدين" ليداري عورات استبداده؛ فأمّم مؤسسات "التقديس"، على حد تعبير المصري الراحل خليل عبد الكريم، لتهتف ليل نهار بعدله واستقامته وحكمته وشجاعته، وتصدر الفتاوى لتبرير مواقفه وقراراته؛ فلم يعد أمام المحتج والمعترض إلا أن يلجأ إلى السلاح نفسه. هكذا ضاع الإيمان لصالح الحركية، ومع ضعف الإيمان قويَ التطرف وصار التدين شكليا (ازدحام المساجد مع كثرتها، إطالة اللحى وتقصير الجلابيب وارتداء الفتيات الحجاب فالنقاب). حين يصير الدين شكليا يصبح هو المحدد الوحيد للهوية، وهنا يتبلور مفهومٌ للآخر فضفاض يساوي بين الأجنبي (الغربي) وابن الوطن (المسيحي والعلماني) فيضع الكل في خانة الأعداء الذين يصبح قتالهم واجبا (سيد قطب قسم العالم كله مسلمين وجاهليين فقط).
3 - فساد المجد: المجد كلمة تتسع لكل القيم والأخلاقيات وأنماط السلوك المثلى اجتماعيا وثقافيا ودينيا. وفساد المجد يؤدي إلى "التمجد"، وهو المجد الزائف الذي حلله بكفاءة احمد البرقاوي من خلال نصوص الكواكبي ثم صاغه بلغة معاصرة فقال: "المتمجد هو البوق الإيديولوجي عند المستبد الذي يزيّف الوقائع والحقائق، هو الذي يقلب الأمور رأسا على عقب، لأنه يخفي أهداف المستبد الذاتية الضيقة ويحولها إلى أهداف باسم الأمة، مستخدما المفاهيم الأخلاقية الأثيرة لدى الناس ولصقها بسلوك المستبد... كحب الوطن، وتوسيع المملكة، وتوسيع المنافع العامة والدفاع عن الاستقلال. لا شك أن عبد الحميد هو المقصود بهذا الكشف والتحليل، ربما أنه، أي الكواكبي، أخفى هذا لسببين: الخوف من المستبد، أو لإعطاء معنى كلي للمستبد والمتمجد".
إن المتمجد في اختصار هو ذلك المثقف الذي لا يكفّ عن الهتاف، سواء أكان شيخا أم أفنديا أم تقنيا، للمستبد؛ فيتحول هو بالتدريج إلى مستبد صغير، فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج نفسه في أشكال وأثواب جديدة، فيصبح استبدادا دينيا واستبدادا ثقافيا واستبدادا تعليميا. ولأن الاستبداد هو أسّ الفساد، يصبح الفساد هو الهدف الذي يجب أن ينصبّ عليه تفكيكنا. ويصبح السؤال: كيف نفكّك الفساد؟ وهل هذا ممكن؟
نعم يمكن تفكيك الفساد بفضحه ونشر غسيله القذر على الملأ بلا خوف ولا حسابات ضيقة، الفساد الذي يتجاوز السرقة، سرقة المال العام، والنهب باسم الاستثمار، والفساد الذي يتجاوز المحسوبية ويعلي من شأن القرابة على حساب الكفاءة، هذا الفساد الذي يتجاوز أشكاله التقليدية تلك ويصبح قتلا في الطريق العام: شباب ينتحر لأنه لا يجد عملا، أو لأنه حرم فرصة العمل بسبب تواضع نسبه، انتخابات تدار بالرشوة والبلطجة وخراب الذمم وتخريبها، قضاة يُعتدى عليهم ويداسون بأحذية الأمن لأنهم صدّقوا أنهم مسؤولون عن ضمان النزاهة. وأخيرا قتل المثقفين والمعارضين وأصحاب الرأي بتفجيرهم. لا مكان للعقل ولا مساحة للتفكير الحر، والمجد للمتمجدين المبررين حملة المباخر ورافعي رايات الإصلاح والتنوير الذي يجب أن لا يتناقض مع التقاليد أو يخترق أسوار التراث أو يخلخل الثوابت، تلك التي يصوغها المتمجدون أنفسهم ويقفون حراسا وسدنة لها.
هؤلاء المتمجدون هم المسؤولون عن "فساد العقل"؛ لأنهم حولوا العقل عن وظيفته النقدية التي تخترق ظلمات التقاليد والتراث لتؤسس قيم المستقبل من خلال تفاعل خلاّق مع الماضي، وحصروا دوره في تبرير الوضع الراهن، وتجميل قبحه. هؤلاء المتمجدون حصروا التعليم في التلقي والتكرار، وحاربوا الإبداع والقفز فوق أسوار التقليد. حين أراد المستبد أن يؤمم العقل هللوا له منذ حاولت الدولة العباسية أن تضم قوة السلطة السياسية إلى قوة الفكر في قبضتها منذ عصر المأمون ففشلت، لكنها نجحت في عصر المتوكل. في العصر الحديث جرى في مصر تأميم الأزهر باسم "الإصلاح" في الستينات، وفي الخمسينات كان قد جرى تأميم الجامعة باسم "التطهير"، وكانت تلك بدايات فقدان الاستقلال، في السبعينات تمت عملية عسكرة الجامعة، وفي التسعينات تمت عملية تسييس الجامعة باستيلاء "الحزب الوطني" تدريجيا عليها. في وقت يعلن المسؤولون أن لا سياسة في الجامعة، بمعنى أنه لا يصح قيام فروع للأحزاب السياسية بالجامعة، يقوم حزب واحد، غير شرعي في تقديري لأنه ولد سفاح، بالاستيلاء على الجامعة من أعلى. وبعملية الاختراق تلك يتسلل الاستبداد وفي عباءته الفساد. والمضحك في مصر، وكم ذا بمصر من المضحكات، أن هذا الحزب غير الشرعي يعتبر نفسه مقياس الشرعية فتمتلئ أجهزة إعلامه بأبواق تندد بقوى سياسية أخرى، قد نختلف معها لكن حضورها في أرض الواقع أمر لا يمكن إنكاره، وتصمها بعدم الشرعية.
في جامعة يسيطر عليها حزب سياسي، أكرر غير شرعي، سلطوي يشرّع لها، ويسيطر عليها بجهازه الأمني، هل يمكن الحديث عن "البحث العلمي" فضلا عن حريته؟ كيف يمكن الخائف أن يمارس حرية ما؟ الأمن يحاصر الجامعة من أبوابها إلى قرارات تعيين المعيدين وأعضاء هيئة التدريس، فضلا عن المناصب الإدارية من وكيل الكلية إلى رئيس الجامعة. هناك دائما التبرير الجاهز: الأمن والخوف من الإرهاب. حسن في مجتمع خائف، وفي مؤسسات هاجسها الأمن، لا يترعرع فكر ويصبح الحديث عن الحرية حديث وهم وخرافة.
المشكلة في الاستبداد، وقرينه الفساد، أنه يجد من يروّج له من بين ضحاياه، أولئك الذين فسد عقلهم وفسد دينهم واستبدلوا بالمجد التمجد. لا بديل إلا بفتح الأبواب والنوافذ ليخترق الهواء النقي بؤر الفساد فيتحلل الاستبداد. هذا واجب المثقفين الذين كفّوا عن الهتاف وفهموا أن الأوطان لا يمكن أن تحيا بموتنا. أنهم أولئك المهددون بالقتل والتفجير، الذين يجب أن نصنع من دمائهم مشانق للجلادين والطغاة، من دون أن يكون موتهم موضوعا للفخر أو للاحتفال. إن التصدي للاستبداد والفساد المحليين يجب ألاّ ينسينا أن الحرب ضدهما جزء من حرب ضد الاستبداد والفساد الكوكبي الذي يجد في قضيتي الإرهاب والأمن مبررا له كذلك. علينا أن نتحالف مع القوى المناهضة للفساد في العالم، فالإرهاب ليس في التحليل النهائي سوى فرخ من أفراخ الفساد. من الخطل أن ننسى أسباب المرض وننشغل فقط بمعالجة الأعراض.

"ملحق النهار"