لبنان / سورية: في الهاوية!

ميشيل كيلو القدس العربي


دفعت جريمة اغتيال الصحافي والنائب اللبناني الأستاذ جبران تويني علاقات سورية ولبنان إلي الهاوية، وأكدت صعوبة تطبيع علاقات البلدين كدولتين مستقلتين وحرتين، وعززت الاقتناع بوجود جهات في سورية ترفض أن يكون للبنان غير خيار من اثنين: قبول السيطرة السورية، أو الغوص في الغامض والمجهول وصولا إلي حرب أهلية لن تكون حرب 1975/1990 غير لعب أطفال بالمقارنة معها. واليوم، وبعد حملات إعلامية مكثفة جعلت لحب سورية معني محددا هو كره لبنان واللبنانيين، ولحب لبنان معني واحدا هو كره السوريين، وبعد أن تم تبادل التهاني وتوزيع الحلويات في بعض الأوساط السورية، احتفالا بقتل تويني، لا بد من القول: إن وضع لبنان الداخلي بلغ حدا من التردي يجعل أي قتل جديد فيه جريمة ضد سلمه الأهلي، ستلقي به إلي نار لن تنتهي إلا بنهايته ونهاية سورية كدولتين عربيتين مستقلتين وموحدتين، بعد أن تكفلت جريمة قتل تويني بتقويض قسم كبير مما تم تحقيقه من تهدئة ومصالحة داخلية بعد جريمة قتل الحريري، وتخريب أوضاعه الداخلية، وتوتير علاقات أطرافه السياسية بعضها ببعض وتأكيد طابعها العدائي، فضلا عن أنها أبرزت عجز حكومته عن إدارته، وفشل أجهزته الأمنية في حماية مواطنيه، وبينت ضعف نظامه الجديد وقوة النظام الأمني السوري، صاحب الخبرات الواسعة، الذي أشرف علي صراعات معقدة داخل سورية وخارجها، وخاض معارك صعبة مع قوي دولية وإقليمية عديدة، وعرف كيف يقاتل بضراوة في ظروف بعينها، وكيف يتراجع ويتمسكن وينضوي في توازنات قوي معادية وغير ملائمة، في ظروف أخري، وكيف يستخدم دوما قضايا وطنية وقومية في غير مراميها ومقاصدها الأصلية: لخدمة أهداف لا تمت إليها بصلة.
تنبع خطورة ما يجري في لبنان من سياق معقد تختلط وتتكامل فيه عناصر محلية وإقليمية ودولية، تبدو جلية، علي الصعيد المحلي، في قيام النظام السوري بممارسة قدر من الضغط لا قدرة للبنان علي مواجهته، يطالب البعض هناك بحماية دولية منه، مع مطالبته تمكن دمشق من فرط التوافق اللبناني الداخلي واستخدام الرافعة القومية والوطنية ضد شقيقها الحبيب، إلي جانب تأليب قطاعات واسعة من الشعبين السوري واللبناني عليه، وإيجاد مسوغات وطنية تعيد بواسطتها خلط أوراقه وتوتير علاقات مواطنيه علي أسس طائفية، ووضع من بيده السلاح ـ يسمونها شرعية المقاومة ـ في مواجهة من بيده الحكومة والبرلمان ـ يعتبرها الخطاب السوري غير شرعية ويعيب عليها جماعة سورية في لبنان ـ حزب الله خاصة ـ أنها أكثرية ـ وإضعاف أية قوي تستطيع تعزيز السلم الأهلي والحيلولة دون انهياره.
يتلازم التصعيد السوري في لبنان مع تصعيد إيراني كثفته تصريحات أحمدي نجاد، الذي يريد تحرير فلسطين ويطالب بالقضاء علي إسرائيل ونقل يهودها إلي ألمانيا والنمسا، لاعتقاده أن مواقفه تساعد إيران علي إقامة نطاق حماية حولها، عبر اختراق الداخل العربي عامة والسوري ـ اللبناني خاصة، بعد أن نجحت في أخذ رؤوس جسور جدية في العراق، من خلال دعم دخول امريكا إليه، وتريد اليوم الإفادة من التصعيد الأمريكي ضد سورية لأخذ مواقع فيها أيضا، بتوتير علاقاتها مع واشنطن وتفجير الوضع في لبنان ـ لاستعادة عروبة فلسطين، مع أن العروبة في حديث للخميني مع مجلة اليوم السابع الباريسية حركة صهيونية معادية للإسلام ـ. والحق، إن ما يعيشه لبنان من عمليات قتل قد يكون متصلا بهذا الخط، الذي يفتح أبواب لبنان وسورية أمام الأصولية الإسلامية، ذات الدور المهم اليوم في العراق، التي قد تلعب دورا مماثلا غدا في لبنان، خاصة إن نجحت إسرائيل وامريكا في تدمير قدرات إيران النووية، وصار علي العرب دفع ثمن الرد.
أخيرا، ثمة من يعتقد في طهران ودمشق أن امريكا هزمت في العراق، وأنه حان وقت إقرارها بالهزيمة في لبنان أيضا، حيث توجد قوي قادرة علي تحديها ومقاتلتها، أكبر وأحسن تسليحا وتنظيما بكثير من جماعة الزرقاوي.
يتطلب هذا السياق تهيئة الساحة السورية واللبنانية للصراع القادم: بالقفز في الأولي عن مشكلات البلاد الحقيقية إلي مواجهة تشمل الداخل والخارج، وبنشر السيارات المفخخة في الثانية، علي الطريق إلي معركة استراتيجية الأبعاد ستخوضها قوي الممانعة السورية ـ الإيرانية ـ العراقية ـ اللبنانية المشتركة، هي ردها علي بدائل امريكية متوعدة، تخيرها بين الهزيمة وبين معركة انتحارية، بعد أن بلغت لحظة ضعف عسكري وعجز سياسي وتدهور إنساني تجعلها فريسة ممكنة الاقتناص.
بجريمة قتل جبران تويني، التي تشبه كثيرا حادثة باص عين الرمانة عام 1975، يقترب لبنان، ومعه سورية، من لحظة قاتلة، قد تسقط فيها الدول بعد البشر؛ لحظة ستأخذ صورة قتل شامل، سيدمر شعوب وبلدان الشرق العربي، كي يكتمل معني تدمير العراق!