من يخاف.. السياسة

عباس بيضون - السفير

 

الردود اللبنانية لحديث خدام عديدة لكن اكثرها تمحلاً هو الذي، لأي سبب، يريد أن يلقي باللائمة على اللبنانيين. هناك استطراد بلاغي ينتهي الى الايحاء بأن المسألة، على اي وجه، مؤامرة لبنانية على سوريا. عملية قلب وابدال بسيطة تفي بالغرض. انها لعبة منطقية تمر على اعين غير المنتبهين. نبدأ بالسبب الذي صار نتيجة انها عملية قلب صغيرة، حديث خدام سر بعض اللبنانيين، هذا غير خاف بالطبع وسببه ايضا غير خاف، انه شهادة من الداخل على تورط النظام السوري في جرائر في لبنان وسوريا تدعم اتهام هؤلاء له بها وخاصة اغتيال الرئيس الحريري. نحن الى الآن في البداهة لكن الرد المتمحل لا يكتفي بها، انه يتكئ على ديالكتيك السيد والعيد الهيغلي ليقول ان سرور بعض اللبنانيين بحديث خدام هو بانقلاب الأدوار، السيد خدام الذي طالما استخدمهم واستعملهم لمصالح <<سوريا>> هو الان في الجهة المعاكسة. مستخدم مستعمل لمصالح لبنانية. صار العبد سيدا والسيد عبداً ولا بد ان اخلاقية العبد تلازمه حين يغدو سيداً. هذا الاستطراد السيكولوجي على حساب مؤلفه بالطبع لكنه يغدو ركيزة للقول بأن اللبنانيين يستعملون خدام وبأن حديثه يكاد يكون تدخلاً لبنانياً وربما وصاية لبنانية على سوريا. انها عملية قلب على النحو التالي: <<حديث خدام ادى الى سرور بعض اللبنانيين>>، تصبح <<سرور اللبنانيين (او رغبتهم او ارادتهم) ادى الى حديث خدام>>. عملية القلب تنطوي ايضا على حيلة بلاغية: <<موقف عبد الحليم خدام يخدم اللبنانيين>>، تغدو <<اللبنانيون يستخدمون عبد الحليم خدام>> وبالنهاية تغدو الجملة <<اللبنانيون وراء حديث خدام وصنيعهم مؤامرة على سوريا>>. نعود الى الحيل البلاغية فتزول الكاف بين المشبه والمشبه به ويغدوان واحدا، عبارة <<اللبنانيون يشعرون بأنهم هذه المرة يستخدمون خدام لمصالحهم>> تغدو <<اللبنانيون يستخدمون خدام لمصالحهم>> الشعور يغدو امراً واقعاً. البسيكولوجي يغدو من دون توسطات واقعاً سياسياً. هكذا من سرور بعض اللبنانيين بحديث خدام نستنتج تدخلا لبنانيا في سوريا وخطة وصاية عليها. لا اريد ان افهم من هذا التحليل تبريرا للجرائر السورية التي عقبت اغتيال الحريري، لكن واحداً غيري قد يكون اقل معرفة للديالكتيك الهيغلي ولنظرية الاسقاط الفرويدي قد يفهم فورا ذلك ويستنتج من التحليل البسيكولوجي عواقب <<سياسية>> اخرى.
لكن لا بد من القول عوداً على بدء، ان بعض اللبنانيين ليس كل اللبنانيين، وبعض اللبنانيين غير بعض السياسيين الذين يزعم التحليل المذكور انهم مغتبطون بأن خدام يقف الآن منهم ما وقفوه طائعين او مجبرين منه. بعض السياسيين هم في الحقيقة بعض السياسيين لان هناك بعضا لا يزال عند موقفه الاول من حكام سوريا وسلطتها، اي ان التوصيف البسيكولوجي هو ايضا خادع فهو يعمم حالات جزئية لبنانية على اللبنانيين فتغدو احوال هؤلاء المنعوتة بازدراء وقسوة حال اللبنانيين المعارضين لسوريا كلهم تقريبا وتغدو مشاعر هؤلاء، بأي قوة لا ادري، تدخلا لبنانيا ووصاية لبنانية. ذلك ما اجد فيه كراهية مكتومة او معلنة، بل اجد فيه بعبارة اصرح شوفينية مضادة، شوفينية كراهية للبنان. لطالما انتقدنا الشوفينية اللبنانية بتخريفها التاريخي والادبي وعنصريتها الضمنية، ذلك موقف يكاد المثقفون اللبنانيون ينفردون فيه، على الاقل تاريخيا، لكن اقتران العروبة بكراهية لبنان موقف من عمر الشوفينية اللبنانية وقد يكون من الردود عليها. الآن لا تعدو الشوفينية اللبنانية ان تكون موقفا مأزوما والارجح ان العروبية الكارهة للبنان مأزومة ايضا. لكن كره لبنان في احوال غير هذه قد يكون نوعا من الضغينة القومية، والكراهية لما يمثله لبنان من ملجأ أقليات وتعدد لغوي وتغريب نسبي وحريات شخصية، وهذه قيم تنتفي من المشروع القومي بقدر ما ينتفي هو ويتحول الى نعرة وضغائن.
ليس هذا الموقف فريدا في بابه فهو رغم امتيازه جزء من خلاصة ما قاله الرئيس السوري من ان لبنان اليوم يتدخل في الشأن السوري، اما الدليل فهو بالدرجة الاولى مقالات جبران تويني التي كتب مثلها زمن الوصاية ودفع الان حياته ثمنها، وتصريحات وليد جنبلاط <<أمد الله في عمره>> وقد بلغ من توارد هذه الاحكام وانتشارها ان جبران تويني بات في حكم المقتول قبل ان يغتالوه وحال وليد جنبلاط مثله. لا يوازن هذا الخطاب بين ما قاله الأسد في حق لبنان وما يقوله سياسيو سوريا والشرع اولهم وما تقوله الصحافة السورية. لا يوازنون لان الموازنة تقتضي ندية بين الطرفين لم تدر بعد في مخيلات اصحابها التي هي امينة لرتيبة الوصاية التي تجعل للناطق السوري مقاما ليس للناطق اللبناني.
مع ذلك فإن هذا الخطاب يقتضي تحريا اكبر، هل يتدخل لبنان الرسمي في سوريا وهل يتآمر لبنانيون على سوريا؟. بالنسبة لي استطراداً من الردود اللبنانية على سوريا، وعوداً على سياسات المعارضين لسوريا في لبنان اقول ان الرد الاصرح اللبناني على السياسات السورية تجاهه هو فوراً: الخوف. من بين الردود على حديث خدام، حديث واحد اعتبره معياراً هو رد المعارض الاجرأ مروان حمادة الذي توقع موجة عنف جديدة على أرض لبنان. انه الخوف اولاً.
اذا راجعنا تصريحات الرسميين وغير الرسميين المعارضين لسوريا لن نجد، رغم اللفظ الحاد احيانا، سوى التخريجات والمراعاة اللفظية والتخريج والمواربة، اما انصار سوريا في لبنان ومثالهم حزب فخطابهم صريح وعلني وسياسي وسياستهم هجومية وصامدة.
لا اريد ان اعود طويلا الى المأثور الكلامي المتواتر في تصريحات السياسيين المعارضين عن قدر الصداقة اللبناني لسوري، ولا الى الرصانة التي واجه بها السنيورة، قدح الرئيس السوري به. هذه في ميزان التجاذب الكلامي كافية، لكن المسألة ليست في الكلام، انها في السياسات.
قبيل الانسحاب السوري رد حزب الله على احتمال استفراده بمظاهرة عاتية تحت اكثر الشعارات هجومية واستفزازاً <<شكرا سوريا>>. لقد افلت هكذا من اي طوق محتمل، واظهر القوة الكاملة لمن فكروا باستضعافه وقلب المعادلة التي بدا انها تتكون. فالاقلية بسلاحها وظهيرها الاقليمي وحليفها الدولي تقف قبالة الجميع وتتحدى ان يجابهها احد. لم يكن في الامر اي غموض: سياسة معلنة <<المقاومة على سلاحها>> وحلفاء معلنون، وسقف معلن للتفاهم والمفاوضة الداخلية. في اللحظة التي بدت ضعفا عدل حزب الله بالتكتل والتراص الطائفي، بالظهير الاقليمي والشيعي، بالقوة الذاتية والمسلحة، الموازنة، الاكثرية والاقلية متعادلتان الآن.
ماذا كانت سياسات الاكثرية. دعك من السجال الانتخابي الذي دار حول النزاع مع النظام السوري، فالتحالفات الانتخابية تقول العكس. قامت الانتخابات لفظيا على قسمة سياسية، اما في الواقع فإن القسمة الانتخابية كانت ذات سياسة انتخابية صرفة اي بلا سياسة. عمليا كان طرفا الاكثرية في الجبل (عون وجنبلاط) قد نسيا، في واحد من النسيانات السريعة العديدة التي طبعت التحرك، المسألة السورية. انخرطا لذلك في خلطة انتخابية بلا حساب سياسي، دُفع لذلك بالطبع ثمن سياسي من رصيد قوى 14 اذار. جنبلاط والحريري سلفا مقاومة حزب الله تأييدا غير محدود ولا مشروط (جنبلاط قال في وقت ما ان المقاومة غير مشروطة بتحرير بقية لبنان) وسلفت القوى المسيحية المقاومة تأييداً غير مطلق. حزب الله بقي هو بتحالفاته وسياسته، فيما كان فريق 14 آذار متلجلجاً في كل شيء، يخجل بتحالفاته فتبدو هذه مريبة وسريعة، يخشى ان يقبل الدعم الاميركي تحت وطأة الخوف من تهمة الوصاية الجديدة (فيما لم تمنع الوصاية انصار النظام السوري من اعلان التحالف معه)، يتلجلج لسياسته ويمغمغ فيها فيزايد طرف فيه على حزب الله في تبنّي المقاومة ويتحرّج طرف آخر من اعلان موقفه، ثم هناك استطراد في سياسة تبدو فيها الدولة الطرف الاضعف، تسمى وتطالب ولا تُقدم. تسمي القواعد الفلسطينية وترسيم الحدود وملكية مزارع شبعا وتكتفي بالمطالبة ولا تقوم بخطوة واحدة لتحقيق مطالبها، إن على صعيد دولي او صعيد داخلي. تسمي فحسب وتطالب فتبدو طرفا من اطراف وتبدو بدون سلطة. يهلل الناس لها حين تسمي فهذا ما لم يألفوه ولان التسمية نفسها تقيم حدا حيث ضاعت الحدود. لكن الدولة لا تقوم بذلك وحده.
والخلاصة ان قوى 14 آذار، بحكومة مختلطة سياسيا وبتردد ومواربة وخجل بالنفس والحلفاء وخضوع لمناورة الطرف الآخر وسياسة تراجعية، وصلت الى اتفاق الرياض حيث وجدت نفسها على الشفير، فاضطرت للعودة الى الصفر، الى البداية التي لم تبدأ بها.
هل هو رعب ايديولوجي: المقاومة واميركا لهما في الخطاب الاسلامي ما لهما، ام هي تقاليد متأرثة لا تزال تحسب ان من الممكن تذويب الخلافات السياسية في المصانعة واللقاءات الجانبية. أيا كان الامر فمن الواضح ان قادة 14 آذار لا يزالون في الماضي، لذا خسروا في اللعبة مع حزب الله وكانوا وحدهم الذين يتراجعون.
ليس لحزب الله شبيه لبناني في السلم ولا تجري عليه سياسات آبدة. انه حزب يعلن سياسته وتحالفاته ويحصن موقعه ويحسنه في التوازن الداخلي مستفيدا لا من تكتله وسلاحه فحسب بل ومن ضعف وتردد وتفتت مجابهيه. لقد قام بسياسة ذكية بالطبع. فيما قوى 14 آذار تناست المعركة بعيد انفضاضها وانصرفت الى مصالح ضيقة، فإن حزب الله بقي في معركته واستمر في تقوية موقعه. ولانه لم يخرج من المعركة فهو يرفض اي تنازل صغير ولو صوريا او رمزيا لئلا يوحي باستعداده لتنازلات اكبر واكثر جوهرية، لنقل إنه رغم ايديولوجيته، اكثر معاصرة وافضل حسابا واصرح سياسة.
فكّر جنبلاط السياسي المجرب بأن من الممكن تذويب الخلافات السياسية بالتنازلات اللفظية والعلاقات الجانبية. ما هو الآن فيه يدل على انه ضيع وقتا في محاولة غير ذات جدوى. الغريب ان زعيما لبنانيا عريقا آخر هو ميشال عون لم يفهم الدرس الواضح والصريح وها هو مأخوذا بملاطفة من السيد نصر الله <<انه مرشح جدي>> يعيد المحاولة نفسها، ظانا انه وهو الذي يدعي ابوة ال1559 قادر على ان يحظى بدعم حزب الله، للرئاسة لا نعرف كيف نسمي سياسات كهذه، لعل وصفها بأنها <<لبنانية>> يكفي.
اثناء ذلك تطلب قوى 14 آذار الخائفة التي انقسمت على نائبين او ثلاثة من الحلفاء الدوليين والعرب ان يقوموا عنها بكل شيء. هي التي تتردد في قبول دعمهم ترجوا ان يفعلوا خفية عنها كل شيء، ومن الافضل ان لا يطلبوا حتى اعترافها. انها تبقى متراجعة امام الحصار الايديولوجي والصمود الصريح لحزب الله. تمارس سياسة الطرف الاضعف حين تطالب، تخوض في سياسات غير سياسية وغير معقولة حتى يردها الظرف نفسه الى الصفر. تمارس سلبيتها وترددها تجاه حزب الله والداخل والخارج، حتى حديث عبد الحليم خدام تريده ان يفيدها من دون ان تتحرك وتخاف منه اكثر مما ترجوه. هل يمكن ان نتحدث هنا عن تآمر على سوريا إذا كنا لا نجد <<سياسة>> لذلك اولغيره.