التعليم بدأ يتحول إلى شركة ربحية تجارية سياسات الحكومة أخفقت في ضمان عدالة وصول الجميع إلى التعليم الهدر

المروع في التعليم المهني يتطلب إعادة هيكلته بصورة جذرية ( كلنا شركاء ) بالتعاون مع بورصات وأسواق 8/1/2006


يبدي واضعو التقرير الوطني الثاني للتنمية البشرية مخاوف شديدة من احتمالات تحول التعليم في سورية إلى شركة ربحية تجارية تستهدف تحقيق أكبر العائدات الربحية الممكنة إذا لم يرتبط ذلك بمعايير التنمية البشرية ويلحظون نشوء ثلاثة أنظمة تعليمية واقعياً على مستوى فرص الوصول إليها هي : مدارس عامة مهددة بأن تتحول إلى مدارس للفقراء ومدارس خاصة للشرائح الميسورة من الفئات الوسطى ومدارس خاصة جديدة للفئات الغنية ويتحدث التقرير بالتفصيل عن هذه الأنظمة التعليمية .
سياسات القبول الجامعي ترمي ب 20 % من الناجحين خارج الكليات والمعاهد:
مدارس نمطية للفقراء وأخرى للأغنياء :
النظام التعليمي الأول هو مدارس عامة مهددة بأن تتحول إلى مدارس ( نمطية ) للفقراء والفئات المتوسطة المفقرة في ظل حقيقة أن هناك على الأقل مانسبته 31.12 % أي مايمثل 5.3 ملايين مواطن سوري هم تحت خط الفقر الأعلى بالنسبة إلى معيار الإنفاق على الحاجات الأساسية ومن دون أن يترافق التوجه نحو القطاع الخاص مع حل مشكلات هذه المدارس ولاسيما مدارس التعليم المهني .
والنظام التعليمي الثاني هو المتجسد بالمدارس الخاصة والأهلية للشرائح الميسورة من الفئات الوسطى قامت ماقبل الترخيص للقطاع الخاص في الاستثمار في المجال التعليمي ومازالت قائمة . وتعاني من كثير مما تعانيه المدارس العامة في المراكز المدينية الكبرى بحكم تركزها فيها ولاسيما مشكلة الاكتظاظ التي تفرغ المفهوم التعليمي للعملية التعليمية من محتواه حيث يصل عدد التلاميذ والطلاب في الشعب الصفية أحياناً إلى 70 طالباً أو تلميذاً .
أما النظام التعليمي الثالث فيتجسد بظهور مدارس خاصة جديدة للفئات الغنية والقادرة والنخبوية وهي المدارس التي توسعت وأخذت شكلها القانوني منذ أواخر العام 2004 مع المرسوم رقم 55 للعام 2004 .
إن بعض المخططين التربويين السوريين يتوقعون أن يتبوأ التعليم الخاص وفق المرسوم ( 55 ) خلال السنوات الخمس القادمة وهي سنوات الخطة الخمسية العاشرة مالايقل عن ( 30 % ) من الطلاب .
وهم حائرون بين الدفاع عن التعليم العام وبين فهم جديد لدوره في إطار تعددية الشراكة مع القطاع الخاص الأوضح من الشراكة مع الطرف الثالث وهو المجتمع الأهلي ولا ريب أن هناك قدراً من الوعي بأن التعليم العام ليس شركة تجارية لكن مركزة التوجه للقطاع الخاص ومساواته مع القطاع الأهلي غير الربحي قد يصب في عكس ذلك موضوعياً .
مدارس للنخبة لاللتميز :
لكن يجب في كل الأحوال ألا يشكل تشجيع القطاع الخاص مبرراً للتراخي أو التراجع في إصلاح النظام التعليمي العام ورفع نوعية كفاءته الداخلية والخارجية معاً .
إن الأنظمة الاستثمارية الجديدة ترسي حتى الآن بدلاً من التنافسية على بناء رأس المال البشري تمييزات صارخة على أساس تراتبيات القوة والثروة وعلامات المكانة وفجوات اللاعدالة التوزيعية وتتغذى موضوعياً حتى الآن من سياسات الامتحانات والتقويم والقبول التقليدية السائدة وغير العادلة في مرحلة التعليم الثانوي والجامعي . وإذا كانت تعددية هذه الأنظمة قد تتيح في المستقبل فضاءً تنافسياً لرفع التعليم العام من مستوى كفاءته , فإن هذا يتطلب حل المشكلات التي تعاني منها المدارس العامة والأهلية لاتركها تتفاقم وتتراكم .
لم يخلق استثمار القطاع الخاص في التعليم الفجوة بين الفقراء والفئات المتوسطة والأغنياء وبين العامة والنخبة على مستوى فرص الوصول العمومي إلى جودة التعليم . لكنه جعلها شديدة الانكشاف ولا ريب أن مدخلات المدارس الخاصة الجديدة على كافة المستويات هي أضعاف المدخلات في المدارس العامة والخاصة والأهلية .
لكنها مازالت حتى الآن محكومة بعقلية الاستثمار الرأسمالي أكثر مما هي محكومة بعقلية الاستثمار البشري من دون أن ينفي ذلك قابليتها للتطور النوعي في جودة التعليم ولكنها في منظور العدل ضاعفت من اهتزاز القيمة العمومية المساواتية للتعليم لمصلحة ربط القدرة عليه بمستوى الثروة وليس بمستوى المعرفة حتى الآن دون توفر معطيات واضحة عن مدى مسؤوليتها الاجتماعية وبكلام آخر لاتزال المدارس للنخبة أكثر منها مدارس للتميز إن التقرير يدعو إلى وضع سياسات تضمن العدالة والكفاءة في وصول الجميع إلى تعليم متميز وعالي الجودة يشكل أساس تكوين وإبداعية رأس المال البشري .
( جرس إنذار )
تقدم
في الكم وضعف في النوعية :

يعد واضعو التقرير ( التعليم والتنمية البشرية في سورية ) أنه على الرغم من أن سياسات الحكومة الجمهورية العربية السورية في مجال ديمقراطية التعليم والاستيعاب ومجانيته في جميع المراحل التعليمية وإلزاميته في مرحلة التعليم الأساسي هي من أثمن المكتسبات التنموية الاجتماعية والثقافية الوطنية السورية .
وتمثلت في الإنفاق الاستثماري السخي والكبير على تحقيق أعلى معدلات التوسع فيها فإن هذه السياسات لم تستطع أن تحقق أهدافها في ضمان عدالة وصول الجميع إلى التعليم , فضلاً عن وقوعها في إشكالية تقدم في الإنجاز الكمي : ضعف في النوعية وهو مايظهر في تفاقم مؤشر الهدر بوجوهه الأساسية الثلاثة المتمثلة بعدم الالتحاق وبالتسرب وبالرسوب عاماً بعد عام بما يعنيه ذلك من هدر لرأس المال البشري في سورية فلا تزال نسبة عدم الالتحاق بالصف الأول الأساسي مرتفعة وتصل في حدها الأدنى إلى ( 6.1 % ) من مجموع الأطفال المقبولين سنوياً في حين أن هناك مؤشرات عديدة إلى أن النسبة أعلى من ذلك ويشير واضعو التقرير إلى نسبة عدم الالتحاق تتفاقم طرداً مع ارتفاع المرحلة التعليمية ومع ارتفاع الصف في المرحلة التعليمية الواحدة وأنها تزيد عاماً بعد عام وأن تفاقمها في الريف أكثر منه في الحضر وبين الإناث أكثر منه بين الذكور فهناك نسبة تقدر ب ( 25 % ) من طلاب مرحلة التعليم الأساسي يتسربون منها قبل إتمامها إلى مصيدة الفقر والتخلف التعليمي وضعف مهارات القدرات البشرية كما أن معدل قيد الصافي في الصف الأول الثانوي يتدهور لتبلغ نسبته بين 32 % - 33 % فقط بما يعنيه ذلك من أن حوالي 67% تقريباً من طلابنا لايتابعون تعليمهم الثانوي النظامي وتتفاقم هذه المشكلة بشكل خاص في التعليم المهني ولاسيما في معدل الالتحاق الصافي بالصف الأول الثانوي المهني والتسرب المبكر منه خصوصاً ومن مرحلة التعليم المهني عموماً حيث أتبعت السياسات التربوية خلال الأعوام السابقة توجيه مانسبته بين 40 % إلى 70 % من الناجحين في شهادة التعليم الإعدادي ( الأساسي حالياً ) إلى التعليم المهني وحيث إن ( 41.2 % ) من عدد الطلاب الشباب المقبولين في الصف الأول الثانوي المهني للعام 2004 2005 قد عزفوا عن مجرد التسجيل فيه مختارين الانخراط في سوق العمل من دون التعليم المهني أو مهارات نظامية أو مراهنين على النجاح في الدراسة الثانوية العامة الحرة لتصل نسبة الفاقد الإجمالي من الصف الأول المهني وحده إلى (45.98% ) إذا ماشملنا فيها العزوف ابتداء عن التسجيل والعزوف عن المتابعة بعد التسجيل إضافة إلى الرسوب المرتبط إلى حد كبير بالتسرب من الصف دون إكمال السنة الدراسية ليجد أغلب هؤلاء أنفسهم بعد فترة وجيزة في مصيدة الفقر وهي نسبة مروعة في هدر رأس المال البشري تتميز بالتدهور الذاتي المستمر مع ارتباط بظاهرة أخرى وهي التسرب قبل إنهاء مرحلة الصف الثالث الثانوي المهني وهو معدل مروع يتعارض جذرياً مع السياسات التنموية التي تركز على التعليم المهني ولقد دفع ذلك السياسة التربوية إلى إلغاء نظام كامل في التعليم المهني هو التعليم ذو النظام السنتين بسبب التسرب في حين أن الضرورة إلى إعادة هيكلة التعليم برمته وليس مجرد إلغاء بعض فروعه التي يشتد فيها الهدر .
مخزن لتكديس الخريجين
إن
معدل الفاقد في المعاهد المتوسطة البالغ عددها (34 ) معهداً يصل إلى (69 % ) وهو الأكبر في المعاهد التابعة إلى وزارة التعليم العالي حيث يصل إلى مانسبته 82 % من عدد الملتحقين به وعلى الرغم من ارتفاع عدد المقيدين فيه بحكم سياسات القبول في العام 2003 فإن نسبة خريجيه إلى عدد المسجلين فيه في انخفاض متزايد فهي قد انخفضت في العام 2003 إلى ( 17.8 %) بالقياس إلى نسبتها في العام 1992 وهي ( 21.6 %) أي بفارق ( 3.8 % ) بما يشير إلى ضعف الكفاءة الداخلية والخارجية للتعليم التقني وتحوله إلى مخزن لتكديس الخريجين الباحثين عن مصدقة التأجيل من الخدمة الإلزامية أو المعيدين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة وتعد ظاهرة المعيدين لامتحان الشهادة الثانوية العامة من أبرز مظاهر الهدر الغير مرئية وغير الداخلة في الحسابات الرسمية للهدر والفاقد وهي في تزايد مستمر مايعني زيادة في الهدر حيث ارتفعت نسبتها من 13% في العام 1992 إلى 17 % في العام 2002 وهي مرشحة للتزايد والتفاقم طرداً لسياسات القبول في الجامعات العامة وتطلب معالجة عصرية جذرية لنظم امتحانات الشهادة الثانوية العامة فسياسات القبول في الجامعات العامة المترافقة مع تشجيع الجامعات الخاصة هي التي رفعت من عدد الطلاب الموجهين إلى المعاهد في العام 2003 بالقياس إلى السنوات السابقة بينما رمت في العام الدراسي 2002 2003 مانسبته ( 20.3 % ) خارج الكليات والمعاهد معاً للتفاقم هذه النسبة في العام 2003-2004 ويطرح ذلك تساؤلات مشروعة عن مدى ثقة القائمين على التعليم المهني والتقني به وعن مدى عقلانية وعدالة سياسات القبول فالتعليم كفاءة وعدالة في آن واحد .
تراجع نسبة المسجلين في الجامعات
أما
نسبة الالتحاق بالجامعات العامة فهي في تراجع مستر عاما بعد عام لتنخفض إلى أقل من نصف الناجحين في الشهادة الثانوية العامة ويذهب أكثر من نصف المقبولين إلى كليات العلوم الإنسانية، وهي مرشحة لمزيد من التراجع طرداً مع التشدد في سياسات القبول وفق نظام المفاضلة على أساس درجات العلامات، ودخول القطاع الخاص في مجال الاستثمار في التعليم، فقد انخفضت نسبة المسجلين في كليات العلوم من(10%) في العام 1992 إلى (8%) في العام 2002 يعانون بدورهم من بطء دورة التخرج والفاقد المستدان المقنع، وانخفض عدد الطلاب الإجمالي في كليات الهندسة والعلوم بين أعوام 1990-1995 بواقع خمسة ألاف وفق بيانات الاسكوا، بعد أن كانت سورية تمتلك من حيث الحجم في أواسط الثمانينيات أكبر عدد من خريجين العلوم والهندسة، يضاف إلى ذلك ضعف الكفاءة الخارجية في استيعاب خريجي الهندسة، بحكم تقليص الدولة لسياسات التشغيل في القطاع العام والطلب الضعيف من القطاع الخاص.
هدر الإمكانات البشرية:
كما أن نسبة خريجي الجامعات إلى عدد الطلاب في المرحلة الجامعية الأولى قد تطورت بين العامين 1992و2000 بحيث كانت هذه النسبة (8.1%) في العام 1992 وارتفعت في العام 2000 إلى (11.2%) مع العلم أن عدد الطلاب في العام 1992قد كانت أكبر من عددهم في العام 2000لتصل هذه النسبة في العام 2003 إلى (95%) وتريد بعض عوامل بطء التخرج من التعليم العالي إلى نظامه الذي يتيح للطالب فرصة أكثر من 15 سنة للتخرج وهو مايؤثر في بطء التخرج ويمثل حالة من حالات الهدر وإذا كان هناك ارتفاع في عدد خريجي دبلومات الدراسات العليا لأسباب يعتقد أنها وظيفية وليس لأسباب البحث العلمي فإن معدل تخريج سورية للدكتوراه قد تراجع في العام 2003 إلى ( 11.2 % ) بعد أن كان في العام 2000 حوالي ( 14 % ) ويشكل ذلك جزءاً من القصة المؤسية في تدني مخرجات البحث العلمي في الجامعات السورية وضعف استثمار القدرات التقنية الشبكية المتاحة والتباطؤ في استئناف الدفعة التي انطلقت في بناء إستراتيجية وطنية للتقانة والبحث العلمي والاتصالات والوهن الشديد في علاقتها مع عالم العمل والتنمية إلى درجة أن بعض أعداد مجلات البحوث العلمية وهي ركن أساسي في نشاط البحث العلمي ومؤشرات حيويته تصدر بواقع تأخر يصل إلى عامين عن موعد صدورها المقرر ويمثل ذلك بحد ذاته مشكلة في عالم التقدم التقاني المتسارع فالبحث الذي لايمكن استثماره هو بحث مهدور في مستودعات التوالف والمرتجعات وضعف استثمار شبكة الانترنت ومتابعة الجديد في المنشورات والمجلات العلمية وكذلك ضعف البحوث المشتركة وفهم البحث على أنه وسيلة للترقية الوظيفية الأكاديمية مشكلات حقيقية يجب الاعتراف بها والعمل من أجل حلها إذ إن عدم حل هذه المشكلات يعني بدوره هدر كفاءات رأسمالنا البشري الأكثر موهبة وإبداعاً وقابلية للإبداع والتجديد والنهضة التنموية الشاملة .
زيادة مصيدة الفقر :
إن الهدر ينعكس سلباً في التركيب التعليمي لجهاز الخدمة المدنية ولقوة العمل وفي زيادة مصيدة الفقر وتشوه جوانب الشخصية المتكاملة وتضييق فرص الخيار في عملية التنمية ويشكل ضربة صارمة لعملية بناء رأس المال البشري وتحقيق كفاءته في التنمية الشاملة ويعيد واضعو التقرير تدني معدلات القيد الصافي في المراحل التعليمية المختلفة وطرداً مع ارتفاع المرحلة التعليمية إلى جملة عوامل ثقافية تتعلق بالتمييز على أساس النوع الاجتماعي بالنسبة إلى الإناث واقتصادية تتعلق بالفقر وبوهم التعويض عن ثمن الفرصة الضائعة في التعليم بالعمل المبكر ومؤسسية بنيوية تتعلق بنظم الامتحانات وسياسات القبول والتخرج وبضعف الكفاءتين الداخلية والخارجية للتعليم وتكامل مخرجاته مع سوق العمل وسياسية تتمثل في التراجع المتسارع عن سياسات ديمقراطية التعليم والاستيعاب لمصلحة القطاع الخاص الربحي أما حصيلة ذلك كله فهو مزيد من هدر رأس المال البشري وتآكله الذي ننظر إلى تآكله أمام أعيننا من دون أن نوفر له ظروف التمكين والفعالية إن هذا المسح المكثف يستهدف ارتقاء أفضل بالتنمية وتعزيز مقومات قوة البلد ومواجهته للتحديات ومن هنا فإن كل المبررات والتفسيرات لهذا الهدر لايمكنها أن تقنع به وحدها بل لابد من استخدام أقل الموارد المتاحة في سبيل تحقيق أفضل النتائج والمخرجات