من هو الخائن..؟!  

 المحامي ميشال شماس : ( كلنا شركاء ) 8/1/2006

سألني صديقٌ لي عن رأيي بما قاله " الخائن" ، وأدركت أنه يقصد عبد الحليم خدام ، إلا أنني تعمدت تجاهل قصده من السؤال ، وأجبته بسؤال : عن أي خائن تسأل ؟! فاستغرب صديقي سؤالي هذا ، ورد عليّ مندهشاً بجملة من التساؤلات : " ليش في غير عبد الحليم خدام .. ألم تسمع ردود الأفعال على حديثه الذي بثته قناة العربية..؟ .. ألم ترى كيف رد أعضاء مجلس الشعب عليه وطالبوا بفتح ملفه الفاسد و محاكمته بتهمة خيانة الوطن والحزب ، وهو الذي سرق ونهب أموال الشعب والدولة ، وأولاده قد أدخلوا النفايات النووية ودفنوها في البادية السورية ولازالت أثارها حتى الآن على الإنسان والحيوان والنبات ، وفعلوا وفعل كذا وكذا بحق الوطن ..؟!
قلت لصد
يقي : نعم عرفت ذلك الآن من خلال مداخلات السادة أعضاء مجلس الشعب، ولكنني أرى الأمر غير ما تراه أنت ، فماورد في حديث خدام لقناة العربية أعتبره الآن انقلاباً على النظام الذي كان جزء منه طيلة أكثر من ثلاثة عقود ، أما خيانته للوطن والشعب فلم تبدأ الآن ، وإنما بدأت منذ أن امتدت يده لأول مرة إلى المال العام ..
فيا صديقي تصور لو أن خدام بقي صامتاً ولم يصرح ما صرح به لقناة العربية أو غيرها، هل كنا قرأنا عشرات المقالات والتعليقات والتصريحات لكتاب ومسؤولين حاليين وسابقين التي تحدثت عن بشاعة وفساد هذا الرجل..؟ وهل كنا سمعنا ما سمعناه من نعوت وأوصاف تخدش أذن سامعها، أطلقها عليه أعضاء مجلس الشعب في مداخلاتهم العصماء ، وهل كان مجلس الشعب تجرأ على التصويت بالإجماع على محاكمة عبد الحليم خدام فيما لو مازال خدام في البلاد، وبقي صامتاً.؟ وهل كنا سمعنا بقصة دفن النفايات النووية في البادية السورية ؟
صمت صديقي قليلاً ثم سألني مرة أخرى ماذا تقصد بكلامك هذا..؟ هل تريد أن تبرر تصرفات ذلك العبد..؟
أجبته: معاذ الله أن أكون كذلك .! ولكنني أردت بقولي هذا أن أسلط الضوء على أن بعض الأفراد والمسؤولين السابقين والحاليين وأولادهم فعلوا ومازال بعضهم يفعل كما فعل خدام وأولاده، سرقوا ونهبوا المال العام وشيدوا قصوراً ومزارع وفتحوا حسابات في البنوك الأجنبية..فهل نسكت عنهم وعن تصرفاتهم وأفعالهم التي يطالها القانون ، طالما أنهم مازالوا على ولائهم للنظام ، ولم يهربوا إلى خارج البلاد..؟
هذا الحوار دفعني إلى طرح السؤال الكبير " من هو الخائن..؟" وهل صفة الخيانة يمكن أن نطلقها هكذا على أي شخص متى نريد وفي أي وقت نشاء ..؟
فالمشرع السوري تحدث عن الخيانة وعاقب عليها بشدة تبدأ بعقوبة الاعتقال المؤقت وتصل حتى الإعدام. ووضع معايير محددة للخيانة وردت في المواد 263 وحتى المادة 270 من قانون العقوبات وتلك المواد اعتبرت الخائن : ( هو كل سوري حمل السلاح على سورية في صفوف العدو، أو ساعد العدو على فوز قواته ، أو حرض دولة أجنبية على مباشرة العدوان على سورية ، أو شل قدرة البلاد على الدفاع ، أو حاول اقتطاع جزء من الأراضي السورية لمصلحة دولة أجنبية ، أو قدم مأوى أو أية مساعدة للجواسيس وجنود العدو أوسهل فرار أسرى الحرب).
ولكن ماذا نقول عن الأشخاص الذين ارتشوا ومازالوا يرتشون ويستغلون مناصبهم ونفوذهم ويعقدون الصفقات ، ويتسترون على المخالفات، ويعطلون سيادة القانون والأحكام القضائية،ويقلبون الحق لباطل، والباطل لحق، وينهبون ويسرقون أموال الدولة والشعب ، ويضعونها في البنوك الأجنبية. ؟
أليس من يستغل منصبه ونفوذه ، على حساب سيادة القانون وسلطة القضاء والعدالة ، كمن يزعزع سلطة الدولة ويقلل من هيبتها ويضعف الثقة فيها.
أليست سرقة المال العام إضعاف لقدرة الشعب والدولة على التطور والتقدم ، وإضعاف بالتالي لقدرة الدولة على الصمود بوجه التحديات والمصاعب التي تواجهها ؟!
أليست الرشوة إفساد للمجتمع وتخريب لعقول الناس وشراء لضمائرها، وإضعاف للدولة وشل قدرتها على معالجة الأزمات التي قد تتعرض لها وإضعاف للروح الوطنية..؟
أليس الغش والتلاعب خاصة في المواد الغذائية ومواد البناء ، يؤدي إلى إلحاق الأذى بالناس والضرر بأموالهم وما يترتب على ذلك من إضعاف الثقة بالدولة ومؤسساتها.
ألا يستوي في الخيانة ذلك الشخص الذي يحمل السلاح على بلاده في صفوف العدو أو يحرض دولة أجنبية على الاعتداء على سورية أو يعمل على شل قدرة البلاد الدفاعية ، مع أولئك الأشخاص اللذين يغشون في المواد الغذائية ومواد البناء والذين يستغلون مناصبهم في نهب وسرقة المال العام وقوت الشعب ويضعون أموالهم في البنوك الأجنبية ويستثمرون فيها مشاريع وأعمال تعود بالنفع على الدول الأجنبية وإسرائيل أيضاً التي تستفيد مرتين من تلك الأموال، أولا من خلال القروض والمساعدات التي تمنحها لها تلك الدول، وثانياً من خلال الاستمرار بتهريب الأموال الوطنية التي تؤدي بدورها إلى إضعاف عملة الدولة وزعزعة اقتصادها وإيقاف عجلة التنمية فيها وعجزها في النهاية عن مجابهة الأخطار التي قد تتعرض لها .
لذلك ولما تقدم وطالما أن بعض السادة أعضاء مجلس الشعب قد تجرأ في الجلسة الشهيرة لمجلس الشعب التي انعقدت نهاية العام الماضي وطالب بفتح ملفات الفساد ، فإنني أقترح عليهم تعديل قانون العقوبات لجهة التشدد في معاقبة المسؤولين وأصحاب النفوذ والموظفين الكبار الذين سرقوا المال العام، أو عطلوا سيادة القانون، أو عطلوا تنفيذ الأحكام القضائية، أو استغلوا مناصبهم ونفوذهم في عقد الصفقات المشبوهة، أو تستروا على المخالفات والجرائم ، وكل من غش في صناعة المواد الغذائية ومواد البناء والأدوية، وجعل العقوبة في حدها الأدنى الأشغال الشاقة المؤبدة مع مصادرة أموال وممتلكات مرتكب الجرم وزوجاته وأولاده ، وعدم شمول الجرم بالتقادم أو بالعفو، واعتبار ذلك عمل من أعمال الخيانة .