حكم التاريخ صدر مع احتلال العراق... والتنفيذ مؤجل قليلاً

وسام سعادة  - السفير

 

ليست الساحة اللبنانية اليوم مركز العالم ولا مركز انشغالاته، مع أنها الساحة الرئيسية للمواجهة اللبنانية السورية، حيث تستعر أو تتفجر تناقضات وعقد الطوائف اللبنانية، بالتقاطع مع تنامي الاحتقان بين النظام السوري والمجتمع الدولي وبين هذا النظام وروح العصر. وهنا ينبغي تحاشي منزلقين: عدم النظر الى الساحة اللبنانية كما لو كانت <<علبة بريد>> ليس الا، وعدم النظر الى اجمالي الأزمة بمعزل عن الحدث المؤسس، والحدث المؤسس ليس أبداً التمديد لاميل لحود ولا اغتيال رفيق الحريري، ولا أي خطيئة أصلية أخرى قد يعيّنها البعض ابتداء من 13 تشرين الأول، ويرجعها الآخرون الى يوم دخول الجيش السوري الى لبنان، أو حتى الى توقيت الحركة التصحيحية عام 1970.
ليست الساحة اللبنانية مركز العالم، وليس من حاجة للبحث عن خطيئة أصلية. الحدث المؤسس هو غزو العراق وانهيار النظام البعثي فيه. يعني هذا الحدث المؤسس أنه لما كانت الانقلابات العسكرية التي عرفتها المنطقة العربية منذ نهاية الأربعينيات وحتى أعقاب هزيمة العام 1967، قد خفت وتيرتها الى حد كبير منذ عقد الثمانينيات، ولما كان تراجع وتيرة الانقلابات العسكرية لم يترافق مع عمليات دمقرطة في الجمهوريات العربية ومع عمليات دمقرطة ما في بعض الملكيات العربية، فقد عنى ذلك تراجع آخر فرص التداول على السلطة، عنينا به التداول غير السلمي والسريع، من خلال الانقلاب العسكري، من دون أن تفتح الطريق للتداول السلمي. هذا هو السياق اللازم للوقوف على مكان الحدث العراقي لعام 2003 كحدث مؤسس: حرب على الارهاب تؤدي الى اسقاط أحد الأنظمة العربية بالقوة، والى محاولة تذكرنا بكل زلات الاستشراق التقليدي لزرع الديموقراطية في العراق. في الوقت نفسه عنى الحدث المؤسس عام 2003 أنه بتهاوي النظام البعثي في العراق فقد النظام البعثي في سوريا حظوظ تجديد شروط بقائه في الوقت نفسه الذي كان تعقّد الحال في عراق ما بعد صدام يمنح هذا النظام البعثي العاجز عن تجديد نفسه في سوريا امكانات جديدة للمماطلة والتسويف لجهة تنفيذ حكم التاريخ القاضي بازالته عن الخارطة السياسية.
هذه مناسبة للتذكير أولاً بما يجمع بين البعثين من نمط في الحكم عفا عليه الزمان، ومن توتير غير مسبوق للأحقاد والعداوات بين الجماعات الأهلية من طائفية واثنية، كما أنها مناسبة للتذكير بما يفرّق بين التجربتين. وفي هذا الاطار تبقى التجربة السورية، في ما خلا الحصيلة التنموية طبعاً، تجربة أرحم بمليون مرّة من اختها العراقية الصدّامية، فإذا كان من الضرورة التمييز بين نظام كلاني ونظام سلطوي، فإن من الضرورة بمكان أيضاً مقاربة كل نظام سلطوي على حدة، لأن الأنظمة الكلانية ان كانت تقارب بتظهير المشترك في ما بينها، فإن الأنظمة السلطوية ينبغي لها أن تقارب بتظهير المختلف بين هذا النظام السلطوي وذاك، ذلك أن صفة <<سلطوي>> ليست كفيلة بحد ذاتها لأن تقول لنا الشيء الكثير حول النظام الذي تلحق به هذه الصفة. ما يجمع النظامين البعثيين في هذا الأطار أن سلطويتهما ناشئة من العجز في فرض <<الكلانية>> التي يحلمون بها أيديولوجياً، أما ما يفرق بينهما، وما يميز بينهما فهو درجة العجز في تأمين مترتبات ومقتضيات الكلانية في السياسة والثقافة والاقتصاد، وفي هذا المجال يمكن القول إن النظام السوري بقي أرأف حالاً بالسياسة والثقافة من نظيره العراقي، وان كان البعث العراقي قد أتى بتجربة تنموية معينة لا يمكن اغفالها إلا لمن يستسهل الأحكام المعيارية أو الأخلاقية العاجلة.
كانت التجربة السورية أرأف حالاً، ويا ليتها تساعدنا في البقاء كذلك حتى تلفظ رمقها الأخير، علماً بأن الاغتيالات التي مارسها النظام السوري في السنة الأخيرة (وهي حكماً من سنواته الأخيرة) لا تغير جدياً من طبيعته، ولا من رأفته قياساً بالنظام العراقي، لأنها بكل بساطة تضيف جرائم على ما سبق القيام به من جرائم لا تقل خطورة وبشاعة على امتداد ثلاثة عقود، وهي جرائم حفظت للنظام السوري مع ذلك ثانويته قياساً على صدارة النظام العراقي لجهة معدل الاستبداد وطرائقه.
ما يهمنا في هذا الاطار هو أن <<الوجدان العربي>> لم يدخل الاستبداد في حسبانه عندما قابل بين التجربتين العراقية والسورية، فإن <<الوجدان العربي>> (وهذه عبارة مبتذلة ولا يرفع ابتذالها عبر ابدالها بعبارة <<الشارع العربي>>، وما نفعله هنا هو تسطير بعض هذا الابتذال في مقاربة تاريخ منطقتنا الحديث وميتافيزيقاه البائسة المانوية التي تعارض <<الأنظمة العربية>> بمسميات أكثر ابتذالاً من نوع <<الشارع العربي>> أو <<الوجدان العربي>>) قد أحجم عن التناغم مع البراغماتية المنسوبة الى الراحل حافظ الأسد (علماً أن الحكم ببراغماتية السياسة الخارجية لدولة ما يشترط التحقق من براغماتية صنع القرار في السياسة الخارجية ضمن مؤسسات هذه الدولة وهو ما لا يمكن التحقق الا من غيابه في ما عنى النموذج السوري) أو مع التصلّب الذي يحاول وريثه أن ينسبه الى نفسه (وكم من الوقت أضاعه المحللون كلما تفحصوا هذا التصلّب ورأوا فيه شكلاً من أشكال ما كانوا يصفونه سابقا <<بالبراغماتية>> وفي كل مرة كانت خيبة أملهم تكبر وتكبر، فأقلعوا عن هذه المعادلة وأبدلوها بالحديث عن التهوّر، وهم مصيبون في ذلك، بشرط ألا يقتصر حديثهم عن تهوّر فرد أو مجموعة، فالمسألة وقبل أن تكون تصلّباً أو تهوّراً هي مسألة تتصل بوصول النظام في سوريا الى حالة من العجز يحميه فيها انكماشه من السقوط من دون أن يحميه من ادمانه سياسات الهرب الى الأمام أكثر فأكثر).
أحجم <<الوجدان العربي>> عن التناغم مع البراغماتية المنسوبة الى حافظ الأسد أو مع التصلب الذي يتباهى به وريثه، على الرغم مما اشتمه هذا الوجدان من <<استعمار جديد>> في التبدلات التي حملت سوريا على الانكفاء عن لبنان، وعلى الرغم من أنه اقنع نفسه بأن الجرائم بحق الرموز اللبنانية تدخل في دائرة المؤامرة على سوريا، إما لأن أحداً يدفعها الى ذلك من حيث لا يدري رئيسها، وإما لأن أحداً يقوم بهذه الجرائم بدلاً عنها. وتصل سذاجة هذا <<الوجدان العربي>> حد تقبل السيناريو التالي: تشن سوريا حرباً دعائية على رمز لبناني أول، ثم تقتله اسرائيل، فتشن سوريا حرباً دعائية على رمز لبناني ثان، ثم تقتله اسرائيل، وهكذا دواليك...
رغم كل ما صقل به <<الوجدان العربي>> من علامات الخرف ونظرية المؤامرة فقد بقي هذا الوجدان متباخلاً على النظام السوري، في عهد الأسد الأول كما في عهد الأسد الثاني، وخصوصاً اذا ما جرت المقارنة مع ما منحه <<الوجدان العربي>> لصدام في جميع مغامراته المدمرة، وخصوصاً في حربه على ايران، وهي أكبر جريمة يمكن أن يحاكم تاريخ الشرق الأوسط صدّام حسين على أساسها، ويمكن ادانة عقيدة <<القومية العربية>> كما عرفها الهلال الخصيب المجدّب على امتداد القرن العشرين. يومها تلاقى <<الوجدان العربي>> مع سرب <<الأنظمة>> الجمهورية منها والملكية الداعمة لصدام في حربه ضد الشعوبية، في حين سجل للرئيس حافظ الأسد اتخاذه الموقف الأكثر صوابية. ثم كانت الفعلة الغبية الكبرى لصدام حسين يوم ابتلع دولة الكويت، فبلغ الوجدان العربي النشوة، وانقسمت الأنظمة بين مناصر أو مبرّر لصدام والوجدان العربي وبين منخرط في التحالف الاحترابي الذي تقوده الولايات المتحدة، ويومها اتخذ الرئيس الأسد القرار الأقل سوءاً والأبعد نظراً بين سائر الأنظمة. مع ذلك، فقد بقي صدام حسين الأكثر شعبية في العالم العربي بعد جمال عبد الناصر، أما الرئيس الأسد فلا. لم يكن كذلك، ولا كان مهتماً كثيراً بأن يكون كذلك. ولم تكن البراغماتية المنسوبة له تعني حكماً نظاماً غير مستبعد ولا محاصر كما يستدل من كل من يشدد اليوم على وكالات أميركية أعطيت للقيادة السورية، بل كانت سوريا نظاما مستبعدا ومقصيا اقليمياً في عقد الثمانينيات وحتى <<عاصفة الصحراء>>، من العراق والأردن ومصر والسعودية. فمنتهى القول أن النظام البعثي في سوريا ما كان <<وكيلاً للامبريالية>> كما ينعته أخصامه المتحدرون من منبت يساري الذين يبررون بذلك التحاقهم بأهل السياسة الأميركية في المنطقة، ولكنه لم يكن أيضا <<قلعة حصينة بوجه الامبريالية>>، كما يمكن أن يصل الوهم بنائب من <<الحزب الشيوعي السوري>> مثلاً. كان بكل بساطة نظاماً ممانعاً، وهذه هي الممانعة: هدر لطاقات جيل بأكمله، بل جيلين. عندما تنجح الممانعة في انقاذ رأس قادها يقال لها ذكية، ومحنكة، وبراغماتية. في الثمانينيات كان ثمة من يصف صدام حسين أيضاً بالدهاء والبراغماتية. وعندما يتأزم وضع هذه الممانعة يكتشف المتضررون منها البارود فيصيحون أنها انتحارية، وطائشة، ومتهورة. في الحقيقة، نحن أمام مركّب الممانعة نفسه في جميع حالاته لكن في مراحل مختلفة من فساده وانعدام مشروعيته التاريخية كرد حضاري ممكن اقتراحه على شعب من شعوب المنطقة للنهوض بأمره في السياسة والثقافة والاقتصاد. كانت الممانعة في العراق متلاحمة دوماً مع <<الوجدان العربي>> الذي يبايعها ولا سيما في حربي الخليج الأولى والثانية والى درجة أقل في النهاية. أما الممانعة في سوريا التي كانت خارج <<الوجدان العربي>> فقد انتهى بها المقام بعد توريثها بصلة الدم الى حيث <<انضمامها>> هي الى هذا <<الوجدان العربي>>. وفي البداية كان الجو غيفارياً للغاية، ويوحي <<بالحكمة>>، الى حد امتداح خطاب الرئيس السوري في القمة العربية من قبل مجلس المطارنة الموارنة، أما بعد ذلك فتراكمت جملة المصائب، التي يحار فيها اللبنانيون أي قسط ينبغي تحميله للأب وأي قسط للابن، وتلك مضيعة للوقت. الموضوع أبسط من ذلك بكثير: لقد أصدر التاريخ حكمه، ولا ظروف تخفيفية، لكن التاريخ كعادته، يفسح المجال لبعض المماطلة.
ليست الساحة اللبنانية مركزاً يستقطب انشغالات العالم. وليس النظام السوري الحلقة الثانية بعد سقوط النظام العراقي. لا يعني ذلك أنه لن يسقط، أو أنه يمكن تصور بقاء الوضع على ما هو عليه سنوات طوالا مزيدة، بل ما نقصده هو بكل بساطة القول بأن ليس أن الحل يتكفل به مسبقاً هذا الحدث الثوري المؤسس، أي احتلال العراق ومحاولة زرع الديموقراطية فيه بكل ما تتسم به هذه المحاولة من استشراقية ومن تخلف عن المدرسة الكولونيالية العريقة أي المدرسة البريطانية التي احتضنت ديموقراطيات برلمانية يوم حكمت العراق ومصر، فيما تخرجت من هذه المدرسة أكبر ديموقراطية في العالم، أي الهند، ورسبت فيها الهند المسلمة، أي الباكستان. ان سقوط البعث في العراق عام 2003 كفيل لوحده بسقوط البعث في سوريا بعد ذلك ببضعة أعوام، وليست الأزمة اللبنانية الا لحظة انتقالية بين الحدث المؤسس الذي ابتدأ في العراق وبين دويه المحتم في سوريا. لا حاجة للأميركيين لاجتياح سوريا بغية اسقاط نظامها، لأنهم بكل بساطة احتلوا العراق.
وهنا لا يعود من الممكن قراءة المبادرات العربية، مصرية كانت أم سعودية، بعيداً عن هذا المنظار. انها مبادرات لا تسعى لأن تؤجل حدثاً مؤسساً آخر، لأن الحدث المؤسس قد زرع في قلب منطقتنا، بالقوة، في آذار نيسان 2003 يوم جرى اسقاط صدّام، وكل اللاعبين الاقليميين والمحليين يعكفون من يومها على <<الاقتصاد من التداعيات>>.
أرسى <<اقتصاد التداعيات>> هذا حيزاً مشتركاً يصل بين مبادرة عمرو موسى التي كانت في غير مكانها وبين حديث عبد الحليم خدام الذي انتقى اللحظة الأكثر الحاقاً للأذى بالنظام السوري من قبل شخص كان قد خسر كل أوراقه في الداخل قبل خروجه. هذا الحيز المشترك يشبه دعوة الى <<اللعب على المكشوف>>: قتلتم الرجل، لا بأس، ما الثمن الذي ينبغي دفعه، وما الخطب في حال لم نكن نستطيع سداد هذا الثمن؟ باتت اللعبة أكثر وضوحاً. هل يكفي اغتيال رئيس وزراء سابق بقامة رفيق الحريري وصحافييين وأمين عام سابق لحزب شيوعي، كي ننتظر صواريخ التوماهوك وهي تدك قصور الشعب في سوريا؟ ليست الساحة اللبنانية مركزاً لنزاعات العالم كي يكون ذلك كافياً. مع ذلك، فان النظام السوري ليس بحاجة لأن يكون لبنان مركز العالم كي تكون نهايته كنظام محتمة، فالخطر الذي يتهدد لا ينبع من كون مبدأ التسوية أو الفدية محرما أو مستبعدا في الأزمة الحالية، بل لكونه عاجزا عن أي مبادرة تتصل باجتراح تسوية أو تقديم فدية. التسوية الوحيدة الممكنة كانت كذلك يوم انتظر العالم الرئيس السوري بشار الأسد لسماع كلمته وأمره المعطى لقواته بالانسحاب من لبنان. يومها، فوّت الرئيس بشار فرصة التسوية الوحيدة المتاحة لموضوع اغتيال الرئيس الحريري: <<رأس الحريري مقابل الانسحاب من لبنان>>. بدلاً من ذلك مرّر كلمة السرّ، فكان 8 آذار وهو خيار وليس فقط مجرد <<ساحة>>. هو خيار يدرك أنه ما عاد ممكناً رجوع الجيش السوري الى لبنان، ولكنه خيار يرفض الامكان الوحيد للتسوية أي معادلة <<رأس الحريري مقابل الانسحاب من لبنان>>، ويفسح المجال لتصيد رؤوس أخرى.