انقلاب خدام

سليم نصار - النهار

 

تواصلت ردود الفعل على الحديث المثير للجدل الذي ادلى به عبد الحليم خدام لقناة "العربية" الفضائية. ومع انها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها "حزب البعث" السوري لمحاولة تمرّد وانشقاق، الا ان شهادة ابو جمال اكتسبت بعداً سياسياً مختلفاً بسبب ظروف توقيتها، وقوة الصدمة التي وجهت الى عهد بشار الأسد من قبل الرجل الثاني في عهد والده. صحيح ان مجلس الشعب السوري حاول اظهار الانتقادات وكأنها خيانة للنظام الذي صنعه... ولكن أبو جمال جرب تحاشي هذه التهمة بالتركيز على ان القيادة الحالية دمرت البناء السياسي الذي شيّده حافظ الأسد وفريق عمله السابق في لبنان وسوريا. وكان بهذه المقارنة يريد ترسيخ فكرة العائلة الحاكمة التي وصفها بـ"الدائرة القريبة" من الرئيس، والتي تستأثر بالسلطة والثروة معاً.

مع اتساع هوة الانشقاق بين خدام وقادة النظام السوري، ازدادت كمية الاسئلة المتعلقة بدوافع هذه الأزمة، وما اذا كان الخلاف بينهما قديماً، ام انه وليد احداث جديدة؟

يؤكد الديبلوماسيون في دمشق ان عبد الحليم خدام لعب دوراً مهماً جداً في عملية تسهيل انتقال السلطة الى الدكتور بشار الاسد. وهو يذكر في المقابلة ان حافظ الأسد قدمه الى نجله عام 1998 اي خلال الفترة التي شهدت مرحلة الاعداد للوراثة السياسية. ويعترف أبو جمال بأن اللقاءات القليلة التي جمعتهما اقنعته بأن بشار سيعمل بجد لتحقيق الاصلاح المطلوب. وبناء على هذه التوقعات ظل خدام محتفظاً بصورة الراعي لكل الخطوات السريعة التي نُفذت بطريقة شرعية (...).

وفي جلسة أداء القسم الدستوري التي عقدت في مجلس الشعب كان الرئيس بشار الأسد يجلس بين نائبه عبد الحليم خدام والأمين القطري المساعد لحزب البعث الحاكم عبد الله الاحمر. وهذا ما اعطى الانطباع بأن الرجل الذي رافق حافظ الأسد منذ 1951، أي منذ انتخب رئيساً للجنة الشؤون الطالبية، سيكمل "المشوار" مع نجله. والمعروف ان الطالب البعثي عبد الحليم خدام، القادم من أسرة متواضعة من بلدة بانياس، ظل صديقاً وفياً لحافظ الاسد، لذلك قدر له ان يخدمه كوزير للخارجية بعد نيله شهادة المحاماة، طوال اثنتي عشرة سنة. وفي المرحلة الاخيرة خدم الأسد كنائبه وممثله الشخصي للقضايا الخارجية المتعلقة بلبنان أولاً، والمحيط الاقليمي ثانياً.

ويعترف ابو جمال انه انسحب من "دائرة القرار" المحيطة بالرئيس حافظ الأسد عقب تردي صحته عام 1998، وتكليف ابنه بشار بمتابعة الملف اللبناني. لذلك اكتفى بتقديم النصيحة والمشورة، دونما التزام بروتينية العمل الرسمي.

ويستنتج من الكلام عن مهمة التكليف المبكرة، ان اهتمام الرئيس السوري الراحل كان منصباً على تتبع المسألة اللبنانية، بدليل انه اوكل مسؤولياتها الجسام الى نجله لعله يلمّ بظروفها الصعبة، ويتعرف الى اللاعبين الاساسيين فيها. وهذا ما يثبت ضخامة القلق الذي انتجته تداعيات الانسحاب المفاجئ من لبنان، خصوصاً بعد انقضاء 29 سنة حاول خلالها النظام في دمشق، جعل الوطن الصغير جرماً تابعاً يدور في فلك سوريا!

خلال الحقبة التي تألق فيها نجم عبد الحليم خدام أي من 1975 حتى 1992 كتب كريم بقرادوني في كتابه "السلام المفقود" يصف ادوار الذين اختارهم الاسد لترسيخ سياسته في لبنان. وركز خلال مراجعته لعهد الياس سركيس على خمسة مسؤولين سوريين هم: عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي وناجي جميل وعلي المدني ومحمد الخولي. وقد افرد بقرادوني لخدام صفحتين ملأهما بعبارات الاشادة باساليب الكر والفر التي يتقنها نائب الرئيس لتثبيت وجهة نظره. وكتب في ذلك يقول: "حفظ من تنشئته القانونية أناقة المحاورة وزهوة البيان، كما أثر انتماؤه البعثي في لغته وسلوكه. فهو يتكلم بمنطق ايديولوجي ويؤمن بالعمل الشعبي وبتنظيم الجماهير. أمانته لحافظ الأسد لا تتزعزع. وهو يحوز على ثقة رئيسه التامة بدليل احتفاظه منذ 1970 بمنصبه الدقيق كوزير للخارجية، على الرغم من اسلوبه الهجومي. انه افضل "بياع" لسياسة حافظ الأسد. يبرع في فن التركيز على الناحية التي تجتذب محاوره او تخيفه. يستعمل سلاح الترغيب او الترهيب او الاثنين معاً. يستطيع الدفاع عن الشيء ونقيضه بحسب الظروف والمحاورين. لا يفوته تدبير حيلة او التملص من فخ. يقدم في اغلب الاحيان افكاره بصفة موقتة، ويترك للرئيس السوري حرية اتخاذ القرار المناسب. جريء حتى الوقاحة. متصلب ومكابر. يبدأ دائماً بالرفض، ويلعب قصداً دور محامي الشيطان مما يتيح لرئيسه ان يقوم بالدور الايجابي الطيب".

اللافت ان بعض الصفات التي ذكرها بقرادوني، ظهر بشكل حاد اثناء حديثه عن خلفه في الخارجية الوزير فاروق الشرع. قال لمندوب "العربية" عندما سأله رأيه في "الرجل الثاني" أي الشرع انه لا يجوز تصنيفه حتى في عداد الدرجة العاشرة من رجال النظام. كما رفض السؤال حول ملاسنة جرت بينهما في المؤتمر العاشر لـ"حزب البعث"، معتبراً انه من غير الجائز وضعه في المواجهة مع هذا الشخص.

ويرى المحللون ان دوافع انفعاله ضد الشرع لم تكن وليدة روح المكابرة فقط، وانما وليدة حقد دفين يحمله له في صدره منذ وقت بعيد. والدليل على ذلك ما ذكره عن اقتراحه للرئيس بشار الأسد حول ضرورة محاسبة الشرع وطرده لأنه حسب رأيه هو المسؤول عن توريط الدولة في سلسلة أخطاء قادت الى القرار 1559.  بل ان الشرع حسب زعمه هو الذي شجع المسؤولين في دمشق على اتخاذ موقف اللامبالاة من عملية اغتيال رفيق الحريري، وذكر أن ميغل انخل موراتينوس، سأل الشرع عن الانفجار، فاختصر الوزير السوري العملية بتجاهل اسم الحريري، متحدثاً عن سقوط عدد من الاشقاء اللبنانيين.

يرجح المراقبون في دمشق ان تكون زيارة التعزية التي قام بها ابو جمال لعائلة الحريري، هي التي ساعدت على اتساع هوة الخلاف بينه وبين اركان النظام. ففي حين كانت الاجهزة السورية وحليفتها اللبنانية تحاول تصوير الجريمة مشكلة لبنانية بحتة، ظهرت تعليقات خدام كأنها اعتراض سافر على هذه الاستنتاجات.

وكان من نتيجة هذا الاختلاف ان اصدر الرئيس بشار مرسوماً جمهورياً اعفى بموجبه نائبيه عبد الحليم خدام ومحمد مشارقة من منصبيهما، وذلك في شهر حزيران الماضي. وكان من الطبيعي ان يفهم ابو جمال الهدف السياسي من وراء اقصائه عن آخر المناصب الرمزية. لذلك طلب من اولاده التخلي عن كل الوكالات التي يمثلونها استعداداً لمغادرة البلاد الى باريس حيث يملك فيلاّ قدمها له رفيق الحريري.

(...) ويرى النواب وليد جنبلاط ومروان حماده وسعد الحريري ان القنبلة التي فجّرها خدام من باريس القت الاضواء مجدداً على عمل لجنة التحقيق الدولية. والسبب ان دمشق نجحت الى حد كبير في تشويه صدقية القاضي الالماني ديتليف ميليس من طريق الايحاء بأن شهادات محمد زهير الصديق وهسام هسام (الشاهد المقنع) لم تكن صادقة، خصوصاً بعدما تراجع هسام عن افادته التي اتهم فيها كبار المسؤولين السوريين بالتورط في عملية الاغتيال. وهكذا جاء حديث خدام لقناة "العربية" كشهادة "شاهد ملك" سوف تعطي رئيس اللجنة الجديد البلجيكي سيرج برامرتس مادة شرعية اضافية لاستجواب قادة الاجهزة السورية ومن وراءهم (...).

وبما ان دمشق مقتنعة بأن عملية التوريط تهدف الى تغيير النظام، فقد سارع مجلس الشعب الى استبدال لقب "ابو جمال" بـ"أبو القبح" معتبراً انه باع نفسه للشيطان الأميركي. وفي رده على هذه التهمة قال خدام ان النظام يؤدي لعبة مزدوجة، باعتبار ان اجهزة المخابرات السورية تتعاون مع اجهزة المخابرات الاميركية. والدليل انها سلمت شقيق صدام حسين وولديه عدي وقصي، ومنعت دخول طارق عزيز.

لاحظ المشاهدون ان خدام ركز في حديثه ايضاً على حاجة سوريا الى تطوير نظامها السياسي بحيث يصبح عصرياً وديموقراطياً. وقال انه في مواجهة خيارين مهمين قرر ان يختار الوطن ويتخلى عن النظام لكونه مرحلة عابرة في تاريخ الوطن (...).

علّق العماد ميشال عون على حديث خدام بتذكيره ان المرحلة التي تولى خلالها الملف اللبناني حفلت بالاغتيالات التي أودت بحياة اكثر من ثلاثين شخصية اعلامية وسياسية ودينية بينها: المفتي حسن خالد وكمال جنبلاط ورنيه معوض وبشير الجميل وناظم القادري. وتساءل عن اسباب صحوة الضمير المفاجئة عقب اغتيال الحريري في الوقت الذي صمت على حمام الدم طوال خمس عشرة سنة.

ومثل هذا الكلام ردده الرئيس السابق أمين الجميل الذي يذكر آخر لقاء له مع الرئيس حافظ الأسد. وكالعادة لا بد ان يمر الزائر بالمكتب المحاذي لمكتب الرئيس حيث يستقبله ابو جمال بحديث "كالمطرقة" قبل ان يدخل الى قاعة الرئاسة. جلس الشيخ الجميل بين وزير خارجيته آنذاك ايلي سالم وصديق الطرفين جان عبيد. وبادر خدام الضيف بتعداد اخطائه بحق لبنان وحق سوريا، متهماً اياه بالعشائرية والفئوية والانعزالية. وسكت الجميل على مضض رافضاً الانجرار وراء عبارات الاستفزاز لئلا ينسف اللقاء مع الرئيس. واستغل ابو جمال صمت الرئيس اللبناني لينصحه بضرورة انشاء جيش وطني بدلاً من الجيش الفئوي... ألخ.

وهنا تدخل جان عبيد ليرد اذى الكلمات عن أمين الجميل ويقول: من المؤكد ان الشيخ امين يستطيع الدفاع عن مواقفه، ولكنه آثر الصمت لئلا يعطل اللقاء مع الرئيس حافظ الأسد. وأحب أن اذكرك بأن الجيش اللبناني هو أكثر الجيوش العربية انسجاماً مع رسالة الانصهار الوطني. ومن هذه الحقيقة انطلق لأسأل أبو جمال: اي جيش من الجيوش العربية لا يمكن تصنيفه بأنه جيش الطائفة، بل جيش القبيلة، بل جيش العائلة! كل هذه الجيوش تشكلت لحماية الانظمة لا لحماية الأوطان... وفجأة أطل الرئيس حافظ الأسد ليعتذر عن تأخره في استقبال الضيف بسبب مكالمة هاتفية مهمة.

في طريق العودة، نظر الدكتور سالم الى الشيخ أمين، وقال له انه في صدد اعلان اقتراح داخل مجلس الوزراء يقضي باقامة تمثال لجان عبيد اعترافاً بجرأته الوطنية. وضحك جان وعلق على اقتراحه بالقول: "بعد بكير ينزل اسمي في قائمة شهداء الوطن!".

تشير هذه الواقعة الى مدى التصاق عبد الحليم خدام بالنظام الذي ساهم في صنعه. كما تشير الى الاسلوب الاستعلائي المكابر الذي مورس على كبار المسؤولين اللبنانيين من أجل ارهابهم واذلالهم. ويبدو ان اجواء فرنسا الحرة قد ألهمت ابو جمال وأقنعته بأن العقيدة التي اعتنقها لا تصلح لكل زمان ومكان. وعليه قرر نشر مذكراته مقلداً بذلك ميلوفان دجيلاس الذي انقلب على النظام الذي صنعه في يوغوسلافيا مع الرئيس تيتو. وهو في هذه المغامرة السياسية يتوقع اسوأ "السيناريوات" بما في ذلك السيناريو الذي ختم نضال رفيق الجهاد صلاح الدين البيطار في باريس!

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن