ما القيمة في ما قاله خدام؟

د. رضوان السيد - الاتحاد

 

كأنما لا تكفينا الأزمات الناشبة بيننا نحن اللبنانيين بشأن سوريا ومع سوريا فقد اندلعت أزمةٌ جديدةٌ هائلةٌ نتيجة التصريحات التي أدلى بها عبد الحليم خدّام مساءَ الجمعة الماضي والمقابلة بعد المقدمة تقعُ في ثلاثة أقسام؛ في المقدّمة ذكر خدام نائب رئيس الجمهورية العربية السورية السابق سبباً لإقامته الحالية في فرنسا لا يبدو مقنعاً، قال إنه ذهب إلى هناك لكتابة تاريخ تجربته في العمل الوطني والقومي على مدى أربعين سنة وقد كان يستطيع ذلك في سوريا بشكلٍ أفضل حيث هو قريبٌ من مصادره وأوراقه الخاصة لذلك فالذي أراهُ ويعرفُهُ كثيرون أنه أتى إلى باريس لأنه ما عاد يستطيع البقاء في سوريا أو يتعرض للملاحقة والاعتقال في الأرجح فمنذ عام 1998 بدأ خدام يفقد نفوذَه على سائر الملفات، ثم منذ عام 2001 ما عادت له أي علاقةٍ بأيّ ملف رغم أنّ لقبه بقي حتى أواسط عام 2005 وقبل ثلاثة أشهر، وعلى أثر استقالته من مناصبه في الدولة والحزب بعد إظهارٍ لاختلافه مع زملائه في القيادة القطرية ومع الرئيس الأسد، غادر الرجل دمشق إلى باريس مستأذناً الرئيس، كما كان يفعل في كل مرة ويقال إنّ أسرته لحقته أخيراً بعد أن كانت شبه رهينةٍ في سوريا حتى الآن وقد انتشرت حوله من جانب جماعة بشار الأسد ومنذ عام 1997 شائعات الفساد والإفساد، والارتشاء من الرئيس رفيق الحريري هو وأولاده ثم في الشهور الأخيرة، حرصت المخابرات السورية على اتهامه بمغازلة الفرنسيين والتآمر على النظام هو وغازي كنعان وحكمت الشهابي! ولذلك وكجزءٍ من المقدمة، بدأ الرجل مطالعته ضد النظام بالتركيز على الفساد المالي بين أقارب الرئيس الأسد
النقاط
الثلاث التي دارت حولها مقابلتُهُ بعد التقديم هي: معارضته للنظام السوري وأسبابها، وملابسات مقتل الرئيس رفيق الحريري، وتصفية الحسابات الشخصية مع بعض الأفراد والجهات في سوريا ولبنان
قال السيد خدام إنه صار ضدّ الرئيس الأسد الابن لأنه أعرض عن الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ولأنه تفرد بالسلطة وسلك سياسات خاطئة شكلت وتشكّل خطراً على البلاد، ولأنه أخيراً ترك الفاسدين يسرحون ويمرحون في سوريا ولبنان؛ بحيث زاد ذلك من فقر الشعب السوريّ وإفقاره وما قاله خدام صحيحٌ في معظمه لكنه ليس كافياً فالرئيس بشار الأسد قمع عام 2003 ربيع دمشق، وما تقدم خطوةً واسعةً في الإصلاح الإداري والاقتصادي، وشرّع إجراءات عشوائية وانتقائية زادت من هول المشكلات التي تُعاني منها سوريا لكنّ الرجل ما قضى في السلطة حتى الآن غير خمس سنوات، بينما ظلّ والدُهُ في السلطة رسمياً ثلاثين عاماً، وكان عبد الحليم خدام أبرز معاونيه خلالها وكان الأسد الأب قد وعد ببعض الخطوات الاقتصادية الانفتاحية مطلع التسعينيات لكنها لم تنفَّذْ، وقد سمعْتُ من العماد الشهابي (ومن خدام في ما أظن) أنهم كانوا ضد تلك القوانين الليبرالية أو الرأسمالية، كما قالا لكن على أي حال، وضع سوريا الاقتصادي في منتهى السوء، رغم افتخارهم بوجود 19 مليار دولار في البنك المركزي وعندنا في لبنان ستمائة ألف عامل سوري يعيشون أيضاً على الكفاف، ونشوء المشكلة أيام الأسد الأب لا يبرر لبشّار الإهمال في معالجتها
ولستُ أُريد التفلسف على خدام باستمرار لكنّ الرجل ليس معروفاً بالنضال أيضاً من أجل الحريات السياسية وأذكر أنه في عام 2001 أو 2002 ذهب للتحدث إلى الطلاب والعمال والمثقفين عن ضرورات الانضباط، ولماذا ينبغي أن يبقى نظام الحزب الواحد والجبهة القومية التقدمية ومرةً أُخرى الأمر هنا كما قال الإمام الغزالي إنّ غير الصالح إن نصحك بشيء صالح، فلا ينبغي أن تتردد في قبوله بحجة أنّ قائل الكلمة لا يعملُ بها!
وحمل خدام بشدة على رجلين في سوريا، مع أنه نال في النهاية أكثر ما نال من الرئيس بشار الأسد نفسه الرجلان هما رستم غزالي مدير المخابرات السورية في لبنان بين عامي 2002و،2005 وقبل ذلك مدير فرع بيروت لتلك المخابرات، والثاني فاروق الشرع، وزير الخارجية السوري ونحن نعرفُ حساسيته القديمة ضد الشرع منذ حلَّ محلَّهُ في وزارة الخارجية عندما صار هو نائباً للرئيس قال خدام إنّ الشرع جاهلٌ بالسياسة الدولية، ويتدخل في ما لا يعنيه ولا يعرفُه، ولا يتسم بالحزم والحكمة في آرائه وتوجهاته، أو ما هذا معناه والواقع أنَّ أحداً ما كان يتنبَّهُ للشرع شخصاً أو كلاماً في حياة حافظ الأسد؛ لكنّ كثيرين منا عرفوه بعد وفاة حافظ الأسد، فإذا هو رجلٌ مطواعٌ ليست له آراء محدَّدةٌ فعلاً، وإن يكن عاليَ الصوت، شديد التجهم وانصبَّ الهجوم الرئيسي على رستم غزالي الذي اعتبره المسؤول الأول عن الخروج السوري من لبنان بسبب سوء سياساته، وحمقه وقلة أدبه، وربما مشاركته في اغتيال الرئيس رفيق الحريري
ودخولاً في القسم الآخر، اعتبر خدام إبقاء رستم غزالي في لبنان أكبر أخطاء الأسد وقال إنه نصحه مراراً وكذلك آخرون بالتخلص منه (أو قطع رأسه لأنه لصٌّ ومجرم!) دون جدوى، بحجة أنّ غازي كنعان هو الذي أوصاهُ به وكان وليد جنبلاط قد أشار قبل شهر إلى أنّ رستماً خان معلِّمه( أي غازي كنعان)، بمعنى أنه صار موالياً لآصف شوكت من وراء ظهره خلال وجوده ببيروت وتوقف خدام على مسافة 10 سنتمترات من اتهام الرئيس الأسد باغتيال الحريري قال أولاً إنه ينتظر نتائج لجنة التحقيق، ثم قال إنّ أجهزة الأمن السورية أو بعضها لا تستطيع القيام بعملية الاغتيال دون علمه، وقال إنّ كلَّ الظروف كانت مهيَّئأة سورياً للاغتيال: سوء معاملة الأسد ورستم للحريري، وتحريض لحود وجميل السيد وسليمان فرنجية ووئام وهّاب وعمر كرامي عليه، واتهام فاروق الشرع له أنه وراء القرار 1559 ضد سوريا، وتهديد رستم والأسد له من أجل الموافقة على التمديد للحود الخ ووجد خدام سبباً لاقتناع الأسد بإمكان التمديد للحود هو قولُ بعض الأميركيين له (داريل عيسى ومارتن أنديك) إنّ إدارة بوش ليست مهتمةً بغير العراق، وسوف تُجري صفقةً معه وهذا السبب كما ينطبقُ على التجرؤ بالتمديد للحود، ينطبق على قتل الرئيس الحريري استطراداً من عندي! بمعنى أنه بحسب منطق خدام: تستطيع سوريا استجلاب أصدقائها، وإزالة أعدائها، اعتماداً على التسوية مع الولايات المتحدة في العراق!
بعد هذا الإيجاز غير المخلّ لمقابلة خدّام: ما قيمة ما قاله الرجل؟
لا أرى أنَّ أهمية كلمات خدام تكمن في فتح الأبواب من جديد لمستقبلٍ سياسيٍ له، فمستقبل الرجل وراءه ثم إنّ هذه الأهمية لا تظهر أيضاً في مقترحاته الإصلاحية الاقتصادية أو السياسية، بل إنها تتركزُ في معلوماته عن نظام الحكم وشخصياته في سوريا، وفي معلوماته عن خلفيات اتخاذ القرار المحتمل في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولذلك فقد يصبح خدام شاهداً مهماً لدى لجنة التحقيق الدولية في الاغتيال، فتكون الإدانة أسرع وأوضح والذي يمكن قولُهُ هنا هو أنّ السلطة السورية في ما يبدو اعتبرت أنّ الانتخابات النيابية حتى بعد التمديد للحود ستكون خطيرةً جداً عليها وكان الرئيس الحريري متجهاً للتحالُف مع المسيحيين ووليد جنبلاط، وإلى تحييد ''حزب الله'' وحركة ''أمل'' ولأن أكثريةً نيابيةً مُعاديةً لها قد تُخرجُها من لبنان؛ بينما هي مطمئنةٌ إلى حاجة أميركا لها في العراق؛ فربما أقدمت على اغتيال الحريري، لتجنيب نفسها الاضطرار للخروج، فكان الاغتيال بالذات هو سبب خروجها!
كان النظام السوري قد بدأ يهدأ بسبب سكوت الولايات المتحدة عنه، وضياع اللبنانيين في الأزمة الحكومية الناجمة عن مقاطعة وزراء ''حزب الله'' وحركة ''أمل'' لاجتماعات مجلس الوزراء أمّا بعد حديث خدام، وهجمات جون بولتون مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة على سوريا و''حزب الله''، فستعود قصة المؤامرة الدولية، ولذلك قد تنتظرنا في لبنان أحداثٌ جِسام، فشكراً لخدام، لكنْ لا حول ولا قوة إلاّ بالله