إتهم نائبه السابق خدام بالتورط في مؤامرة ضده "إيلاف" تنشر نص مقابلة الأسد مع "الأسبوع" المصرية

نبيل شرف الدين: موقع إيلاف 7/1/2006

هي نفسها صحيفة "الأسبوع" المصرية المستقلة التي كانت قد انفردت قبل أعوام مضت بإجراء آخر مقابلة مع الرئيس العراقي المخلوع صدّام حسين، قبيل انهيار نظام حكمه، تجري اليوم أيضاً مقابلة حصرية مع الرئيس السوري بشار الأسد.
قصة الحوار
وروى
مصطفى بكري قصة لقائه بالرئيس السوري قائلاً إنه كان صباح يوم الثلاثاء الماضي حين توجه من فندق الشام إلى القصر الجمهوري في دمشق، حيث كانت الحراسة أقل من عادية، لم تكن هناك أي بوابات للتفتيش أو غيره، ما أن صعد الدرج للطابق الأول حتى كان الرئيس بشار الأسد ينتظره خارج غرفة اللقاء.
وحول اختياره صحيفة "الأسبوع" تحديداً لتحمل رده على ما أثاره خدام، نقل مصطفى بكري عن الرئيس السوري قوله: لقد اخترت "الأسبوع" للحوار معها في هذا الوقت تحديداً تقديراً لمواقفها العروبية والقومية، فأنا متابع لكل ما تكتبون، وأقدر مواقفكم دفاعاً عن الأمة وثوابتها"، ووصف بكري الرئيس بشار الأسد بأنه "يبدو بسيطاً كعادته، متفائلاً بطبعه، لا تشعر معه بأية غربة، مثقف ملتزم، عميق في تحليلاته واسع الاطلاع على مجريات الأحداث عربياً وإقليمياً ودولياً" .
واعتبر بكري أن خدام هو نفسه "الشاهد السري" الذي أشارت إليه لجنة التحقيق الدولية، وأوضح ذلك قائلاً "إنه منذ فترة من الوقت وسورية تتحدث عن الشاهد الخفي الذي سوف يظهر في لحظة ما ليدعم ادعاءات ميليس ولجنته المشبوهة، وبعد أن سقطت كل الحجج والمبررات التي ساقتها اللجنة، ظهر هذا الشاهد وراح يطل علينا من قصره الأسطوري الذي اشتراه له سعد الحريري في باريس" .
وخلص بكري إلى القول إن "السيناريو يتحرك في أكثر من اتجاه، من هنا كان قلق الرئيس مبارك كبيراً فتحرك على الفور باتجاه الرياض وباريس وأجري اتصالا مع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة لايجاد حل يوقف المؤامرة على سورية، ويحد من وقاحة وتدخل لجنة التحقيق الدولية التي تطلب التحقيق مع الرئيس بشار ووزير الخارجية فاروق الشرع" .
عناوين المقابلة ونصها
وحصلت
"إيلاف" على النص الكامل للمقابلة قبل نشرها في صحيفة "الأسبوع" الاثنين المقبل، وهنا عناوينها، ثم نصها:
- خدام ليس أكثر من أداة وهو ضالع في المخطط منذ فترة والسوريون يعرفون حقيقته.
- لم أهدد الحريري واللقاء لم يحضره سوانا ومن لديه تسجيل فليخرجه.
- الانتهازيون في لبنان قاموا بكل الأعمال السلبية باسم سورية والآن انقلبوا عليها.
- ابحث عن المستفيد تتعرف على من اغتال الحريري وغيره من اللبنانيين.
- مستعدون لإرسال قوات إلى العراق ضمن شروط محددة.
- قلت للأميركيين: ستنتصرون في المعركة ضد العراق ولكنكم ستغرقون في المستنقع.
- المخرج للأزمة في العراق: جدول زمني لانسحاب المحتلين ودستور يتوحد الجميع تحت رايته.
- عندما تصبح إسرائيل مهتمة بعملية السلام يمكن لسورية أن تعود لطاولة المفاوضات.
- الرئيس مبارك حريص جدًا على سورية وأنا أحترم فيه صراحته.
- نسعى لإصدار قانون للأحزاب وآلية فاعلة لمكافحة الفساد والتغييرالوزاري له شروط.
أدلى الرئيس السوري بشار الأسد بحديث خاص إلى جريدة "الأسبوع" أكد فيه رفضه المثول أمام لجنة التحقيق الدولية مستندًا إلى تمتعه بالحصانة الدولية. وشدد الرئيس بشار على أن أي طلب من هذا النوع لابد أن يستند إلى قاعدة قانونية. وأكد الرئيس السوري أن عبد الحليم خدام ليس أكثر من أداة في إطار مشروع يستهدف سورية وأمتها العربية.. مشيرًا إلى أن مثل هذه الأدوات لا تمتع بأية مصداقية في الشارع السوري والعربي.
وشدد الأسد على أن خدام ضالع في المخطط من قبل أن يعلن عن ذلك صراحة في حديثه التليفزيوني وتحدث عن الدور الذي كان يقوم به داخل الاجتماعات الحزبية والحكومية من الدعوة إلى الانبطاح الكامل والتنازلات الكبيرة.
وتحدث الرئيس بشار عن الأوضاع الراهنة على الساحة اللبنانية وأكد أن هناك قوي تسعي إلى تقطيع أواصر العلاقة بين لبنان ومحيطه العربي، وأن هذه القوي ضالعة في مخطط دولي يستهدف الأمة بأسرها.
ونفى الأسد أن يكون قد وجه أي تهديد للرئيس الحريري وقال إن من لديه تسجيلاً يثبت عكس ما يقول فليخرجه للرأي العام.. مشيرًا إلى أن إسرائيل هي المستفيد الأول من اغتيال الحريري.
وأبدي بشار موافقته على إرسال قوات عربية إلى العراق ولكن شريطة توافر الشروط الموضوعية لذلك.
وأكد أن ما حذر منه بشأن الوضع في العراق قد تحقق على أرض الواقع بدرجة فاجأته من حيث الزمن والحجم.
وأشار الرئيس بشار إلى أن المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة في العراقيتمثل في وضع جدول زمني لانسحاب قوات الاحتلال والاتفاق على مشروع للدستور يؤكد هوية العراق وعروبته.
وأثني الرئيس بشار على مواقف الرئيس مبارك من سورية وقال إن مبارك يتحرك على كافة الصعد لتخفيف الضغط على سورية دون إعلان. وقال: في حال حدوث عدوان على سورية فلا أتوقع أن تقف مصر مكتوفة الأيدي.
وأكد الرئيس بشار أنه يجري النقاش حاليا حول إصدار مشروع قانون للأحزاب يطرح على الشارع. كما أشار إلى أن النية تتجه لإيجاد إليه حاسمة لمواجهة الفساد. وقال الرئيس بشار: إن الضغوط الخارجية أجلت إجراء التغيير الوزاري في الحكومة.. إلا أنه أشار إلى أن فكرة التغيير لا تستند إلى تغيير الأشخاص ولكن إلى الرسالة المطلوب أن تقوم بها الحكومة في إطار خطة طموح يجري تنفيذها في البلاد.
لن أمثُل أمام لجنة التحقيق
ـ
سيادة الرئيس بداية: ما ردكم على مطلب لجنة التحقيق الدولية بمقابلتكم والسيد فاروق الشرع وزير الخارجية؟

ـ نحن دائمًا طرحنا وأعلنا أكثر من مرة عن موافقتنا على مبدأ التعاون مع لجنة التحقيق الدولية، ولكن التعاون كما قلت يجب أن يرتكز على القاعدة القانونية، ولذلك فإن أي طلب من هذا النوع يرتكز على هذه القاعدة القانونية فنحن معه، وهذا الطلب ليس هو الطلب الأول، هناك طلب سابق، عندما طرحت اللجنة أن تأتي إلى سورية في نهاية الصيف الماضي لتستمع إلى شهود سوريين كما أسموهم، وفي هذا الوقت طلبوا اللقاء مع الرئيس بشار ورئيس الجمهورية لديه حصانة دولية كما تعرف، ومع ذلك فقد أرسلنا لهم ردًا عن طريق اللجنة القضائية السورية بدعوة رئيس اللجنة الحإلى والقادم لزيارة دمشق وتوقيع بروتوكول مع اللجنة يحدد إليه التعاطي مع سورية على كل المستويات.
ـ إلى أي مدي ترون أن التصريحات الأخيرة التي أدلي بها نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام يمكن أن تخدم المخططات التي تستهدف سورية؟
ـ علينا أن نركز على المشروع بدلاً من الشخص، فالشخص في النهاية هو مجرد أداة، وهو على المستوي الشخصي الناس تدرك حقيقته جيدًا في سورية، لذلك يبقي علينا أن نفكر بالمشروع،
والمشروع معروف ولم يتغير وهو مستمر، أما إضافة أدوات جديدة إلى هذا المشروع فهي لا تؤثر إلا بمقدار مصداقية هذه الأدوات بالداخل السوري، فما بالك والناس تعرف حقيقة هذه الأدوات ودوافعها.
وإذا كان هدف هذا المشروع هو تفتيت الداخل السوري، وأنا سبق أن قلت في خطابي في الجامعة إن الهدف هو خلق انقسام بين الدولة والشعب وانقسام داخل المجتمع، وبما أن هذه الشخصية لا تحوز على أي مصداقية في المجتمع السوري على كافة المستويات فهي لن تزيد كثيرًا.
ـ لقد اعتبرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن قصر عبد الحليم خدام في باريس قد تحول إلى "محج" للمخابرات الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية ومخابرات بعض الدول الأخرى، هل تعتبر أن خدام ضالع في المخطط الآن أم قبل ذلك بكثير؟
ـ باعتقادي أنه ضالع في المخطط من قبل وهو طرفأساسي فيه ولكن ليس لدينا تفاصيل محددة حتي الآن، ولكن أود أن أشير هنا إلى أن كثيرًا من الأطروحات التي كان يطرحها داخل الاجتماعات أو خارجها كانت تخدم هذا المخطط.
ـ مثل؟
ـ مثل الانبطاح الكامل، التنازلات الكبيرة، عرقلة كثير من المشاريع الوطنية والقومية، هذه كلها عناوين لمواقف عديدة كانت تدفعنا دومًا إلى طرح المزيد من التساؤلات حول حقيقة أهدافه.
ـ منذ فترة من الوقت أقدم وزير الداخلية السوري غازي كنعان على الانتحار وتردد أنه أقدم على هذه الخطوة بعد كشف ضلوعه في المخطط، هل تعتقد أن ثمة تنسيقًا بين خدام وكنعان؟!
ـ ليست لدينا أية معطيات من هذا النوع، وحتي الآن لا توجد لدينا أية معطيات عن أسباب انتحار غازي كنعان، ولكن لدينا معطيات قبل ذلك حول علاقة خاصة بهذا الاتجاه.
ـ سيادة الرئيس.. كيف ترون السيناريوهات المقبلة على صعيد الوضع في لبنان في ضوء تقرير ميليس؟!
ـ لبنان لديها تاريخ من الاضطرابات عمرها مئات السنين، وقد طبعت عليه هذه الاضطرابات الطابع الطائفي بدأت بين الموارنة والدروز، ثم انتقلت إلى فئات أخرى، ومن الواضح أن هناك من يحاول استغلال الأوضاع الراهنة ليأخذها باتجاهات أخرى طائفية مثل ما يحدث في العراق حالياًا.
ودعنا ننطلق من هذه النقطة لنؤكد أنه عندما يكون هناك مجتمع يموج بالتناقضات فلن يوجد سوى مشروع وطني، ولذلك فالسيناريو في لبنان يجب أن يكون سيناريو وطنيا أولاً وقوميا ثانيا ولنستقرئ في ذلك تاريخ لبنان، لقد كان تاريخ لبنان بشكل عام داعمًا للقضية الفلسطينية وكان داعما للعلاقة الخاصة مع سورية وكان داعمًا للعمق العربي، وعندما اتجه لبنان باتجاه آخر وهو التدويل والعلاقة مع الغرب والخروج عن جذوره حصل الانقسام في المجتمع اللبناني، إذن أنا لا أري المستقبل اللبناني ينفصل عن تاريخه، ومن هذا المنطلق إذا أردنا الخروج من الأزمة فيجب الاتفاق حول ثوابت معروفة: التوحد حول دور المقاومة، حول دور إسرائيل في المنطقة، حول العلاقة مع سورية والعمق العربي.
عن جنبلاط
ـ
إذن بماذا تفسرون الانقلاب الفكري لمواقف بعض النخب اللبنانية التي كانت فيما سبق تزايد على الآخرين في دعمها لسورية وأقصد تحديدًا وليد جنبلاط؟

ـ بدون الدخول في الأسماء، ولكن هؤلاء كنا نتحدث عنهم في أكثر من لقاء ونقول إن هؤلاء الأشخاص يقومون بكل الأعمال السلبية في لبنان باسم سورية، وأمثال هؤلاء هم الذين نصفهم بالانتهازيين، ومن الطبيعي أن يلجأ الانتهازي إلى الانقلاب على مواقفه كل يوم، فاليوم هو مع سورية وغدًا ضدها وقس على ذلك كثيرًا. نحن لسنا متفاجئين بهذه الانقلابات لأن هؤلاء يعيشون الأمور دائمًا بالقياسات الدولية وليس بالقياس الوطني أو القومي.. وحتى قياساتهم الإقليمية تحسب بالحساب الدولي، ومع تغير الظروف الدولية وانقلاب الوضع الدولي ليس ضد سورية فقط وإنما ضد لبنان وضد الدول العربية بشكل عام فمن الطبيعي أن ينقلبوا مع التيار الدولي لأن هؤلاء جزء منه بالأساس وليسوا جزءًا من الحالة الوطنية أو القومية.
ـ تحدثتم أمام مجلس الشعب بأخلاق الفرسان عن أخطاء سورية ارتُكبت على الساحة اللبنانية.. ما هذه الأخطاء؟ وهل حاسبتم مرتكبها؟
ـ البعض فهم هذا الموضوع بشكل خاطئ، لقد اعتقدوا أن الأخطاء تعني تجاوزات فردية، هذه التجاوزات موجودة في سورية وفي كل مكان، ولكن ما قصدته هو الأخطاء التي تتعلق بتطبيق الاستراتيجية السورية التي طرحها الرئيس الراحل حافظ الأسد التي نجحت في لبنان والتي ارتكزت على أن لبنان عمقه عربي وجذوره عربية وارتكزت أيضًا على منع تقسيمه ومواجهة المخططات الرامية لعزل بعض الفئات اللبنانية عن محيطها الطبيعي في لبنان والعالم العربي.
وهذه الاستراتيجية نجحت من خلال توحيد لبنان في عام 1990 وارتكزت في اتفاق الطائف، ولكن بعد اتفاق الطائف فإن التكتيكات التي استُخدمت من قبل بعض المسئولين السوريين لم تخدم هذه الاستراتيجية وبالتإلى أوقفوا النجاح السوري عن توحيد لبنان، وفي الحقيقة فقد تحولت هذه الاستراتيجية الكبيرة الهامة في تاريخ لبنان إلى علاقات شخصية أوصلتنا إلى ما أوصلتنا إليه بعد فترة من الوقت، هذه هي الأخطاء التي قصدتها في خطابي، من المسئول عن ذلك؟ أعتقد أن الشارع السوري يعرف الأسماء جيدًا وقد تمت معاقبتها.
تهديد الحريري
ـ
سيادة الرئيس.. أين الحقيقة في الرواية التي تحدث عنها الإعلام وأيضًا عبد الحليم خدام حول تهديد قد صدر منكم إلى الرئيس الحريري؟!

ـ أنا إنسان مباشر وصريح ولا أعرف ماذا يقصد البعض بالتهديد، هذا أمر لم يحدث، الهد ف من ترويج هذه الادعاءات هو ربط التهديد بعملية الاغتيال، واللعبة واضحة، وأود أن أقول هنا إن اللقاء الأخير بيني وبين الحريري لم يحضره أحد سوانا فمن أين جاءوا بهذه الادعاءات؟
ـ يقال إن الرئيس الحريري سجل هذا اللقاء من خلال جهاز تسجيل صغير كان يحمله في جيبه؟
ـ هذا شيء عظيم، أين هو هذا التسجيل؟ ولماذا لا يذيعونه؟.. لقد قلت للحريري صراحة: نحن لا نريد أن نضغط عليك بخصوص قضية "التمديد" للرئيس لحود، اذهب وفكر يومًا أو عدة أيام ثم رد علىنا إما عن طريق رئيس مجلس النواب اللبناني السيد نبيه بري وإما عن طريق المخابرات السورية في لبنان. إن اللقاءات بيني وبين الحريري كثيرة وهي تعود إلى سنوات وأنا دائمًا أكون واضحًا في كلامي أما قضية التهديدات فهذا لم يحدث.
ـ لكنهم يربطون التهديد بالتمديد.
ـ نعم إذا كانوا يتحدثون عن ربط التهديد بالتمديد للرئيس لحود، فأنا أقول إن الرئيس الحريري وافق على التمديد للرئيس لحود، إذن ما هي المشكلة بين الحريري وسورية إذا كان ذلك قد حدث؟ إنه حتي من الناحية الجنائية فهذا الكلام غير صحيح، لأن التهديد دومًا مرتبط بشيء لم يقم به الشخص، لكن الحريري تجاوب مع المطلب السوري ولم يكن عنيدًا ولا متعبًا ولا أي شيء، إذًا لم تكن هناك مشكلة بالأساس حتي يكون هناك تهديد.
ـ إذن ما هو تفسيرك لعمليات الاغتيال التي وقعت ضد شخصيات مناوئة لسورية على الساحة اللبنانية؟
ـ بعض الشخصيات التي جري اغتيالها لم تكن مناوئة، خذ مثلاً "جورج حاوي" وحتي "إلياس المر" لم يكن مناوئًا لسورية، لا يوجد لدينا تفسير سوي أن هناك عمليات اغتيال تقف وراءها قوي مشبوهة، لقد وقعت هناك عملية اغتيال لأحد كوادر حزب الله الهامة وكذلك اغتيال "إيلي حبيقة" وهو كان مساندًا لسورية، وكذلك اغتيال "داني شمعون" وغيره وقد جري كل ذلك في ظل الوجود السوري على أرض لبنان، فمن هو صاحب المصلحة؟
إنني أعتقد أن لبنان لم يستقر أمنيا لأسباب كثيرة اللبنانيون يعرفونها أكثر من أي أحد آخر، ذلك أن أي حالة أمنية لا يمكن أن تكون إلا نتاج حالة سياسية، والفوضي السياسية تؤدي دومًا إلى فوضي أمنية والدليل العراق، أما الاستقرار السياسي فهو يخدم الاستقرار الأمني والدليل سورية ودول أخرى على سبيل المثال، إذن عندما نري حالة أمنية متردية بهذا الشكل فيجب أن نبحث أولاً في السياسة فهي التي تحقق الاستقرار وتمنع الاختراق الخارجي لأمن البلاد.
ـ إذن من هو صاحب المصلحة الأساسي في اغتيال الحريري؟
ـ ليس لدي أدلة أو معطيات، المستفيد قد تكون "إسرائيل" سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهناك أيضًا مستفيد آخر، وعلينا أن نقول إذا كان هناك قوي لبنانية بعينها يمكن أن تقوم بهذا العمل أيضًا، وعادة من يفجر أو يلجأ إلى هذه الأساليب هو من يعيش في ورطة، واعتقادي أن القوي الوطنية اللبنانية ليست في ورطة، إذن علينا أن نبحث عن قوي أخرى لها مصلحة في الاغتيالات وفي توقيتات محددة.
مثلاً ما هي مصلحة سورية في اغتيال "جبران تويني" على سبيل المثال؟ قد يكون لهذه الشخصية وزن في لبنان ولكن ليس لها وزن بالنسبة لسورية، فهي لا تعرقل المشروع القومي لسورية ولا تشكل تهديدًا ضدها، ومن ثم فليس لنا مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في اغتياله.
الموقف في العراق
ـ
سيادة الرئيس.. هناك من يقول إن حالة من التهدئة سادت ملف العلاقة السورية ــ الأمريكية نتج عنها عدم استجابة واشنطن لمطلب رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة بتشكيل لجنة تحقيق دولية في قضية الاغتيالات، هل توجد تفاهمات مشتركة على خلفية مشاركة السنة في الانتخابات العراقية وبعضالقضايا الأخرى؟

ـ لا، موقفنا أساسًا لم يتغير بالنسبة للعراق، وكذلك موقف أمريكا لم يتغير بالنسبة للعراق، لكن بالمظهر الولايات المتحدة تتحدث عن انتخابات لدعم العملية السياسية، ونحن قبل الولايات المتحدة تحدثنا عن انتخابات لدعم العملية السياسية ولكن بالمضمون هم لا يرغبون بالتعاون ومن ثم لم تحدث أية صفقة بين سورية والولايات المتحدة.. نحن لا نتدخل في التفاصيل، نحن نتحدث في قضية أساسية وهي عروبة العراق، لأن انتفاء العروبة يعني تفتيت العراق، والعروبة لا تعني العرب وتستثني الأخرى الأكراد أو غيرهم من التقسيمات العرقية، بل العروبة تعني مفهومًا حضاريا، فالعراق هو بلد عربي هذا بالتاريخ أو الأكثرية وهذا لا يتنافي مع وجود ثقافات وقوميات أخرى كما في كل الدول العربية ومنها سورية، وهذا هو الموقف الوحيد الذي نتحدث فيه مع العراقيين.
ـ سيادة الرئيس.. لقد حذرت خلال القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ من خطورة مخطط ما بعد احتلال العراق، والآن بعد مرور نحو عامين على الاحتلال.. كيف تري الأوضاع على الساحة العراقية؟! وهل تري أن ما حذرت منه يحدث على أرض الواقع؟
ـ أرى أن ما حذرت منه أقل بكثير مما يحدث على أرض الواقع وهذا هو ما فاجأني، لقد كنت أقول هذا الكلام في القمة وللوفود الأمريكية التي كانت تزور سورية وتتحدث عن الانتصار الحتمي.. كنت أقول لهم: لا أحد يشك في انتصاركم في المعركة ولكن بعد المعركة ستغرقون في المستنقع، لم نكن نقدر لا الزمن ولا الحجم، لقد فوجئنا بالزمن القصير لظهور هذا المستنقع وبالحجم الكبير لهذا المستنقع، ونعتقد أن الوضع الآن أسوأ بكثير مما كنا نتوقعه أولا بالنسبة للأمن والاستقرار في العراق وسلامة وأمان الشعب العراقي وثانيا بالنسبة لوضع المحتلين في العراق.
ـ إذن كيف الهروب للأمام؟ ما المخرج في تقديركم؟
ـ المخرج هو في وضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق وثانيا في الدستور، والدستور هو الذي سيحدد مصير العراق ومستقبله وامكانية أن يتوحد أو يتفتت، أي أن يكون العراق وشعبه مجتمعًا وموحدًا أو إن يدخل في إطار الفتن والصراعات الداخلية، ومن ثم فإن الانتخابات أيضًا ضرورة بشرط أن تكون معبرة حقيقة عن الشعب العراقي وأفكاره ورغبته ودون تدخل، نفس الشيء بالنسبة للدستور يجب أن يعبر أيضًا عن وجهة نظر العراقيين، لا أن يكون مقتبسًا من رغبات البعض أو من دفاتر أخرى في هذا العالم، الدستور الصحيح هو الذي يعبر فقط عن آمال الشعب وطموحاته، فيما عدا ذلك فسوف يكون مشروع فتنة.
ـ إذا طلبت الجامعة العربية إرسال قوات إلى العراق، ما شروط سورية في ذلك؟!
ـ أن يكون هناك مطلب عراقي أولاً.
ـ ومن يقدم هذا المطلب: هل هي المقاومة، أم الحكومة؟
ـ هذا يعود إلى فكرة التوحد العراقي، ليس لنا مصلحة أن ندخل العراق وهناك انقسام لدي شرائح الشعب العراقي، ولا يجوز أن تكون هناك قوات عربية في وقت لا يزال العراقيون منقسمين حول وجود هذه القوات.
ـ سيادة الرئيس.. ألا تري أن إيران هي المستفيد الأكبر من كل ما يحدث على أرض العراق؟
ـ إيران دولة جارة للعراق خاضت معها حربًا لمدة 8 سنوات، ولا شك أنها ستضع في رؤيتها المستقبلية ألا يكون العراق عددًا خطيرًا عليها في يوم من الأيام، هذا شيء طبيعي فالحرب تترك تأثيراتها، لكن علينا أن نتساءل عن الأداء العربي، هناك دول محيطة بالعراق، وهناك دول غير محيطة بالعراق لكنها تشكل عمقًا عربيا هامًا للعراق. إن المطلوب هو التواجد فالعراق جزء غالٍ من الأمة.. أما عن التدخل فلا يمكن أن يكون هناك تدخل من دون أن يكون هناك قبول لهذا التدخل.
وعندما تكون هناك شرائح تقبل بهذا التدخل فهذا سؤال يوجه للشعب العراقي، بالمقابل نقول: هل قمنا نحن بفتح علاقات سليمة مع الشعب العراقي بمختلف شرائحه؟.. إن أي دولة بحاجة إلى جوارها ولذلك من الطبيعي أن تكون هناك علاقات طبيعية بين العرب وإيران، وعندما تتدخل سورية بشكل إيجابي من خلال قناعات ورغبة ومطالب الشعب العراقي فهذا سيكون لصالح العراق وسورية، نفس الأمر بالنسبة لتركيا والسعودية وكذلك الدول العربية الأخرى، فعندئذ لن يطرح أحد أن إيران تتدخل وتستفيد لمصلحتها وإلا فتركيا يجب أن تستفيد والسعودية يجب أن تستفيد والشعب العراقي يجب أن يستفيد.. ومع كل ذلك فلا يجب أبدًا تبرير الغياب العربي بأن نقول إن إيران تتدخل، هذا في تقديري هروب من قضية الغياب العربي، كذلك الأمر عندما يطرح البعض طرحًا طائفيا فيقول إن إيران لها علاقة مع شريحة من أبناء الشعب العراقي والعرب لهم علاقة مع شريحة أخرى.. هذا طرح خطير.
ـ هذا يدعونا للحديث عن مخطط التفتيت وإعادة رسم خريطة المنطقة الذي تسعي واشنطن إلى ترسيخه على أرض الواقع.
ـ المنطقة العربية تتعرض لتدخلات مباشرة في شئونها الداخلية بهدف تنفيذ هذه الأجندة، ولكن في المقابل علينا أن نسأل: ما الذي يوحدنا؟ والإجابة: ثقافتنا، والثقافة تعتمد بالأساس على الفكر القومي، والمنطقة العربية يوحدها بالأساس الفكر القومي، قد يختلف البعض مع هذا الكلام ولكن لا يوجد شيء يثبت عكس ذلك حتى الآن .
الأصوليات وإسرائيل
ـ
وماذا عن النمو المتصاعد لظاهرة الإسلام السياسي؟

ـ كل يري الأصولية بطريقته، وتصاعد هذه الظاهرة جاء نتيجة غياب الفكر القومي الذي لا يتعارض إطلاقًا مع الفكر الإسلامي. إن الفصل بين العروبة والإسلام شيء خطير، وهو الذي يؤدي بالتيار الأصولي المتطرف إلى النمو، وعندما نتحدث عن ارتباط العروبة بالإسلام، فليس معني ذلك أن المسيحية غير مرتبطة بالعروبة، بل العروبة هي التي تربط بين الجميع وتوحد الجميع.
ـ سيادة الرئيس.. ما شروط سورية للعودة إلى طاولة المفاوضات مع "إسرائيل"؟
ـ عندما تصبح "إسرائيل" مهتمة فعلاً بالسلام، وعندما يعود اهتمام الإدارة الأمريكية بعملية السلام، فالسلام هو تعبير عن قناعة وليس اتفاقية توقع بين طرفين.
ـ ولكن "إسرائيل" تحمّل سورية دومًا المسئولية عن عمليات المقاومة في فلسطين.
ـ هذا فيه تقزيم للنضال الفلسطيني، الشعب الفلسطيني يقاوم دفاعًا عن أراضيه وهذا حقه، أما سورية فهي تشكل عمقًا للشعب الفلسطيني، كما هي مصر وغيرها.. وضرب هذا العمق يؤدي لاضعاف الفلسطينيين، ومع ذلك فهذه الاتهامات التي تساق جزافًا لا تعنينا.
ـ سيادة الرئيس.. الشارع العربي يسأل عن طبيعة ومدي العلاقة بينكم وبين الرئيس مبارك خصوصًا أن هناك تباينًا في وجهات النظر باتجاه العديد من القضايا.
ـ العلاقة المصرية ــ السورية تضرب بجذورها في العمق، والعلاقة بين الرئيس حافظ الأسد والرئيس مبارك كانت لا لها خصوصيتها. إننا نعتقد كعرب أننا يجب أن نكون متفقين بنسبة 100% لكي تكون علاقتنا جيدة، العلاقة بيني وبين الرئيس مبارك اعتمدت على الصراحة قد نختلف ربما حول بعض أو كثير من الأمور ولكن عندما نجلس نتحدث بصراحة، فأقول له بماذا أفكر، ويقول لي بماذا يفكر، وقد نختلف ولكن بالنتيجة نصل لتصور مشترك وهذه هي العلاقة المفهومة.
إن الرئيس مبارك حريص جدًا على سورية وجولاته واتصالاته المستمرة مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية تصب في مصلحة سورية، إنه يتحرك على كافة الصعد دون إعلان وعندما نلتقي يروي لي تفاصيل هذه الاتصالات، والرئيس يعرف منذ أيام الرئيس حافظ الأسد ماذا تريد سورية، وهو يقول دومًا: هذه ثوابت سورية ولن نغيرها، من هنا فنحن نقدر صراحة الرئيس وحرصه على سورية، ولكن يبقي أن مصر لديها تكتيكات وسورية لديها تكتيكات، وكل يلعب دوره من موقعه وبعلاقاته التي تختلف عن الآخر.
ـوإذا حدث نوع من الاعتداء على سورية، كيف تتوقعون رد الفعل المصري الرسمي؟
ـ مصر تأخذ الآن موقفًا قويا إلى جانب سورية، ولكن للحقيقة أن مصر تتعرض لضغوط، نعرف هذا ونراه، ونحن نتعرض في سورية لضغوط، لكن أحيانًا مصر بالمضمون وبشكل غير معلن تتعرض لضغوط أكبر من سورية، ولذلك نحن نعتقد أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما تعرضت سورية للعدوان لأن مصر تدرك أن أمن مصر لا ينفصل عن أمن سورية.
ـ سيادة الرئيس.. في المؤتمر العاشر لحزب البعث تحدثتم عن قانون للأحزاب متي يري النور؟
ـ نحن مهتمون بهذا الموضوع، وقد جري تكليف لجنة لدراسته منذ حوإلى شهرين ولكن كما تعرف فإن قانون الأحزاب هو الذي يحدد شكل الحياة السياسية في البلاد في المستقبل، سورية تعيش بدون قانون أحزاب منذ عدة عقود، لدينا أحزاب ولكن ضمن إطار الجبهة الوطنية، ولذلك فالقانونفي حاجة إلى حوار على مستوي الشارع، لأن الحكومة لن تستطيع إصدار قانون بمعزل عن الشارع، نحن نسعي حاليا لوضع تصور أولي وسيتم طرحه للنقاش، وسوف نعطي هذا النقاش وقتًا طويلاً وعندما نري الصورة بشكل أوضح فسوف نصدر القانون الذي يجب ألا يكون محل خلاف بين السوريين. الفساد في سورية
ـ متى تصدرون عفوًا رئاسيا عن المسجونين السياسيين؟
ـ لقد جرى الإفراج عن عدد كبير من المسجونين السياسيين ومنهم العناصر قامت بأعمال عنف ولم يتبق سوي القليل .
ـ سيادة الرئيس .. هل هناك نية لاستحداث آلية لمكافحة الفساد في المجتمع السوري؟
ـ هذا الموضوع حاز على نقاشات واسعة في مؤتمر الحزب وقد احتل الصدارة على بقية القضايا المطروحة على جدول الأعمال، وقد طرحت في هذا أفكار عديدة ، لكن كل هذه الأفكار لم تتوصل إلى آليات فاعلة لمكافحة الفساد، هناك رغبة قوية لدي الناس لمكافحة الفساد ولذلك يجب أن يكون لدينا أنظمة إدارية سليمة ومؤسسات تمنع الفساد وتحاصره.. الآن قطعنا شوطًا كبيرًا لاختيار أشخاص جدد يتميزون بالطهارة، لكن لا يكفي أن يكون المسئول شخصًا نظيفًا، بل عليه أن يجعل الأخرىنمن حوله يتمتعون بنفس الطهارةوالنظافة، نحن مقصرون حتي الآن في تطوير المؤسسات، وأي إلىة دون مؤسسات سليمة وفي مقدمتها القضاء فلن تمكنا من مكافحة الفساد.
ـ في المؤتمر القطري وجه الشرع انتقادات حادة لعبد الحليم خدام بالفساد ومع ذلك سمح له بالسفر إلى الخارج.
ـ أنا بالنسبة لي جئت إلى الحكم واستندت إلى مبدأ أساسي وقلت: سأفتح صفحة جديدة مع الجميع، وقلت: كل من يريد أن يعمل معي يجب أن يكون نظيفًا، لم أرد أن أعود إلى الماضي، فالفساد هو حالة منتشرة وإذا أردنا أن نمثل هذه الحالة ببرميل مثقوب فيه عدة ثقوب وأنت تريد أن تملأ هذا البرميل بالمياه، وهذا الماء يتسرب فعليك أولاً أن تسد الثقوب وإما أن تضيع وقتك في لملمة الماء فسوف تبقى الثقوب موجودة ولن تحل المشكلة.. لقد انطلقت من هذا المبدأ لمكافحة الفساد، والحقيقة أن كثيرًا من الحالات تم وقفها، ولكن نتيجة غياب الآلية لمواجهة انتشار الفساد غاب منطق التعامل.
ـ هل هناك نية لإنشاء وزارة لحقوق الإنسان؟
ـ الآن نحن نناقش هذا الموضوع وقد طرحنا خلال الأسبوع الأخير عدة آليات بهذا الاتجاه، وهل تكون هذه الآلية من داخل الحكومة أو من داخل مجلسالشعب أم جمعيات أهلية.. لدينا جمعيات أهلية مسموح بها وهي غير مرخصة لكن الدولة لا تمنعها، الآن نبحث عن آلية أكثر قانونية تحقق النتائج بالنسبة لهذا الموضوع ولا تسمح بالاستغلال الشخصي ولا الخارجي .
ـ أخيرًا.. هل هناك اتجاه لتغير وزاري قريب؟
ـ بعد المؤتمر العاشر كانت هناك نية لإجراء التغيير، ولكن جري التأجيل بسبب الضغوط التي نمر بها، وإن كان هذا لا يعني أننا ابتعدنا عن التفكير بعيدًا عن عملية الإصلاح الحكومي أو غيره، ولكن عندما نبدل حكومة بأخرى لا يجوز فقط أن نستند إلى فكرة تغيير الأشخاص، لكن القضية ما هي الرسالة التي نريدها خاصة أننا قد دخلنا هذا العام في خطة خمسية جديدة تختلف عن كل ما سبقها.. نحن نبحث الآن عن أشخاص يتوافقون مع هذه الآلية الجديدة