شرحت للرئيس حافظ الأسد أسباب عدم قبولي التحالف مع الحريري فلقيت منه تفهماً وقبولاً

سليم الحص : ( صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ) 15/2/2001

 

استعرض رئيس الحكومة اللبنانية السابق الدكتور سليم الحص في توثيقه الجديد لآخر تجاربه في الحكم بين العامين 1998 و2000، والذي صدره بعنوان للحقيقة والتاريخ، في الحلقات السابقة قصة نهاية العمل السياسي وبداية العمل الوطني، ويرى ان المال جعل الساحة الانتخابية اللبنانية اشبه بسوق نخاسة تباع فيها الضمائر وتشترى. ومن خلال هذه الزاوية كان الحص يعتقد ان المعركة الانتخابية الاخيرة الاشرس والاوسخ في تاريخ الانتخابات اللبنانية. ويؤكد ان حكومته قضت على بدعة ترويكا الحكم الى الابد وانها اعطت الدليل على ان العملة اللبنانية لا ترتبط بشخص معين، وان اعظم انجاز حققه لبنان في عهد حكومته هو تحرير الجنوب والبقاع الغربي. كما تطرق الحص الى العلاقة بينه وبين رئيس الجمهورية ويقول لوكان في لبنان رجل واحد لا طائفي فهو اميل لحود، وسألني مرة الدكتور بشار الاسد عمن ارشح لرئاسة الجمهورية فأجبته اللحوديين اميل ونسيب.
في هذه الحلقة يتحدث الحص عن العلاقة بينه وبين سورية ويقول لقد شرحت للرئيس السوري الراحل حافظ الاسد اسباب عدم قبولي التحالف مع الحريري فلقيت منه تفهما وقبولا.
كما تطرق الحص إلى تهديد وليد جنبلاط وقال فوجئت بوليد يهددني ضمناً في حياتي لرفضي فتح باب التطوع في الجيش
وفي
ما يلي الحلقة الخامسة.

إنّني مؤمنٌ بالعلاقة المميّزة بين لبنان وسوريا إيماني بعروبة لبنان. والعروبة في مفهومي إنما تُعبّر عن تطلّع إلى مصير مُشترك فيما بين العرب شعوباً ودولاً، وعن تشابك المصالح على أشكالها فيما بينهم. أما لحمة العروبة وسداها فلغةٌ واحدة حيّة نهضت على قواعدها ثقافة غنيّة عريقة.
العروبة جعلت من العرب أمّة واحدة بين الأمم، تنتظم عدداً من الدول المستقلة ذات السيادة، ومنها لبنان. وإذا كانت الوحدة هي مُنتهى الطموح المشروع لأي أمّة، فإنّني من المؤمنين، من جهة، بأنّ الوحدة مفهوم نسبي، وهي تتجلّى في أول درجاتها بالتضامُن والتعاوُن، وتبلُغ أقصى مداها بالوحدة الفدراليّة أو الإندماجيّة، ومن جهة ثانية إنّ الوحدة، بدرجاتها المتفاوتة، هي رهن بإرادة الشعوب. فهي لا تستقيم إلا إذا كانت مُعبّرة عن حقيقة إرادة الشعوب الحرّة في الدول المعنيّة. أما إرادة الشعوب فلا سبيل إلى تجسيدها أو بلورتها سوى الديمقراطية. فأي وحدة تُفرض قَسراً لا يمكن أن تصمُد طويلاً وهي أساساً غير مُبرّرة وغير مقبولة. لِذا القول إنّ الدعوة إلى وحدة العرب، على وجهٍ متقدّم، تستوجِب بالضرورة العمل أولاً على تطوير الحياة الديمقراطية في الوطن العربي الأرحَب. وفي ظلّ انعدام وجود الديمقراطية في بعض الأقطار العربية وضحالتها في أقطار أخرى، يبقى طموح الوحدة، بدرجاتها المتقدّمة، عصيّاً على التحقيق. إنّني،إنطلاقاً من هذه المفاهيم، أعتبر نفسي لبنانياً عروبياً، أعتزّ بلبنانيّتي وعروبتي معاً. ويحدوني اعتقاد راسخ أنّ طريق لبنان إلى العروبة تمرّ بالضرورة في دمشق، وذلك باعتبار ما يشدّ البلدين الشقيقين من أواصر الجِوار والقُربى والمصالح المتشابكة والمصير المُشترك. كنت دوماً على ما أعتقد مُخلِصاً كل الإخلاص لهذا المفهوم للعلاقة مع سوريا، فلم أخلّ به يوماً ولم أُفرّط فيه أبداً. من هُنا، على ما يبدو لي، كانت العلاقة بيني وبين المسؤولين السوريين علاقة احترام مُتبادل لا أكثر ولا أقلّ. فعلاقتي بسوريا لم تكُن يوماً على شيءٍ من التبعيّة وإنما كانت دوماً راسية على التلاقي حول الأهداف القوميّة كما حول تقويم الأبعاد القومية لمعطيات الواقع اللبناني والعربي، ومن ثم التصرّف تِبعاً لذلك. بذلك كنت حليفاً صادقاً لسوريا ولو أنّي لم أكُن من أتباعها أو من ٍالمُسمّين عليها. وممّا كان يعزّز هذا النوع من العلاقة أنّني لم أُعلِن يوماً غير ما أضمر على هذا الصعيد. فلم أُقِم علاقات مع أي جهة داخلية أو خارجية يمكن أن تثير الشبهات حول حقيقة مواقفي الوطنية والقومية، ولم أتحدّث في الشأن الوطني والقومي سِرّاً مع أيٍ كان بخلاف ما كنت أعلن.
في الواقع أنني لم أَكن أُكثِر من زياراتي لدمشق. فقد التقيت الرئيس حافظ الأسد مرّة بعد أن تولّيت رئاسة الوزراء في الحكومة الأخيرة، ومرّة ثانية في 12/10/1999 في مناسبة انعقاد هيئة المتابعة والتنسيق اللبنانية السورية في دمشق، والتقيت نجل الرئيس السوري الدكتور بشّار الأسد في دمشق بضع مرّاتٍ، منها مرّة، فــي بــداية عهد الحكومة، ومرّة ثانية فــي 11/10/1999 في المناسبة عينها، أي يوم انعقاد الهيئة فــي دمشق، ومــرّة يوم زيارتــي دمشق في 3/1/2000 لتهنئة الرئيـس مصطفى ميرو في مناسبة تأليفه الحكومة، وزرته مرّة أخرى بعد تسلّمه رئاسة الجمهورية العربية السورية. وقد لمست في لقاءاتي والرئيس بشار الأسد كل مودة وتفهم واحترام، كما آنست فيه منتهى الاتزان والحكمة والثقافة العالية.
وكنت أَقوم بزيارة اللواء غازي كنعان في عنجر، لبنان، في طريق ذهابي إلى دمشق أو إيابي منها. وكثيراً ما كنت أتبلّغ من بعض الأصدقاء الذين كانوا يزورون المسؤولين السوريين في دمشـق أو عنجر تحيّات أولئك المسؤولين وإحترامهم لا بلّ ودعمهم، مقرونة بكلمة عِتاب بأنّ أولئك المسؤولين يرون أنّ علاقتي بهم تفتقِرّ إلى الحرارة. ولعل المقصود بالحرارة هُنا كثرة المراجعة لهم وكثافة الاتصالات بهم، وهذا ما لم أتقنه. مؤثرات سورية لم تعبر يوما من خلالي تنامََت في أوساط لبنانية واسعة مع الوقت حالة من التذمُّرّ سمّاها البعض تدخُّلاً سورياً في الشؤون اللبنانية الداخلية، وسمّاها آخرون في بعض الحالات هيمنة سورية على قرار السلطة في لبنان. قيل الكثير في هذا الصدد وقيل أنّ شعرة لا تسقُط من رأس أحد في لبنان إلاّ بعلم السوريين أو موافقتهم، فكانت سوريا تُرمى، أحياناً عن غير وجه حقّ، بالتدخُّل في تعيين الموظّفين ونقلهم وترقيتهم، وفي تسمية أعضاء بعض المجالس، والتدخُّل في وضع بعض النصوص والتشريعات الأساسية من مثل قانون الانتخابات النيابية، وفي تشـكيل القوائم الانتخابية في شتّى المناطق اللبنانية في ما سُمّي تعليباً للانتخابات، وما إلى ذلك من ألوان التدخّل. وقد عبّر عن هذا التذمُّر بوضوح وصراحة يوماً البطريرك الماروني الكاردينال نصر اللَّه بطرس صفير إذ قال ما مفاده أنّ اللبنانيين لا يشكون من الوجود العسكري السوري في لبنان بقدر ما يشكون ممّا سمّاه سيطرة سورية على القرار في لبنان. وأردف قائلاً إنّ قوات أميركية وبريطانية وفرنسية كانت تُرابِط في ألمانيا الغربية إثر الحرب العالمية الثانية، ولكن أي دولة من الدول المشاركة في هذه القوات لم تكُن تتدخّل في قرارات الحكومة الألمانية من قريبٍ أو بعيد. وقد أطلق غبطة البطريرك هـذه الملاحظــة بعــدما أعلن رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري في 25/11/2000، عقب زيارته المقرّ البطريركي في بكركي، عزم ســوريا على استئناف إعادة نشر قواتها في لبنان وِفق إتفاق الطائف، مع الإشارة إلى أنّ عملية إعادة الإنتشار هذه كانت قد بدأت في نيسان (أبريل) .2000 إنّ ما يهمّني أن أُشدّد عليه ههُنا أنّه إذا كانت هُناك مؤثّرات سورية على القرار اللبناني، على حدّ تعبير المُعترضين على اسـتمرار الوجود السوري في لبنان، فإنّ هذه الظاهرة لم تَعبُر يوماً من خلالي وإنما عَبَرت من خلال قنوات أخرى في الدولة. ترأّست منذ عام 1976 خمس حكومات في لبنان، شَكّلت أربعاً منها وتولّيت رئاسة حكومة كانت قائمة عند استشهاد الرئيس رشيد كرامي في عام 1987، ولم يسبق تسميتي رئىساً لمجلس الوزراء في الحالة الأخيرة أي تشاوُر من جانبي مع المسؤولين في سوريا، بل كان ذلك، كما تبيّن فيما بعد، على غير رِضا من السوريين. فقد تنادَت القيادات الإسلامية الروحية والسياسية إلى اجتماع في دار الفتوى إثر وقوع جريمة الاغتيال، وكان بينهم رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني ورؤساء وزراء سابقون ومنهم تقي الدين الصلح وشفيق الوزان ووزراء حاليون وسابقون ونواب. وانتهى المجتمعون إلى قرار بالطلب إلى رئيس الجمهورية أمين الجميّل تكليفي فوراً بترؤّس الحكومة على أن تبقى بتركيبتها القائمة، وكنت أنا وزيراً فيها. وقد ارتأى المجتمعون اسـتعجال التكليف تلافياً لوقوع أي فراغ في الحكم في الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية عملياً طرفاً في النزاع الدائر في البلاد، فأصررت أن لا أُسـمّى رئيساً أصيلاً بل بالوكالة إحتراماً لروح الشهيد فاعترض البعض لعدم جـواز ذلك باعتبـار أنّ لا وكالة عن ميّــت، مع ذلك أصررت على صفة الوكالة. وقد تطوّع الرئيس حسين الحسيني بالتحدُّث هاتفياً مع الشـــيخ أمين الجميل في الموضوع مُباشرة. وفي اليوم التالي كان مأتم الرئيس الشـهيد كرامي في طرابلس، حيث التقينا نائب الرئيس السوري الأستاذ عبد الحليم خدام فوجدناه يتميّز غيظاً إذ قال مُعاتِباً إنّنا تســرّعنا في تبنّي تلك الخطوة ودماء الشهيد لم تجفّ بعد. وإلتفت لتوّه إليّ ليقــول : يا دكتور، عندما تأتي إلى زيارتنا في دمشق ذكّرني بأن أُسمِعُك تسجيلاً يكشف لك كيف تمّ الإعداد لمحاولة اغتيالك (وكنت قد نجوت من محاولة اغتيال بواسطة تفجير سيارة مُفخّخة في عام 1984) فتَعلَم من هُم المجرمون. بعد بضعة أيام توجّهت إلى دمشق بصحبة رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني وقصدنا الأستاذ عبد الحليم خدام. فطلبت من الأستاذ خدام أن يسمعنا التسجيل الموعود فقال: هل تريد أن تسمع القضيّة من فَم إيلي حبيقة ؟. فقلت إنّني في غِنى عن مقابلة حبيقة، فليروِ الأستاذ خدام القصّة أمامنا بنفسه. فكان في روايته أنّ المجموعة التي تآمرت على حياتي ضمّت إلى إيلي حبيقة مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد سيمون قسّيس. وكان الاجتماع في منزل الأستاذ ميشال المُرّ. إلاّ أنّ ميشال المُرّ زارني في منزلي بعد خروجي من الحكم في عام 1990 وقال لي : أَبلَغوك أنّني كنت مُشـارِكاً في الاجتماع الذي خطّط لمحاولة اغتيالك. وأنا قادمٌ إليك اليـوم لأؤكّد لك أنّ هذا غير صحيح على الإطلاق. فلم يكُن لي علاقة بالحادث من قريبٍ أو بعيد. بعد سنوات عُيّن القاضي سعيد ميرزا مُحققاً عدلياً فــي قضيــة محاولة اغتيالي التي سقط فيها أربعة قتلى بينهم الدركي الذي يقود سيارتي المرحوم أحمد الحاج شحادة، ودركيّان آخران كانا يتقدّمان الموكب على دراجتين، وامرأة كانت في الجوار. رويت للقاضي سعيد ميرزا القضيّة شفهياً كما عرفتها، وكان إيلي حبيقة وميشال المُرّ وزيرين في الحكومة القائمة يومذاك. ووقّعت أمام القاضي إفادة موجزة أُؤكّد فيها أنّني على يقين من أنّ إيلي حبيقة على علم بتفاصيل الحادث. ولمّآ دعا القاضي ميرزا إيلي حبيقة إلى الإدلاء بإفادته رفض الكلام في الموضوع إطلاقاً.
بالعودة إلى بداية هذا الحديث، أعود لأؤكّد أنّني لم أتشاور ولا مرّة واحدة مع المسؤولين السوريين قبل قبولي التكليف برئاسة الحكومات التي ترأّست منذ عام 1976 ولكنّني لا أسقط من الحساب أن يكون رئيس الجمهورية قد تشاور في هذا الشأن مع المسؤولين السوريين في بعض الحالات.
أما عملية تشكيل الحكومات التي ترأّست فكنت أجريها وفق الدستور بالتشاور مع رئيس الجمهورية، فكنت أُسمّي بعض الوزراء ويُسمّي هو الآخرين. في كل عمليات التأليف التي قمت بها لم يكُن بيني وبين المسؤولين السوريين أي تشاور مُسبَق.
ولكنني لا أستبعد أن يكون رئيس الجمهورية في بعض الحالات قد أشعر المسؤولين السوريين بأسماء الوزراء وربما تشاور معهم في شأنهم أو في شأن بعضهم. أما في إدارة شؤون الحكم فكانت ثمة حالات قليلة جداً فوتحتُ فيها من جانب المسؤولين السوريين في أمر، وسأعرض فيما يلي للحالات القليلة التي أذكرها. شغرت سدّة رئاسة الجمهورية في أيلول (سبتمبر) 1988 بانقضاء عهد الشيخ أمين الجميّل من دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية. فأصدر الشيخ أمين الجميّل في الساعة الأخيرة من عهده مرسوماً عيّن بموجبه حكومة عسكرية سداسية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون. فأعلَنت على الأثر رفضي لهذه الخطوة، طاعِناً بدستوريتها وقانونيتها، ومُعلناً استمرار حكومتي في موقع المسؤولية لتصريف الأعمال ريثما يتمّ انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وذلك وِفق ما نصّ عليه الدستور حيث يقول، في المادة 62، في حال خلوّ سدّة الرئاسة لأي علّةٍ كانت تُناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء. هذا الموقف اتّخذته بعد التشاور مع رئيس المجلس النيابي السيد حسين الحسيني الذي وجدته سَنَداً كريماً لي في كل الملمّات، وكذلك بعد التشــاوُر مع الوزراء الذين بَقوا إلى جانبي وهُم الرئيس عادل عسيران والدكتور عبد اللَّه الراسي والأستاذ نبيه بري والأستاذ وليد جنبلاط. ولم يكُن بيني وبين المسؤولين السوريين أي تشاوُر مُسبَق في الموضوع. وقد دامت حقبة الانقسام بين حكومتي وحكومة العمــاد عون المزعومة أكثر من سنة. ولعل تلك الحقبة كانت هي الأخطر في سفر الأزمة اللبنانية المتمادية إذ كانت خلالها وحدة لبنان على المحكّ وبالتالي وجوده. فلبنان يكون واحداً أو لا يكون. في تلك الحقبة الرهيبة كان الجيش اللبناني مُنقسماً على نفسه. فكان علينا أن نُعيّن اللواء سامي الخطيب قائداً للجيش سَعياً لجمع فلول الجيش المنتشرة في المناطق التي كانت خاضعة لسلطة حكومتنا، عسى أن تتمكّن القيادة الجديدة من الحفاظ على إمكانية إعادة توحيد الجيش. وسامي الخطيب ضابط معروف بذكائه ووضوح رؤيته ووطنيته وشجاعته. خلال حقبة الانقسام هذه، كان عليّ أن أواجه تحديات وقضايا يومية.
فقررت أن لا أسمح بالمساس بهيكلية أيٍ من مؤسسات الدولة في ظل حال الانقسام التي كانت سائدة خشية أن يترسّخ الإنقسام بما يهدّد وحدة البلد ووجوده. طالبني الوزير نبيه بري والوزير وليد جنبلاط بفتح باب التطوع في الجيــش اللبناني.
فرفضت هذا الطلب لجملة أسباب، منها أنّ القبول بمبدأ التطويع في الجيش في جانبنا سيحفز قيادة العماد عون على سلوك طريق مماثل في جانبها، وسـيُؤدّي ذلك إلى المطالبة بزيادة الأموال المخصصة للإنفاق على الجيش (رواتب ولوازم وحتى أسلحة) بما يهدّد الاحتياطات المتوافرة لدى مصرف لبنان المركزي، وكنت أشعر أنّ من واجبي المحافظة على هذه الاحتياطات كي تكون هي الخميرة التي تنهض عليها
الدولة
بعد انتهاء الأزمة المُدمّرة. هذا ناهيك عن أنّ تعزيز قوّة الجيش الضاربة على ضفتي خطوط المواجهة سيكون من شأنه زيادة القوّة التدميرية لهذا الجيش المرابط على جانبي خطوط الاقتتال. قيل لي أن سوريا تدعم هذه الخطوة، فلم أتراجع عن موقفي. وقد فاتحني الوزيران بري وجنبلاط، وكذلك اللواء سامي الخطيب تكراراً في هذا الموضوع فكان جوابي دوماً الرفض. في إحدى جلسات مجلس الوزراء بادرني وليد جنبلاط بالسؤال : هل بات من الممكن اتّخاذ قرار بفتح باب التطوّع في الجيش. فأجبت لتوّي : إنّ الأسباب التـي حدت بي إلى رفض هذا الأمر في الماضي ما زالت قائمة، وأن فتح باب التطوع تالياً غير وارد في الوقــت الحاضر.
فإذا بي أفاجأ بوليد جنـبـلاط يهدّدني ضمناً فــي حياتي. أخذ يحدق أمامه صوب الرئيـس عادل عسيران الذي كان جالساً قبالته، فيما كنت أنا جالساً على رأس الطاولة إلى يمين جنبلاط، ثم قال : فليكن معلوماً أنّ كل من يقف في وجهنا عند المفاصل نحن قادرون على سحقه تماماً. أنا قتلت وأنا أقتل.قتلت من فئتي وقتلت من غير فئتي. ثم التفت إلى الأمين العام لمجلس الوزراء الأستاذ هشام الشعار، وكان يدوّن محضر الجلسة، وقال : سجّل عندك يا هشام الشعار من قتلت. وفجأة تنبّه إلى ما هو مقدم عليه، فكفّ عن الكلام وجمع
الأوراق
المبعثرة على الطاولة أمامه بحركة عصبية وغادر القاعة. لحق به الأستاذ نبيه بري ليعيده إلى الجلسة ولكنه لم يستطع إدراكه. وكان الوزيران بري وجنبلاط يطالبانني بشراء أسلحة وآليات من الجيش السوري وكنت للأسباب عينها أرفض ذلك.
وجاءني اللواء سامي الخطيب يوماً بكتاب موجّه إلى العماد مصطفى طلاس، وزير الدفاع في سوريا، بطلب شراء معدات وأسلحة للجيش اللبناني، فرفضت توقيع هذا الكتاب. بعد حين حدّد الرئيس حافظ الأسـد موعداً لي لمقابلته. فتوجّهت إلى دمشق وقمت أولاً بـزيارة نـائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في انتظار حلول موعد لقائي والرئيس الأسـد. فاتحني الأستاذ خدام في موضوع صفقة الأسلحة والمعدات للجيش، فصارحته بالأسباب التي تحملني على عدم القبول بهذه الصفقة. وأضفتُ إليها أنّ ذلك لن يكون في مصلحة سوريا. ذلك لأنّ شراء لبنان الأسلحة والمعدات العسكرية من سوريا سيطلق سيلاً من الأراجيف، ومن القيل والقال، حول عدالة الثمن الذي سيترتّب على لبنان دفعه وحول أهلية المعدات المشتراة وكفاءتها وصلاحها.
دار بين الأستاذ خدام وبيني نقاشٌ حول هذا الموضوع اعترضه رنين الهاتف في غرفة مجاورة، فتوجّه الأستاذ خدام للردّ على المكالمة الهاتفية. وبعد بضع دقائق عاد ليقول إنّ سيادة الرئيس حافظ الأسد جاهز لاستقبالي فوراً، أما الحديث الذي دار بيننا حول تسليح الجيش فعليّ أن أتجاوزه وأن لا أتطرّق إليه مع الرئيس الأسد.
رفضت تعيين سامي الخطيب مديرا للأمن الداخلي شارفت الأزمة الوطنية الكبرى على نهايتها بإعلان اتفاق الطائف في تشرين الأول (أكتوبر) .1989 فانتخب مجلس النواب الأستاذ رينيه معوّض رئيسـاً للجمهورية، ولكنه استشهد بعد مدّة قصيرة من تسلمه سدّة الرئاسة. وكان قد أجرى خلال هذه الفترة استشارات نيابية عاجلة وكلّفني على أثرها تأليف الحكومة الأولى في عهده. وبعد استشهاده سارع مجلس النواب، بهمّة رئيسه السيد حسين الحسيني، إلى انتخاب الأستاذ إلياس الهراوي رئيساً للجمهورية.
فعاد الرئيس الهراوي فكلّفني تأليف أول حكومة في عهده. وكان من باكورة القرارات التي اتّخذتها الحكومة الجديدة تعيين العماد اميل لحود قائداً للجيش. في زيارةٍ قمت بها إلى دمشق بعد ذلك فاتحني الرئيس حافظ الأسد تلويحاً بإمكانية تعيين اللواء سامي الخطيب مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي. فاعتذرت عن ذلك متمنياً التفهُّم لموقفي. وكان رئيس الوزراء السوري محمود الزعبي حاضراً اللقاء. ولدى خروجي من لقائي الرئيس الأسد لحق بي الرئيس الزعبي حتى السيارة، ففتح بابها بعد أن أغلقته وقال لي: أتمنّى عليك أن تلبّي طلب الرئيس الأسد بتعيين اللواء سامي الخطيب. فاعتذرت، شاكراً له اهتمامه. وبعد حين زارني اللواء سامي الخطيب مستوضحاً أسباب عدم قبولي تعيينه مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلــي. فقلت له :
إنّك تعرف مقدار ما أكنّه لك من تقدير واحتـرام، وأنــا لا أنكر مزايــاك العسكرية والوطنية، فالكل يشهد لك بها. ولكن التجربة القاسية التي مررنا بها خلال حقبة الانقسام حملتك على تبنّي مــواقف كان بعضها في غاية الإحراج لي.
وقد عُيّن اللواء سامي الخطيب فيما بعد، في حكومة الرئيس رشيد الصلح، وزيراً للداخلية فأشرف على انتخابات .1992 أما فيما يتعلّق بما يُقال أحياناً كثيرة عن تدخّل الســوريين في تشكيل القوائم الإنتخابية، فقد كانت لي تجربتان. في فترة التحضير لانتخابات العام 1996، أوفد الرئيـس الحريري إليَّ، وكان رئيساً لمجلس الوزراء، بعض الأصدقاء المشتركين، ومنهم الأستاذ فؤاد السنيورة، ليطرحوا معي إمكانية التحالف معه في الانتخابات النيابية، بحيث نخوضها على لائحة واحدة. فاعتذرت من منطلق أنني لا أجد ما يجمعني معه فكراً وأسلوباً وأهدافاً وإمكانات،هذا مع احترامي الكلّي لشخص الرئيس الحريري. وأردفت القول إنني إذا رافقت الرئيس الحريري في الانتخابات فهذا سيلغي حقّي في معارضة سياساته بعد الانتخابات فيما لو كان هو في الحكم وأنا في المعارضة. هذا يعني بعبارة أخرى إلغاء دوري السياسي والنيابي وجعلي في عداد الساكتين عن الخلل في أداء الحكومة أو الموالين للحكومة موالاة عمياء.
وجاء يومٌ دعاني فيه نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام (وهو المعروف بعلاقته الوثيقة مع الرئيس الحريري) إلى الغداء في مصيفه في بلودان. فوجدت عنده العماد إبراهيم صافي واللواء غازي كنعان. فدار حديث طويل وشاقّ بيننا محوره ضرورة التحالف بين الحريري وبيني في المعركة الانتخابية القادمة. فشرحت موقفي بإسهاب مُعتذراً عن عدم تلبية هذا الطلب. فقال لي الأستاذ خدّام في الختام : فليكُن ما تُريد. وقد خضنا الإنتخابات في لائحتين متعارضتين، وفزنا كلانا، الرئيس الحريري وأنا، في هذه الدورة. بعد فترة وجيزة من انتخابات العام 1996 تلقّيت دعوة للقاء الرئيس حافظ الأسد. فكان أول ما فاتحني به في بداية اللقاء قوله: إنّ إخوانك في سوريا حاولوا جاهدين أن يُرتّبوا تحالفاً بينك وبين الرئيس رفيق الحريري في المعركة الانتخابية ضماناً لمصلحتك الذاتية، ولم يكن في الأمر مأرب آخر. ولكنك، على ما قيل لي، عنيد، فلم تستجِب للمبادرة. قال ذلك ضاحكاً. فشكرته على المبادرة، مُقدّراً دوافعها، وشرحت له أسباب عدم قبولي بهذا التحالف. فلقيت منه تفهّماً وقبولاً. وفي فترة التحضير لانتخابات العام 2000 أوفد لي رئيس مكتب المخابرات السورية في بيروت العقيد رستم غزالة اثنين من أصدقائي ناقلين رغبة القيادة السورية في أن أضمّ الأستاذ ناصر قنديل إلى لائحتي للمقعد الشيعي في دائرتي. فاعتذرت لتوّي قائلاً : إنّ حليفي لهذا المقعد هو محمد يوسف بيضون، وهو رفيق الدرب منذ مُدّة طويلة ولن أتخلّى عنه. فجاء الرد سريعاً بطلب موعد لمقابلة الأستاذ ناصر قنديل.
فالتقيته في السرايا الحكومية واستمعت له ملياً وهــو يتحدث بطلاقته المعروفة.
فاعتذرت منه مردّداً إنني لن أتخلّى عن رفيق دربي. جرت الانتخابات فكانت النتيجة سقوطي ورفيق الدرب معي وفوز الأستاذ ناصر قنديل. وقيل الكثير عن تدخل السوريين في صياغة قانون الانتخابات في عام .2000 بدأ البحث في مشروع قانون الانتخابات النيابية بتشكيل الحكومة لجنة وزارية لدراسة هذا الموضوع وتقديم اقتراحات لمجلس الوزراء في هذا الشأن. وكانت اللجنة برئاسة نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية الأستاذ ميشال المُرّ. مرّت أيام ولم تلتئم هذه اللجنة، فدعوتها إلى اجتماعٍ برئاستي في السرايا الحكومية وقرَّ الرأي على تسمية الوزير الدكتور عصام نعمان مقرراً للجنة ودعوة جميع الفعاليات والمراجع السياسية والأحزاب والكتل النيابية إلى تقديم أفكار أو مشاريع قوانين في هذا الشأن. وقد تلقّت اللجنة كثيراً من الأفكار والمشاريع وأخذت في مناقشتها توصلاً إلى مشروع يمكن أن يُطرح على مجلس الوزراء. فإذا بوليد جنبلاط يشنّ حملة واسعة دعا فيها إلى اعتماد الدائرة الصغرى في الجبل. فجنح المسؤولون السوريون، على ما يبدو، إلى مراعاة مطلب وليد جنبلاط، فإذا بالأفكار تنصبّ على استحداث نظام انتخابي مبني على تقسيم سائر المحافظات تحت ذريعة المساواة بين المناطق. كنت في لقاءاتنا على مستوى الحكم أسعى إلى الترويج لمشروع ندوة العمل الوطني التي أتولى رئاستها، وهو مشروع النظام المركّب، بحيث ينتخب عدد من النواب، وليكن هذا العدد 28 بدايةً، على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة مع اعتماد قاعدة التمثيل النسبي، على أن ينتخب الباقون، أي مئة نائب، على أساس الدوائر الصغرى في كل المناطق على السواء. بذلك نتمكّن من إيجاد نواة كتلة نيابية ذات توجهات وطنية لا طائفية ولا مناطقية، ونراعي في الآن ذاتــه مطالب دعاة الدائرة الصغرى. ويمكن مستقبلاً زيادة عدد المنتخبين على أساس لبنان دائرة واحدة تدريجياً إلى أن يغدو المجلس النيابي برمّته في يومٍِ من الأيام مُنتخباً على أساس لبنان دائرة واحدة وبناءً على قاعدة التمثيل النسبي. سرعان ما تبلّغت من الرئيس لحود أن الاخوة السوريين يُحبّذون تجزئة كل المحافظات، بما فيها بيروت، إلى دوائر انتخابية أصغر، ثم وصلنا مشروع محدّد لتقسيم الدوائر حمله الوزير ميشال المُرّ إلى الرئيس لحود وإليّ. وكان معروفاً أنّ اللواء جميل السيد، مدير عام الأمن العام، لعب دوراً في إخراج هذا المشروع بالتنسيق مع المرجعية السورية في عنجر. ولم تنفع كل المحاولات التي بذلناها لاستبدال هذا المشروع بمشروعٍ آخر. وعند طرح المشروع على مجلس الوزراء اعترضت على تقسيم المحافظات دوائر صغرى، وأبديت رفضي لتقسيم بيروت حتى ولو قُسّمت سائر المحافظات. وقد طُرح المشروع على النقاش في مجلس الوزراء واعتُمد بالتوافق فسجلت اعتراضي عليه في محضر الجلسة. وبعد أن اقترن المشروع بقرار من مجلس الوزراء كان عليّ إما تبنّي القرار أو الاستقالة، إذ ليس من الوارد ولا من الجائز أن تمثل الحكومة أمام مجلس النواب إلا متضامنة في الدفاع عن المشروع. ولم يكن احتمال الاستقالة جدياً في ظل التطورات التاريخية التي كانت تشهدها الساحة الجنوبية والتي آلت إلى تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك في ظلّ تجدّد احتمال استئناف المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية بعد النجاح في ترتيب لقاء بين وزير خارجية سوريا فاروق الشرع ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك في واشنطن. فلم يكن أمامي خيار سوى القبول بالقرار والتزام جانب التضامن الحكومي. واقعتان فاتحت السوريين في شأنهما وقبل اختتام هذا الحديث عن طبيعة العلاقة مع سوريا على صعيد الممارســـة اليومية، لا بُدّ لي من الإشارة إلى واقعتين كانت لي المبـادرة في مفاتحــة المسؤولين السوريين في شأنهما. الأولى تتعلّق بتهريب المنـتجات الزراعيــة السوريــة عـبـر الحدود إلى داخل لبـنان، الأمر الذي أوجد حالة من التذمّر في أوساط المزارعين اللبنانيين خصوصاً أنّ تكلفة الإنتاج الزراعي في سوريا هي أدنى كثيراً منها في لبنان، ممّا عرّض المنتجات الزراعية اللبنانية إلى قدرٍ كبيرٍ من المنافسة غير المتكافئة في نظر المزارعين اللبـنانيين. فبعدما تلقّيت سلسلة من الشكاوى في هذا الصدد اتّصلت بمدير عام الجمارك في لبنان في هذا الشأن ثم بادرتُ، بناء على جوابه، إلى التحدّث هاتفياً مع اللواء غازي كنعان في هذا الموضوع، فأبدى تجاوُباً واضحاً وطلب تحديد نقاط أو سُبل العبور للمنتجات السورية المهرّبة على الحدود كي يُصار إلى معالجة الأمر. فاتّصلت مجدداً بمدير عام الجمارك اللبنانية وطلبت إليه تحديد نقاط العبور للتهريب وإبلاغ ذلك إلى اللواء غازي كنعان. وعند رحيل حكومتنا لم أكُن قد تبلّغت جديداً في هذا الشأن سلباً أم إيجاباً. أما الواقعة الثانية فتتعلّق بالموقوفين اللبنانيين لدى السلطات السورية. كنت قد شكّلت لجنة للتحقيق في مصير المخطوفين والمفقودين اللبنانيين خلال الحرب اللبنانية وجعلت على رأسها العميد سليم أبو اسماعيل، أحد كبار الضباط في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع في رئاسة الوزراء. وعندما وردني تقرير اللجنة الأولي، وفيه أنّ هناك 168 موقوفاً لبنانياً في سوريا بحسب إفادة ذويهم،
أوفدت قائد سرية الحرس الحكومي الرائد فارس فارس لعرض هذا الأمر مع رئيس مكتب المخابرات السورية في بيروت للنظر في ما ينبغي عمله للإفراج عن هؤلاء. فكان الجواب أن ليس في سوريا أي موقوف لبناني. ومع أن الرقم الذي تضمّنه التقرير مضخّم بعض الشيء، كان هناك في الواقع عدد لا يستهان به من الموقوفين في سوريا.
وقد أعلن في 6/12/2000 أن الرئيس بشار الأسد اتصل بالرئيس أميل لحود وأبلغه قرار سوريا تسليم جميع الموقوفين اللبنانيين في سوريا مع ملفاتهم القضائية إلى السلطة اللبنانية، وذلك تلبية لطلب رئيس الجمهورية. فتبيّن أنّ ثمّة 46 موقوفاً لبنانياً لأسبابٍ أمنيّة سلّموا إلى السـلطة اللبنانية، و 95 محكوماً بجرائم مختلفة ارتكبت على أرض سوريا، سلّمت سوريا إلى السلطة اللبنانية لوائح بهم، أي أنّ مجموع المودعين في السجون السورية كان .141 هذه الوقائع التي حرصت على سردها هُنا تنمّ بما لا يقبل الشكّ عن أنّ ما يُحكى عنه من تدخّل سوري في القرار اللبناني لم يعبُر يوماً من خلالي بل من خلال بعض القنوات الأخرى في الدولة. أما الحالات القلـــــــيلة التي تعرّضت فيها لمحاولات المراجعة مباشرة فقد كان لي منها موقف واضح وصريح ينسجم مع اقتناعاتي وكان السوريون مُتقبّلين موقفي في كل الحالات. وهذه الوقائع تُظهِر أيضاً أنّ أي رغبة قد يبديها مسؤول سـوري في شأنٍ من الشؤون ليست قدراً لا مردّ له، وهي لا تغدو في واقع الأمر قراراً إلا بتجاوب المـــــسؤولين اللبــنانيين، وهذا أمرٌ يعود إليهم، وهُم المسؤولون أولاً وآخراً عن القرار الذي يُتّخذ.