عودة خدام

محمد جمال باروت : الوطن السعودية 5/1/2006

لم يفاجئ انشقاق عبدالحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري الخبراء الذين كانوا يعرفون العديد من مؤشراته، لكنهم فوجئوا بتوقيته الذي "اختاره" خدام بشكلٍ محسوبٍ يسمح هنا بتطبيق مايسمى بـ"نظرية الألعاب" على اشتغال العوامل والفواعل والوظائف في المشهد، فلقد تزامن هذا التوقيت مع تصعيد جنبلاط- الحريري، لسقف "اللعبة" بعد تقرير ميليس الثاني "المتريث" بالدعوة المكشوفة إلى إسقاط "النظام السوري"، والمقصود بها هنا بشكلٍ رئيسيٍ قيادة الرئيس بشار الأسد وليس النظام نفسه بالضرورة، ومع تهيؤ لجنة التحقيق الدولية برئاسة المحقق البلجيكي سيرج برامرتز، وبمرافقة ميليس انتقالياً لمواصلة عملها بدءاً من حدود السادس من يناير الحالي، مركزةً محورها وفق ماهو متوقع أو مقرر على الشق السوري من التحقيق، ويأتي انشقاق خدام هنا على وجه التحديد ليؤدي وظيفة إعطاء زخمٍ "اتهاميٍ" للتحقيق، وليضعه في مرحلةٍ جديدةٍ، سيكون عنوانها خلال الشهور الستة القادمة مزيداً من الضغوط على دمشق، وإطلاق" مفاجآت" جديدة تسعى إلى "طرنبة" أوراقها.
مع أنه ليس معهوداً عن المحققين العامين في الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا رفع تقارير علنية عن موضوعات عملهم، حيث يوجهون التهم أو يطوون التحقيق، وهو ماخرقه ميليس بشكلٍ فضائحيٍ مبرراً إياه بضرورات التحقيق، بينما يقال إن نمط خليفته مختلف من ناحية احترام ذلك التقليد المرعي بقوة، فإن ما قاله خدام سيتم توثيقه كشهادة "ملك" بدرجاتٍ عليا من "الضجيج" الذي هو جزء من بلاغة اللعبة، التي أدخلها خدام في شوطٍ جديدٍ ومن هنا برز خدام على الرغم من تحوطه في بعض اللحظات أكثر "ميليسيةً" من ميليس نفسه، من دون أي ملامسةٍ لفرضية طرف ثالثٍ دخل على خط التوتر العالي بين دمشق والحريري وفجر الصاعق. فقواعد اللعبة التي توظف التحقيق لاتكترث سوى بوظائفها وغاياتها، لأنها السياسة يا.....
إن انشقاق خدام لايمكن عزله بأية حالٍ من الأحوال عن ردة فعل انتقامية لـ"استبعاده" الجاري على حلقات منذ عام 1998 من الدائرة الأساسية للغرفة الخضراء لصناعة القرار، ولاسيما صناعة قرارات السياسة الخارجية وتوجيهها، وعن تفكيك مركز القوة الثلاثية السورية "الحريرية" بمعنى ما، والذي ينتمي إليه خدام، وهو مركز (الشهابي- كنعان- خدام)، بشكلٍ استأثر فيه هذا المركز بشكلٍ تامٍ بتقرير الشؤون اللبنانية، وإلى حد أن فرع لبنان قد تمتع فعلياً إبان حكم قائده السابق الراحل غازي كنعان بنوعٍ من استقلاليةٍ ذاتيةٍ تامةٍ حتى داخل الجهاز الذي يشكل جزءاً من منظومته، في إدارة "غرفة النوم" السورية على حد وصفٍ سابقٍ لخدام نفسه للبنان. كما لا يمكن عزله عن آليات التناقض التقليدي التي تسود عادةً النخب البيروقراطية العليا في النظم التسلطية في الصراع الضاري على كعكة النفوذ والقوة، وهو مابرز في إطلاق عصابيته الانتقامية من خصمه اللدود وزير الخارجية فاروق الشرع إلى أقصاها، وهي عصابية ليست جديدة بل إنها معروفة بشكل تفصيليٍ قبل انشقاق خدام، لكنه عبّر عنها بعد الانشقاق بطريقةٍ فاقعةٍ. وليس لها صلة بخلافٍ جوهريٍ سياسيٍ بل بمنطق الصراع التقليدي بين النخب، وتقدير أوزان اللاعبين اللبنانيين في سلطة الإدارة المشتركة للبنان قبل القرار 1559، فلقد برز خدام طيلة فترته العصابية مع الشرع على أنه الأكثر تشدداً منه في قضايا السياسة الخارجية وما يسمى بالثوابت، وخلافاً لما أظهره في الفضائية، وبغض النظر عن تقويم أداء الشرع، كان خدام في تلك المواقف على يمين الشرع.
إذا كانت الأسباب" الحريرية"- وهي أكثر بكثير من أسباب شخصية- تحضر بقوةٍ لا لبس فيها بانشقاق خدام، فإن توقيت هذا الانشقاق الذي شكلته موازين قوى وتشاورات وضمانات ليس مستقلاً أبداً بهذا الشكل أو ذاك عن سيناريوهات غرفة العمليات الدولية لمايسمى بـ"التغيير السياسي في سوريا"، ولاسيما بعد القرار 1559، والتي ظلت تنوس وربما مازالت تنوس حول شكل التغيير بين فكرة التخلص "الجراحي" من النظام التي يذكيها بعض راديكاليي الإدارة، وبين فكرة إضعافه وإنهاكه وتطويقه وجعل "الثمرة" تتساقط من تلقائها، وبين التعويل على احتدام تناقضات داخلية حادة تودي به من خلال انقلابٍ داخلي يقوم به مركز قوة ضد الرئيس، أو من خلال الرهان على انقضاض القوات المنسحبة من لبنان على القصر، وبين "ترويض" سياساته الإقليمية المعكّرة لعملية إعادة تنظيم الشرق الأوسط، وإرغامها على التكيف مع السرير الاستراتيجي الأمريكي واستطراداً عبر أطلسي الجديد لها، فما كان ممكناً للنائب أن يحرق السفن مع النظام الذي كان على مدى ستة وثلاثين عاماً على الأقل وحتى عام 2000 على الأقل من "أصحابه" الفعليين، وبقي حتى يونيو الماضي من القيادات المؤثرة فيه، ومن أبرز الغانمين لريعياته التي يمكنك أن تراها بالعين المجردة منتصبةً في سلسلة الوكالات والمطاعم والشركات والقصور ومجمع بانياس والمرفأ الخاص به، بمعزلٍ عن تلك السيناريوهات التي من الطبيعي أن تعمل أطرافها اللاعبة والوازنة بطرقٍ خاصةٍ من طرق المافيا أو" الجماعة المنظمة"، في حبك القصة أو اللعبة.
إن التعويل على خدام- الشهابي في موضوع القيادة البديلة لم يكن سراً أبداً في الدائرة الجنبلاطية- الحريرية، وربما تكمن هنا كلمة السر في توقيت تصعيد النبرة لإسقاط "النظام الإرهابي" قبل "مقابلة" خدام، بل إن جنبلاط تعمد أن يوجه في شكل وجهة نظر "رسائل" ضمنية إلى دمشق بذلك، عبر طرق عديدة كان من بينها جورج غالاوي إبان زيارته الأخيرة لبيروت ودمشق، ولقد عرفناها نحن المحيطين بهذا الشكل أو ذاك بغالاوي من غالاوي نفسه، وهو ما فهم منه يومئذ ثلاثة تقديرات: عملية تسليف مقدماً لدمشق مقابل ثمن معين، أو كشف حساب بمدى ما يمكن أن يبلغه الصراع، أو "برقية" تقليديةً من برقيات الوليد. ولقد تسربت في حدود أغسطس- سبتمبر من العام الماضي إشارات معينة عن حركة اتصالات مع ثنائي خدام- الشهابي، لكن العماد أول الشهابي نفى يومئذ رسمياً في تصريحٍ مقتضبٍ صحة ماقيل عن حركته، و"تآمره على بلاده"، في حين كانت المؤشرات تؤكدها.
مع ذلك قد تكون تلك الإشارات والتسريبات من باب "يوميات" الكلام السياسي وما أكثره، غير أن التقرير الأخير "سوريا والتغيير السياسي" لمعهد الولايات المتحدة للسلام، الذي حرر ملخصه التنفيذي كل من سكوت لاسنسكي ومنى يعقوبيان- وهو معهد مرموق يسمي الرئيس الأمريكي أعضاءه الثمانية في ضوء موافقة فردية لكل عضوٍ من أعضاء مجلس الشيوخ على عضويتهم- وهو بمثابة أول تقرير للمعهد عن سيناريو التغيير في سوريا، يشير إلى حركة عبدالحليم خدام والعماد أول حكمت الشهابي في موضوع القيادة البديلة، والربط على نحو افتراضيٍ تفضيليٍ مابين تلك الحركة وبين موت وزير الداخلية السوري غازي كنعان، وربط ذلك كله بتقدير ندوة المعهد أنه ربما على صلة بأنهم" يخططون لانقلاب".
إن ماقدمه "النائب" من عرضٍ مسهبٍ لوجهات نظره في سياسات واستراتيجيات الدولة وحبكات الفساد وخط الفقر يرتقي في قواعد اللعبة إلى طرحٍ برنامجيٍ لما يسمى أمريكياً بالقيادة البديلة، في مرحلة تدويل الضغوط الأمريكية- الفرنسية على سوريا، وهو ما يفترض بالضرورة إقناع النائب أو اقتناعه أو حصوله من الفاعلين في غرفة العمليات الدولية على نوعٍ ما من "الضمانات" باعتماده لذلك، مقابل "بيع" شهادته للجنة التحقيق الدولية في ضوء أسبابه" الحريرية" التي لايمكن أبداً طرحها من القصة، في سبيل ما يمكن أن يبرره بأنه "مصلحة سوريا"، وذلك في ضوء فرضية جعل العامين 2006-2007 فترة الحسم في ذلك، ومن هنا يمكن تفسير ما في حيثيات كلامه من "رسائل" تنطوي على جعله نقطة إجماع يجد فيها بقية اللاعبين محلاً لهم فيها، وفي مقدمتها الادعاء بتقديم نصيحة باتباع مبدأ الحوار وليس الممانعة مع واشنطن، وتغطية حديثه بـ"ميرونةٍ" ديمقراطيةٍ وإصلاحيةٍ ومؤسسيةٍ وعروبيةٍ جديدةٍ تعترف بالأقليات، وتطلق الإشارات لموقف إيجابي من الطيف الكردي والإخواني والسياسي العام للمعارضة السورية، وتنطوي على ترجيعٍ بعيدٍ لوتريةٍ طائفيةٍ خفيةٍ جداً، والبروز بمظهر "الإصلاحي" الذي شوهته حسب رأيه دعايات الأجهزة بوصف "الحرس القديم" المعرقل للإصلاحات، وربما سيظهر أكثر في رسائل قادمة كشف عن علاماتها في المقابلة أنه المنقذ للنظام مما يسميه بالحلقة الضيقة. وفي ذلك سيواجه خدام على الأقل في المدى المنظور بالارتياب من الجميع، فالنظام يراه "خائناً" بينما يمكن للمعارضة أن ترى فيه محاولةً لقطع الطريق على التغيير، وأنه ليس سوى محاولة يائسة لـ"إنقاذ النظام" الذي كان من "أصحابه" والمنتفعين الشبكيين منه، في حين أنه نفسه ليس له من قاعدة، فالحريرية بنت في لبنان مدارس وقدرات بشرية وتمكنت من الاندماج في النسيج الاجتماعي اللبناني، وتغيير موازين القوة فيه، وتحولت إلى تيارٍ حقيقيٍ فيه، لكنها لم تبن في سوريا غير مصالح مادية انتفاعية مباشرة لمركز القوة الثلاثي الذي شكل خدام نقطة بيكاره السياسية القوية.
إن قواعد اللعبة التي يبدو أن النائب قد اعتقد أن نهايتها مشرفة على الدخول في ربع الساعة الأخير تتطلب تلك "التبلة" أو تلك "الميرونة" الأساسية بغض النظر عن مدى هشاشة رصيدها الفعلي في مواقف النائب وسياساته، الذي تحول من صاحب الصوت الإصلاحي الأعلى في حقبة الثمانينيات إلى واحدٍ من عتاة المحافظين بعد انتقال السلطة في سوريا، على عكس ما ادعاه تماماً، فمن عطّل إقرار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعته اللجان "الفنية" التي شكلتها الحكومة يومئذ لم يكن الحكومة بل النائب نفسه الذي قرع جرس الإنذار من تعبير اقتصاد السوق أينما ورد في البرنامج، ومن وضع سقف الشهور الستة لانتظار ما سيتمخض عن الحراك الثقافي- السياسي، وتصدر زئير "الجزأرة" والحملة على النشطاء لم يكن إلاه. وطرح النائب ذلك كله من منطلق الحفاظ على النظام وتجنيبه الهزات.
إن قواعد اللعبة لاتكترث بذلك، بقدر ما تكترث بالوظائف الإجرائية- السياسية التي تتوخاها اللعبة من كلام خدام عبر منصة لجنة التحقيق، سواء احتملها التحقيق أم تم تلبيسه وتقويله بها من قبل اللاعبين الذين يستخدمونه. في هذا السياق لن يكون ما قاله النائب على الفضائية آخر ما قاله، بل ستعقبه في حال استمرار الوضع الراهن أقوال أخرى، كما لن تكون جملة الاتصالات التي أفضت إلى ظهور النائب على الفضائية آخر اتصالات وظهورات، بل سيعقبها انبساط مسرح اللعبة لانخراط عديد من اللاعبين الباحثين عن دور لهم في مرحلة يبدو أن النائب سيتصدر فيها وجه الزعامة، فمع توقيت النائب لانشقاقه في مرحلة استئناف لجنة التحقيق لعملها وبحثها عن مزيدٍ من "الأدلة" و"الشهادات"، صار من الممكن أن نفهم بوضوح مغزى وخلفيات تصعيد جنبلاط- الحريري لخط التوتر العالي مع دمشق، وطرح "إسقاط نظامها"، ومحاولة الضغط على "التهدئة" التي مثلها قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، لكن لاشيء يضمن في رمال اللعبة المتحركة بمفاجآت عديدة محتملة، وانحطاط السياسة إلى مؤامرات وتدليسات وعُصابات انتقامية وممارسات تسلطية عدم تطابق حساب الحقل مع حساب البيدر، فنظرية الألعاب هنا في التفسير أجدى من الناحية المنهجية من نظرية السياسة وحدها.