سوريا مطالبة بفك تحالفها مع إيران و<<بورصة>>

الضغوط تتحكم بها مؤشرات الرفض أو التجاوب زيارة سترو جزء من مبادرات ل <<فصل المسارات>>

جورج علم السفير

 

يلتقي موقف وزير خارجية بريطانيا جاك سترو في بيروت، مع الذي أبلغه الرئيس جاك شيراك الى صديقه الرئيس حسني مبارك في باريس: <<لا استهداف للنظام في دمشق، لكن لا صفقة على حساب الحقيقة، وعلى سوريا ان تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية، وفق السقف الذي حددته ترويكا القرارات 1595، و1636، و1644، الصادرة عن مجلس الامن>>.
يشكل هذا الموقف عنوانا تفصيليّا، وفق ما يقال في مجالس ضيقة، وان العنوان العريض، محوره البرنامج النووي الايراني، وهناك شبكة واسعة من الاتصالات الدولية الاقليمية تنشط منذ فترة لحمل إيران على الامتثال للمعايير التي حددتها وكالة الطاقة الذريّة، وإلا تصبح الخيارات الاخرى متاحة؟!.
يضاف أيضا، ان حركة المبادرات التي نشطت بعد صدور القرار 1636، أهدافها متعددة، إحداها وربما أبرزها محاولة إحداث فك ارتباط في التحالف اللبناني السوري مع إيران، والسعي الى إحداث <<فصل في المسارات>>. هذا يعني ان الجهد يتركز على سوريا النظام، وأن القرار 1644، الذي جاء مخففا في لهجته ومضمونه وتوجهاته، وأقل حدّة و<<عدوانية>> من القرار 1636، هو لتشجيع سوريا، وحملها على إعادة صياغة موقفها وخياراتها، وإذ باتت الاهداف واضحة، فإن كل الاسلحة مبرر استخدامها في هذه المعركة، بما في ذلك سلاح الضغط الذي يمكن استخدامه ضدها انطلاقا من تقريري رئيس لجنة التحقيق الدولية، السابق، القاضي الالماني ديتليف ميليس، اللذين وضعا سوريا في دائرة الاشتباه، وحتى الاتهام، بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ماذا في التفاصيل أيضا؟.
في عودة الى موقف سترو، والرئيس شيراك، من النظام السوري، هناك من يقول إن زيارة الوزير البريطاني، وتطوافه على بعض المسؤولين والفعاليات الروحيّة، والسياسيّة، غير بريئة، وهي من حيث بعدها الاستراتيجي، تدخل في إطار هذا السيناريو العريض الهادف الى إحداث نوع من الهدنة على مستوى العلاقات اللبنانية السورية المتوترة، كمرحلة اولى، تمهيدا لمراحل لاحقة، تهدف الى إرسائها على قواعد ثابتة، وباقتناع وقناعة كل من المسؤولين في البلدين، ولكن بعد توافر شرطين أساسيين: أن تتجاوب سوريا مع لجنة التحقيق، وتقدم المتورطين الى العدالة، إذا ما ثبتت إدانتهم، مقابل حماية النظام، ورأس هرميته. ثم التفاهم معها على دور إقليمي يحفظ لها في المنطقة، إذا ما قررت وأقدمت على لتخاذ مجموعة من القرارات والخيارات الصعبة، بينها فك تحالفها الاستراتيجي مع طهران، وذلك لرفع منسوب الضغوط على الاخيرة لحمل المسؤولين الايرانيين على التجاوب مع المعايير الغربية المطلوبة، والمحددة للبرنامج النووي الايراني السلمي؟!.
ليس من دليل قاطع، ومحدد، لاكتشاف مدى دقة وواقعية هذه الافكار والخيارات المتداولة في كواليس ضيقة، لكن ما يقال أيضا أن زيارة سترو الى بيروت، في هذا التوقيت بالذات، تأتي كجزء متمم لحركة الاتصالات، والمبادرات الناشطة على المستوى الاقليمي الدولي، لاحتضان الوضع الداخلي المأزوم في لبنان، سواء داخل الصف الحكومي، او بين الحكومة، والمعارضات الاخرى. وأيضا لاحتضان العلاقات اللبنانية السورية، التي تتهاوى بشكل سريع ومريع نحو المزيد من التعقيد، والتصعيد، والعدائية.
انطلاقا من ذلك، لا يمكن فصل زيارة سترو عما قيل وتردد عن مبادرة عربية كان يستعد لها الامين العام لمجلس الجامعة عمرو موسى، ثم عن مبادرة مصرية قد يسعى الى التمهيد لها، ومن ثم تسويقها، مدير المخابرات اللواء عمر سليمان، في اتجاه كل من بيروت ودمشق، وربما عواصم أخرى أيضا.
كما لا يمكن فصل الزيارة عن القمة المصرية السعودية التي عقدها الرئيس حسني مبارك مع الملك عبد الله بن عبد العزيز، والدعوة الى وقف الحملات الاعلاميّة بين لبنان وسوريا، ولا عن القمة المصرية الفرنسية، التي جاءت من حيث توقيتها او مضمونها استكمالا للقمة المصرية السعوديّة، وتوجهاتها؟!.
يضاف على هذه الطفرة من الاتصالات والمبادرات بعضها معروف ومعلن، وبعضها الآخر غير معلن المواقف التي أكد عليها سترو أمام بعض من التقاهم في بيروت:
حول القرار 1559، أكد سترو إصرار بريطانيا والمجتمع الدولي، على وجوب تنفيذه، ولم يأت بأي جديد يمكن أن يرسخ قناعة ما بوجود شيء من التساهل او <<التراخي>> في الموقف الدولي من <<وجوب تطبيقه>>. إلا أن سترو أوحى بالمقابل بأن هذا القرار لا ينص في مضمونه على فترة زمنية محددة لوضعه موضع التنفيذ، وأوحى أيضا بأن الحوار هو الطريق الامثل لمعالجة سلاح <<حزب الله>>، والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وداخلها. وأوحى أيضا وأيضا، تفهمه لحساسيّة الساحة اللبنانية، ولهشاشتها، وأهمية التمسك بالحوار كوسيلة وحيدة لمعالجة هذه المشكلة، لا بل كل المشكلات الاخرى، حتى لا يؤدي اللجوء الى وسائل بديلة، الى تعميق الشرخ بين اللبنانيين، والاطاحة بالسلم الاهلي.
وذهب سترو في بعض المجالس الى الاشادة بانخراط <<حزب الله>> في الحياة العامة، والى الأداء الديموقراطي الذي يمارسه ان في الحكومة، او في مجلس النواب، ودعا الى تشجيع هذا النهج، وهذا الخيار.
حول الحقيقة، شجع سترو الجهود التي تبذل لإحداث فصل بين مسار التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والأولويات الامنية والسياسيّة والاقتصادية الاخرى التي يفترض بالحكومة ان تتصدى لها. وإذ اكد على دعم الحقيقة، ومسار التحقيق، والدور الذي يضطلع به الفريق الدولي، وتقديم كل وسائل الدعم له لإنجاز مهمته على أكمل وجه، أكد بالمقابل أن لا مؤتمر دوليا لدعم لبنان، إذا ما استمرت التوترات الامنية والسياسيّة، وغابت المعالجات الجديّة والناجعة، وإذا لم تتمكن الحكومة من إعداد السلّة الاصلاحيّة التي يفترض إعدادها، ليصار في ضوئها الى توجيه الدعوة، وتحديد المكان والزمان لعقد هذا المؤتمر.
وقال بصراحته المعهودة، انه هنا في بيروت لدعم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، والجهود التي تضطلع بها، والتحديات التي تواجهها، إلا أن هذا الدعم يجب ألاّ يفسر من قبل اي فريق، بأن هناك من هو مستعد حقا للحلول مكان اللبنانيين في إعادة بناء دولتهم ووطنهم. إن المسؤولية في ذلك هي مسؤوليتهم بالدرجة الاولى، وهذه لا يمكن ان تمارس إلا في إطار من الحوار الهادئ، الرصين، الهادف، لكي يتفاهموا في ما بينهم على أي لبنان يريدون؟، وأي دور يريدونه لهذا اللبنان في محيطه والعالم.
أما في ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية السورية، فقد أكد الوزير البريطاني أنها شأن اللبنانيين والسوريين. لكنه لم يتوان عن تحديد بعض الأطر كالقول مثلا، إن سوريا لا يمكن ان تتنصل من التعاون مع لجنة التحقيق، ولا بدّ من ان تتحمل مسؤولياتها كاملة على هذا الصعيد، وبشفافية مطلقة، ذلك ان التعاون هو وحده ما يبرئها، إذا كانت بريئة فعلا من ارتكاب هذه الجريمة. كما لا يمكن لسوريا ان تتنصل من مطالب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، إذا كانت مقتنعة فعلا بإقامة علاقات نديّة مع لبنان، هدفها حماية وتفعيل المصالح المشتركة بين البلدين على أسس متوازنة، وقائمة على الاحترام المتبادل.
وإذ أشار الى أنه لا يمكن توفير الامن والامان والاستقرار في بلد على حساب الفوضى والاضطرابات والاغتيالات في بلد آخر، أكد أن استقرار لبنان هو من استقرار سوريا، والعكس صحيح، لذلك لا بدّ من أن تنطلق المبادرات من هذه القناعات، والمسلمات تحديدا.
وما لم يقله سترو في بيروت، أكدت عليه جهات دبلوماسية اخرى، وهو أن زيارته تدخل كجزء من تحرك أوسع وأكبر وأشمل لإطلاق مبادرة تتدرج بعناوينها العريضة من إيران، لتتماهى بالتفاصيل الصغيرة للشؤون والشجون اللبنانية، من منطلق الحرص على وضع القرارت الدولية موضع التنفيذ، ثم الحرص على مؤتمر دولي لدعم لبنان عندما يصبح الوضع اللبناني الداخلي مؤهلا لهذا الدعم؟!.