قيل في بيروت

جوزف سماحة - السفير

هذا كلام قيل في بيروت. <<قبل أن تطرحوا عليّ أي سؤال أود التحدث عما يجري حالياً في إسرائيل. كان أرييل شارون زعيماً عملاقاً، ليس فقط في إسرائيل بل في هذه المنطقة بأسرها. كان يعمل كرئيس للوزراء في الأعوام الأخيرة بشجاعة وبنضوج من أجل حل للعلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين مما أكسبه احتراماً هائلاً من العالم بأسره. استمعت إلى ما أذاعوه من أنهم يصلّون لحصول معجزة لاستعادة شارون صحته بالكامل. ونحن أيضاً نأمل ونصلي من أجل حصول تلك المعجزة. وفي غضون ذلك إن صلواتنا وآمالنا هي أيضاً مع عائلة شارون وأصدقائه ومع شعب إسرائيل>>.
المتحدث: وزير الخارجية البريطانية جاك سترو.
الخلفية: العلم اللبناني.
المضيف: وزير الخارجية اللبنانية <<المعتكف>> فوزي صلوخ.
المكان: قصر بسترس. على بعد أمتار قليلة فقط من أحد المطاعم المفضلة لأرييل شارون عندما غزا لبنان وكان يحضّر مع حفنة من عملائه احتلال بيروت.
لم تستفز وقاحة سترو الزملاء الصحافيين فسألوه عن انعكاسات غياب شارون ومصير الانتخابات في إسرائيل. وجدها مناسبة للإشادة ب<<الديموقراطية الاسرائيلية المرنة>> وكرر الصلاة من أجل أن يسترد شارون <<عافيته>> واستطرد <<إن القرار الذي اتخذه شارون في مبادرته للانسحاب من غزة ومن المستوطنات من الجزء الشمالي للضفة الغربية كان ينشد من ورائه تقارباً مع الفلسطينيين. هذا القرار كان مثيراً للجدل في اسرائيل ومع ذلك لقي استحساناً للجهود الفائقة التي بذلت في داخل إسرائيل، وهذا الدعم شارك فيه قرار أرييل شارون الذي أدى الى الانتصار التاريخي لحزب الليكود>>.
لا أحد يجادل في حق وزير الخارجية البريطانية أن يعبر عن سياسة بلاده. ولا أحد يمنعه من إسباغ الصفات التي أسبغها على شارون. ولا أحد يعتقد أن سترو كان سيقول شيئاً آخر غير الأكاذيب التي قالها حول الانسحاب من غزة وأهدافه وهي أكاذيب يعرف حقيقتها أي تلميذ في العلوم السياسية، ويمكن لشارون أن يعتبرها تهمة لا يريدها. لا أحد يجادل في ذلك كله، ولكن...ولكن هل يعقل أن يتحدث الوزير اللبناني عن أمور كثيرة، قبل سترو وبعده، من دون أن يبدي تحفظاً واحداً حيال شارون، ومن غير أن يميّز تقديره لشخصه وسياسته عن تقدير الوزير البريطاني؟
إن وطنية الوزير صلوخ فوق الشكوك. إلا أن ما تتوجب الإشارة إليه هو أننا نعيش مناخاً معيناً في لبنان.
إن هذا المناخ يجعل من <<الصديق>> سترو يعتقد أنه يكفيه أن يعد ببعض المساعدة حتى يتجاهل تماماً خصوصية العلاقة بين شارون وبيروت ويتفوّه بالحقارات التي تفوّه بها.
وهذا المناخ، نفسه، هو الذي جعل الوزير اللبناني يتجنب الرد الذي كان يمكنه أن يشوّش على الزيارة.
وهذا المناخ هو الابن البار ل<<الثورة المضادة>> التي نعيش في لبنان والتي تجعل من العاصمة مدينة <<نصف مفتوحة>> يمتدح فيها، وأي مدح، من حاصرها، وأحرقها، واحتلها، وانتهكها، وارتكب المجازر فيها، و<<طرد>> منها القوات الفلسطينية قبل أن يعود، بعد سنوات، إلى تنفيذ مشروعه الأصلي في <<الإبادة السياسية>> للشعب الفلسطيني.
في زمن آخر، ليس بقديم جداً، كان الرد سيكون مختلفاً وكان سترو، بدبلوماسيته، أدرك أن عليه، كصديق، أن يزن تعابيره، وأن يعتبر أن جلافة الخطاب الامبراطوري يمكنها أن تكون استفزازية. لم يخطر في باله لحظة أن الدولة اللبنانية قد تستاء من نبرته العالية، وأن هناك في لبنان من لا يزال معنياً، لا بالمصير الفلسطيني فحسب، بل بحماية ما تبقى من إرث وطني.
في الحقيقة لم يفعل سترو سوى إهانة ذاكرتنا التي نهينها يومياً في هذا المسعى المحموم إلى إعادة صياغتها، وإلى إسقاط لحظة حرجة من تاريخنا عليها، وإلى التأسيس، عبر ذلك كله، لأرجحية ثقافية تتشكل من سقط المتاع من <<اللبنانوية>> و<<العنصرية>> و<<العداء للوطنية والقومية>>.
إننا نسمع، باستمرار، تصريحات مضحكة حول <<رفض فحص الدم>>، وحول <<العروبة الحضارية>>، وحول <<رفض المزايدة علينا>>، إلخ... لكننا نعاين انزلاقاً دؤوباً نحو موقع آخر. ويزداد هذا الانزلاق حدة وسرعة بقدر ما يؤمن له التائبون، والمرتدون، والموتورون الجدد، تغطية.
يمكن الرهان أنه بين كل الذين التقاهم سترو لم يقترح عليه أحد وضع باقة ورد على الأضرحة في صبرا وشاتيلا. هناك من يخجل من شهداء الأمس وهو ينظر في عيون حلفاء اليوم. هذه العيون التي لم تعرف التوبة.