لماذا انشق أفضل بياع لسياسة حافظ الأسد ؟

د. خالد الدخيل - الاتحاد

 

سيقال، وسيكتب الكثير عن حديث عبدالحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري لماذا انشق؟ وكيف؟ ولماذا الآن؟ وما هي التداعيات التي سوف تترتب على هذا الحديث؟ وهو حديث من وزن ثقيل بثقل موقع الرجل، وحديث غير مسبوق في جرأته، ومن حيث دلالته السياسية، وما جاء فيه من أقوال خطيرة تتعلق بالنظام السوري، وعلاقته بلبنان من هذه الناحية كان الحديث غير مسبوق في تاريخ السياسة العربية لم يحدث من قبل أن انشق شخص بمركز وأهمية عبدالحليم خدام عن النظام الحاكم، ويعلن معارضته له من الخارج أهمية الحديث وخطورته تنبع من ثلاثة أمور: الأول عبدالحليم خدام نفسه، والثاني رد الفعل السوري، الرسمي وغير الرسمي، والثالث التداعيات التي سوف يتركها الحديث على النظام السوري، وعلى المستقبل السياسي لرئيس النظام، ولسوريا بشكل عام
يصف السياسي اللبناني، كريم بقرادوني، وأحد المقربين من سوريا، عبدالحليم خدام عندما كان وزيرا للخارجية بأنه ''داعية فطن وأفضل بياع لسياسة حافظ الأسد'' قال ذلك في سياق كتابه ''السلام المفقود''، عن رئاسة إلياس سركيس، رئيس لبنان ما بين 1976 و1982 يضيف بقرادوني أنه ''خلال ما لا يقل عن خمسين اجتماعا اكتشفت أنه من طينة الرجال الذين يدافعون عن مواقف بلادهم بكل إيمان وحزم، وبغطرسة وشراسة يفهم بنصف كلمة وحتى بالإشارة متصلب ومكابر يبدأ دائماً بالرفض، ويلعب قصداً دور محامي الشيطان مما يتيح لرئيسه أن يقوم بالدور الإيجابي والطيب'' هكذا كان خدام، ركيزة للنظام، وحليفا أمينا لرئيس النظام، حافظ الأسد كيف انشق رجل بهذه المواصفات، وبهذا الإيمان بالنظام؟
لابد أنها كانت مفاجأة صاعقة للقيادة السورية الجديدة أن يلجأ خدام تحديدا، ليس فقط إلى الانشقاق العلني عن النظام، بل أن يعلن ذلك في الخارج، وأمام العالم كله، ومن خلال مرافعة طويلة على محطة ''العربية''، تحدث فيها عما آلت إليه أمور النظام تحت قيادة بشار الأسد: استبداد وفساد، وانفراد بالسلطة، وتهميش لمؤسسات الحزب، وفقر متفش بين الشعب مقابل ثراء فاحش لجماعة السلطة الأخطر من ذلك ما قاله خدام عن طبيعة الدور السوري في لبنان، وبشكل خاص عن الإهانات والتهديدات التي كان يتعرض لها ساسة لبنان، وفي مقدمهم رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، على يد بعض المسؤولين السوريين، بمن فيهم الرئيس الأسد نفسه الخطورة أن هذا التصريح يدعم اتهامات التقرير الدولي بتورط سوريا في اغتيال الحريري بهذا الموقف يصبح نائب الرئيس، وأحد أعمدة النظام لأكثر من ثلاثين سنة، الشاهد الأهم، أو الشاهد الملك كما يقال، ضد النظام السوري في التحقيق الدولي
كان الاعتقاد أن تراجع الشاهد المقنع، حسام حسام، ضرب مصداقية التحقيق، والمفترض نتيجة لذلك أن تبدأ الضغوط على سوريا بالتراجع لكن خدام ظهر فجأة وقلب الطاولة، وجعل النظام السوري في موقف دفاعي أصعب بكثير مما كان عليه وهذا طبيعي لأنه لا يمكن مقارنة شهادة حلاق، وعميل مخابرات مزدوج مع شهادة نائب رئيس سمح له موقعه أن يطلع على مدى أكثر من ثلاثين سنة على أهم وأخطر أسرار النظام وخباياه لعبة الشهادات هنا تجعل الأمر يبدو أننا أمام لعبة سياسية مريرة، وحرب إرادات تختلط مع حرب استخبارات شرسة، حبلى بمفاجآت كثيرة يجب أن نتذكر أن حكمت الشهابي، رجل آخر من رجالات حافظ الأسد، اختار، كما فعل خدام، أن يغادر سوريا، ويقيم في الخارج لعدة أشهر الآن هل يحذو الشهابي حذو خدام ويفجر قنبلة أخرى؟ أم يسلك طريقا معاكسا لذلك تماما؟ لابد أن هذا واحد من الأسئلة المقلقة في دمشق هذه الأيام أن يلجأ قيادي بحجم خدام، والمعروف بولائه للنظام السوري ليقول الكثير عما انتهى إليه هذا النظام بعد وفاة مؤسسه، حافظ الأسد يطرح علامة استفهام بحجم تاريخ النظام نفسه يأتي انشقاق خدام في سياق أحداث وتطورات مرتبطة بالسياسات السورية على المستويين المحلي والإقليمي مع بداية حكم بشار كان هناك حديث عن إصلاح اتضح أنه لم يكن أكثر من ذلك أعقبته اعتقالات للمثقفين السوريين فيما عرف بربيع دمشق، وانتحار رئيس الوزراء، محمود الزعبي تحت شبهة الفساد بعد ذلك جاء اغتيال الحريري في لبنان تحت مظلة الهيمنة السورية هناك، ثم سلسلة الاغتيالات التي تلته شبهة التورط السوري في كل ذلك، وانسحاب الجيش السوري تحت الضغوط الدولية انتهت إلى أن سوريا خسرت لبنان، عمقها الاستراتيجي المباشر، وحليفها الوحيد في منطقة الشام في السياق نفسه انتحر وزير الداخلية السورية في ظروف غامضة أخيرا وفي خضم كل ذلك يأتي انشقاق خدام كل ذلك مرتبط وبشكل مباشر بسياسات النظام السياسي في دمشق، مما يشير إلى حجم المصاعب التي يواجهها النظام على المستويين المحلي والإقليمي والغريب أن السؤال الملح، الذي يجب أن يشغل بال القيادة عن المسؤول عن كل ذلك، غير مطروح
الانشقاق يؤكد ما كان يقال عن صراع بين الحرس القديم والجديد داخل النظام، ومن الواضح أن هذا الصراع شكل خلفية إبعاد أو تهميش كل رجالات حافظ الأسد، أو الحرس القديم ما قاله خدام في حديثه للعربية يكشف أنه كان يتعرض لعملية إبعاد وتهميش مؤدبة، لكن قسرية في الوقت نفسه وإبعاد أو ابتعاد الآخرين، مثل علي أصلان، وعلي دوبا، وحكمت الشهابي، يشير إلى أن خدام لم يكن الوحيد الذي تعرض لذلك لكنه الوحيد، حتى الآن على الأقل، الذي قرر أن يعلن احتجاجه ورفضه لذلك، وربما انتقامه من ذلك رد فعل النظام السوري على انشقاق خدام يكشف بكل وضوح أنه في حالة ارتباك، وأنه أخذ على حين غرة بما حدث فمن ناحية، لزمت القيادة السياسية الصمت تماما حتى الآن، وتركت رد الفعل لمجلس الشعب الذي انخرط في مسرحية شتم مشينة لا تليق بما يفترض أن يكون هيئة تشريعية ممثلة للشعب السوري والغريب أن ما قيل عن فساد خدام لا يدين الأخير فقط، بل يدين النظام نفسه وبالتالي فإن المطالبة بمحاكمة خدام ليست أكثر من انخراط في عملية هستيريا جماعية، تتكامل مع ما يمثله الانشقاق من حالة تفسخ للنظام ذاته، أكثر مما هي خيانة له من قبل من كان أحد رموزه والأغرب من كل ذلك ما قاله عضو في المكتب السياسي للبعث من أن خدام كان عميلا نائما داخل النظام السوري عميل لأكثر من خمس وثلاثين سنة؟ ولا يتم اكتشافه إلا بعد خروجه، وإعلان انشقاقه؟ هذا يدين النظام قبل أن يدين خدام محاولة وصف خدام بأنه عميل خان بلده، كما يقول أعضاء مجلس الشعب السوري ليست أكثر من خطابية سياسية مكشوفة، هدفها التغطية على فشل النظام في الداخل والخارج معا، وللتمويه على مسؤوليته عن ذلك انشقاق خدام مؤشر على هذا الفشل وتلك المسؤولية والفشل هنا ليس لأن النظام خسر بانشقاق خدام أمانة هذا الأخير ونزاهته، ومواقفه المستنيرة من قضايا الحرية والمساواة، أبدا انشقاق خدام علامة على فشل النظام في كسب حتى من يشاركونه أخلاق الاستبداد والفساد ومن قال بأن خدام آخر من يحق له الحديث عن الاستبداد والفساد في سوريا محق في ذلك، لكن المشكلة أن هذا يقال كغطاء لفشل النظام وليس انتصارا للحقيقة والحرية في سوريا وإلا فإن أهمية ما قاله خدام في حديثه المهم تأتي تحديدا من أنه كان أحد أعمدة النظام، وفي موقع يسمح له بمعرفة الكثير السؤال: هل إن ما قاله عن النظام، وعن سياساته في سوريا، وفي لبنان صحيح أم لا؟ وإذا كان صحيحا، هل يملك النظام شجاعة الاعتراف بذلك؟
أول تداعيات حديث عبدالحليم خدام أن اللجنة الدولية طلبت التحقيق مع كل من الرئيس السوري ووزير خارجيته مثل هذه التداعيات السياسية للحديث، تمثل علامة أخرى على أمرين مهمين: تداعي هيبة الأنظمة السياسية العربية من ناحية، وتآكل الشرعية الإقليمية والدولية للنظام في سوريا تآكل هذه الشرعية كان بداية النهاية بالنسبة للنظام العراقي السابق هل نحن أمام تكرار للحالة نفسها؟ تفصيل ذلك في المقالة القادمة