من المشهد السياسي السوري

سليمان يوسف يوسف : ( كلنا شركاء )

ثمة جدل واسع يدور هذه الأيام حول (المشهد السياسي السوري)،سلطة ومعارضة ومجتمع مدني،حيث تتشابك عناصره وتتداخل في حركة ضبابية متموجة، غير محددة الاتجاه والأهداف،في ظروف وأوضاع، محلية وإقليمية ودولية، صعبة ومقلقة،ليبدو هذا (المشهد السوري)،وكأنه قدر تاريخي أو حلقة فيمع مسلسل طويل ومخيف اعد لمنطقتنا المبتلية بكل أشكال العنف والإرهاب والبؤس والاستبداد.هذه الأوضاع القاتمة،دفعت غالبية تيارات (المعارضة السورية) للالتقاء والحوار فيما بينها حول المستقبل السياسي للبلاد أثمرت،في السادس عشر من تشرين الأول الماضي، عن إصدار وثيقة سياسية ( اعلان دمشق) أكد الموقعون عليها على أنهم سيعملون ((من أجل إنهاء مرحلة الاستبداد والاستعداد لتقديم التضحيات الضرورية من أجل ذلك..))،وقد سارعت العديد من الشخصيات الوطنية و أحزاب (المعارضة السورية) في الخارج،مثل حزب (الإصلاح) وجماعة (الأخوان المسلمين) الانضمام الى هذا الإعلان.وبعدها بأيام طالب (رياض الترك)- وهو من ابرز شخصيات المعارضة، وعبر( فضائية الديمقراطية)- الرئيس (بشار الأسد) ومجلس وزرائه بتقديم استقالاتهم الى مجلس الشعب.هذا التحول في موقف (المعارضة السورية)، وانتقالها من نهج (الإصلاح) الى نهج (التغيير)، ترك تساؤلات عديدة:حول قدرة هذه المعارضة على التحرك وترجمة ما جاء في (اعلان دمشق)الى فعل سياسي ينهي احتكار (البعث) للسلطة ويحقق حلمها الديمقراطي الذي دفعت ثمنه الكثير في السجون والمعتقلات السورية وفي المنافي.إذ لم يعد يخفى على أحد الضعف والانحسار التنظيمي لمعظم قوى وأحزاب (المعارضة السورية) وافتقارها الى القاعدة الشعبية والزخم الجماهيري في الشارع السوري الصامت والمصاب بـ(عقدة الخوف من السياسية) بعد عقود طويلة من عسف السلطة وقمعها لكل نشاط سياسي وفكري وحقوقي معارض.ويبدو أن هذا التصعيد السياسي من قبل المعارضة السورية يعكس، بشكل أو بآخر، مدى الإحباط واليأس الذي أصابها بعد خمس سنوات من وعود النظام بالإصلاح السياسي والاقتصادي والانفتاح الديمقراطي. وخطوة المعارضة هذه ليست أكثر من محاولة يائسة منها للإفادة من الظروف الإقليمية والدولية الاستثنائية الضاغطة على النظام،الذي ما زال قوياً أو أنه أقوى الضعفاء بحسب تعبير الكاتب(شعبان عبود).لكن الرئيس (بشار الأسد) لم يتأخر كثيراً بالرد على جماعة (اعلان دمشق) وعلى القوى الدولية الضاغطة.فقد ألقى خطاباً،في العاشر من تشرين الثاني الماضي،حذر فيه (المعارضة السورية) من محاولة الدخول على خط أزمته الراهنة مع القوى الدولية المعنية بالملف اللبناني، ومن التحرك بالتوازي مع الضغوط الخارجية، قال الأسد:(( ما لم يأخذوه بالضغط الخارجي لن يأخذوه بالضغط الداخلي)).وقد شكك الرئيس (الأسد) بوطنية كل من يرتفع صوته بالتوازي مع الخارج المتآمر- أمريكا وحلفائها- الذي وضع المنطقة،كما يراها الأسد: ((امام خيارين لا ثالث لهما.إما المقاومة والصمود أو الفوضى))،وقد فضل الأسد ((المقاومة والتصدي)) منعاً لـ (الفوضى)،مما ترك انطباعاً لدى الجميع بأن (سوريا) لن تتجاوب كما يجب مع قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالتحقيق في قضية اغتيال(رفيق الحريري)،وهذا يعني مزيد من الاضطراب والتوتر مع المجتمع الدولي وفتح باب التكهنات و التساؤلات حول (المستقبل السياسي والاقتصادي) لسوريا.فبعد هذا الخطاب للرئيس الأسد، الذي سيطرت عليه لغة المواجه والتحدي، بدأ الإعلام السوري الرسمي(المرئي والمقروء والمسموع)، وبشكل مبالغ فيه، يدق طبول الحرب وأقيمت، في العاصمة (دمشق) ومعظم المدن السورية، خيم التصدي والاعتصام و سيرت المسيرات والتظاهرات المنددة بالتهديدات الأمريكية والدولية لسوريا،وارتفعت الشعارات والأناشيد الوطنية والقومية المحفزة على المقاومة استعداداً لـ (المنازلة الكبرى). من دون شك، استفاد النظام من سياسة التعبئة الجماهيرية هذه ضد الضغوط الخارجية والمبالغة فيها في محاصرة
وربما
تعطيل نشاط (المعارضة السورية) في الداخل والخارج التي تحركت بشكل لافت وصعدت من خطابها السياسي ضد النظام في الفترة السابقة للتطورات الأخيرة التي جاءت على خلفية نتائج التحقيق الدولي التي قام بها القاضي ديتليف ميليس وفريقه في جريمة اغتيال رفيق الحريري والتي حملت اتهامات الى ضباط سوريين يشتبه بتورطهم بهذه الجريمة الى جانب ضباط لبنانيين ،وإسراع مجلس الأمن الدولي لإصدار القرارات 1636 و 1644التي تدفع باتجاه المزيد من الضغوط الدولية على النظام في سوريا وتطالبه بالتعاون التام والتجاوب بدون شروط ومن غير تأخير مع اللجنة الدولية لاستكمال التحقيق في هذه القضية.لكن هذه الأجواء المتوترة التي اصطنعها الإعلام السوري قبل غيره وبدت فيها سوريا وكأنها تعيش حالة حرب، أعادت الى ذاكرة السوريين بديات (أزمة العراق) مع مجلس الأمن،وكيف قادت الى غزو أمريكي للعراق في آذار 2003 وهو غارق اليوم في دم أبناءه اللذين يقتلون على أيدي الاحتلال الخارجي والإرهاب الداخلي معاً،بدأت، هذه الأجواء المتوترة، تثير مخاوف السوريين وتقلقهم وأشاعت في المجتمع السوري شيء من الفوضى والبلبلة الاقتصادية والتيه السياسي،خاصة مع التراجع السريع لقيمة (الليرة السورية) أمام الدولار الأمريكي حتى قبل اتخاذ أي اجراءات أو عقوبات دولية بحق سوريا،بالرغم من كل التطمينات الحكومية حول قوة الاقتصاد السوري واستقراره، سرعان ما فقد المواطنون ثقتهم بأداء الحكومة وقراراتها،كما أن، هذه الأجواء والتطورات، فتحت باب النقاش والجدل بين السوريين حول مأزق بلادهم مع المجتمع الدولي وسبل الخروج منه من جهة وحول مستقبل العلاقة السورية اللبنانية من جهة اخرى والمرشحة لمزيد من التدهور والتوتر بعد اغتيال النائب والصحفي (جبران تويني) مدير تحرير جريدة النهار اللبنانية والمعروف بانتقاداته الشديدة للنظام السوري في الثاني عشر من هذا الشهر(كانون الأول).
لا جدال على أن الاهتمام الأمريكي وحلفائه الغربيين بـ (الملف اللبناني) يتجاوز قضية الحقيقة في اغتيال(رفيق الحريري)،إذ لهذه الدول مصالح استراتيجية في هذه المنطقة الحيوية من العالم تسعى للحفاظ عليها وتقوية نفوذها فيها.لكن الأخذ بـ (نظرية المؤامرة)، من قبل النظام في سوريا، في تحليل التوجهات الجديدة للسياسة الدولية وفي تفسير ما يجري في الداخل السوري من حراك سياسي معارض،لم يعد يجدي نفعاً في عالم مفتوح تحكمه مفاهيم ومعايير جديدة، بات يستحيل في ظلها عزل ما يجري في الداخل عن ما يحصل في الخارج.كما أن حل أزمات سوريا مع الخارج ومعالجة معضلات الداخل لا يأتي بالمراهنة على عامل الزمن وعلى ما قد يحصل في المستقبل من مستجدات وخلط للأوراق في المنطقة والعالم،أو بالانغماس المتزايد للسياسة السورية في القضايا الإقليمية ولا عبر مزيد من الاجراءات الأمنية في الداخل.وإنما هذه الحلول فقط تأتي باعتماد سياسة واقعية في علاقات سوريا مع العالم الخارجي والأخذ بمبدأ (البرغماتية)،أساسها (المصالح الوطنية) لسوريا، بعيداً عن الأيديولوجيات والعقائد والأفكار المسبقة،ومن خلال انفتاح النظام على الداخل والتعاطي الديمقراطي للحكم مع المجتمع
السياسي المعارض وفعاليات المجتمع المدني والالتفات الى مشكلات الواقع السوري ومعالجة حالات البؤس فيه،في مقدمتها مشكلة البطالة والتنمية والتعليم والديمقراطية والحريات وحقوق القوميات الغير عربية، كالآشوريين والأكراد وغيرهم ومنح الجنسية للمحرومين منها ، فمثل هذه الخطوات من شأنها أن تخفف من حدة الاحتقانات والتوترات المحلية والإقليمية، وتؤسس لمرحلة سياسية جديدة في سوريا تعيدها الى سكة التطور والتقدم والازدهار و تجنبها المزيد من الأزمات. الصراع على سوريا المشهد الراهن
عادل
أحمد : (كلنا شركاء ) 3/1/2006
يعود الصراع على سوريا إلى مراحل موغلة في القدم . هل نقول إلى الألف الثانية قبل الميلاد ؟ علينا أن نتذكر هنا الصراع بين مصر أيام الفراعنة وبين ممالك بلاد ما بين النهرين ، وكذلك بالصراع الذي قام عليها بين روما وفارس . كما يمكن أن نشير إلى الصراع الذي دار بين الدول الأوربية في العصر الحديث وصولا إلى الحرب العالمية الثانية على المنطقة ومنها سوريا ، وأخيرا إلى ذات الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حتى انفراط عقد هذا الأخير مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي .
والحال هذه فان الصراع على المنطقة ومنها سوريا التي شكلت ولا تزال تاريخيا قلبا نابضا لهذه المنطقة والإقليم الأكثر حيوية فيها ؛ هو صراع على المصالح ومناطق النفوذ والثروة والمواقع الجيوسياسية الهامة .
في تاريخ هذا الصراع كانت سوريا دائما محط أنظار جيرانها من القوى الكبرى كمصر والعراق ، ومن القوى الكبرى البعيدة كروما وفارس ، وهي دائما كانت تنضوي تحت جناح قوة ما لينالها الضير والعقاب من القوة الأخرى ، وباستثناء الفترة الأموية الإسلامية أيام كانت دمشق عاصمة العالم ، كان هذا ديدن سوريا وشأنها تاريخيا . مع حافظ الأسد تحولت سوريا إلى قوة إقليمية فاعلة وذلك بعد أن امتلكت عددا من الأوراق الهامة والمؤثرة ودون الخوض في تفاصيل كيف تحقق ذلك ، وهي اليوم تقف وحيدة مجردة من كل هذه الأوراق بعد أن أخذها الزلزال الذي ضرب المنطقة مع العدوان على العراق واحتلاله .
في هذا السياق يأتي الاستهداف الأمريكي لدول الأطراف والمناطق الأكثر حيوية وأهمية ( اقتصاديا واستراتيجيا ) في العالم بدءا من حرب الخليج الأولى مرورا بأفغانستان بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول عام 2001 وصولا إلى احتلال العراق وسقوط بغداد عام 2003 .
التاريخ ، يقول أن القوة أية قوة ستصل في لحظة ما إلى التحول نحو الخارج ، نحو التوسع والسيطرة ، هذا قانون تاريخي . ولأن القوة مهما كان شكلها أو لونها هي القوة بمواصفاتها وطبيعتها فان التاريخ لم يعرف ولن يعرف على الأرجح وجود قوى متعددة غير متنابذة ، غير متصارعة ، سواء أكان الأمر يتعلق بقوتين أو أكثر ، تعدد القوى يحمل إمكانية التحالف بين عدد منها ضد البعض الآخر ، لكن الصراع سيستمر تحت السطح حتى بين القوى المتحالفة ذاتها ( يشكل الصراع غير المعلن بين أوروبا والولايات المتحدة حقيقة واقعة ومثالا ساطعا على ذلك ) .
في الوضع العالمي السائد اليوم نجد الولايات المتحدة وقد هزمت خصومها ووصلت إلى أوج قوتها وعنفوانها وهي مدركة لحقيقة القانون السابق تتعجل القضاء على كل بؤر الممانعة التي تقف حائلا دون تحقيق غاياتها كاملة ، وكي تؤمن السيطرة التامة على مقدرات العالم الاقتصادية ، الأمر الذي من شأنه إن لم يكن إفشال محاولات توضّع قوى عالمية جديدة ( أوروبا الصين روسيا- الهند ...) تأخير وإعاقة مثل هذه المحاولات .
في هذا الإطار تشكل سوريا اليوم نقطة الاستهداف الأولى بعد سقوط بغداد ، لأنها تشكل - بوضعها الجيوسياسي ، وبتطلعات شعبها القومية ، وبرفض شعبها كذلك لمبدأ السيطرة الخارجية ومعها المشروع الصهيوني العائق الأبرز أمام تحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير .
وإذن فان الأجندة الأمريكية تجاه سوريا ، هي تطويعها ليس كنظام ، بل كدولة وشعب ، وتحويلها لتصبح قابلة للدخول في المشروع الإمبراطوري الأمريكي مع كل ما يستتبعه من إلغاء لحلم العرب في مشروع نهضوي حضاري ديمقراطي ، والتخلي عن مبادئ الاستقلال الناجز والسيادة ، والاعتراف النظري والواقعي بالمشروع النقيض الذي تمثله الدولة الصهيونية ، وذلك عبر مطالب مجزأة على مختلف الأصعدة وبكل الاتجاهات ، وتحت ستار نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب ، هذه المبادئ ( الحق الذي يراد به الباطل ) التي تحولت بفهمنا العربي إلى قميص عثمان .
من هنا فان تغيير النظام ليس هدفا ملحا لهذه الأجندة وهذا ما تؤكده أقوال الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ، وهذا لا يلغي فكرة تغيير النظام نفسه إذا وجدت الإدارة الأمريكية أن ذلك من مصلحتها ، وعندها لن تقيم هذه الإدارة أي اعتبار لأية علاقات أو اتفاقات قديمة أو جديدة مع النظام السوري .
إن فكرة أن هذه الأجندة تتوافق أو يمكن أن تتوافق مع مصالح الشعب السوري وشعوب المنطقة هي محض افتراء ، هي هراء الهدف منه تـنويم الشعب العربي ، وأكثر من ذلك ، إنها تلعب دورا كبيرا في عرقلة وتأخير وحرف نضال الشعب السوري وشعوب المنطقة من أجل الحرية والديمقراطية وقهر الاستبداد . من تجليات هذه العرقلة والتأخير إشغال القوى السياسية والمواطنين عموما بمناقشة مسألة الداخل والخارج والموقف من قضية التغيير الديمقراطي ، وبالتالي إبقاء هذه القوى بعيدة عن الوصول إلى تحالف وطني عريض وموقف موحد من الاستبداد يقوي عودها ويساهم في تشكيل وخلق كتلة اجتماعية تاريخية قادرة على إنجاز أهدافها في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي .
يشكل هذا الدور،أو ينبغي له ، إضافة إلى الاستهداف الأمريكي المباشر ، عاملا إضافيا في الدفع باتجاه ، ليس إلى تأجيل بل الإلحاح على الموقف الذي يقول أن إلغاء الاستبداد والتحول إلى الديمقراطية وبناء نظام وطني ديمقراطي تعددي يقوم على الحرية هو الإسهام الأول والأكبر والذي من شأن إنجازه أن يجعل مقاومة الاستهداف الخارجي ودرء خطره أمرا ممكنا وقابلا للتحقق .
فهل السلطة بطبيعتها الراهنة قادرة على إدارة أزمتها مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة خصوصا بحيث تجنب سوريا الحصار والعقوبات ؟ وهل ستكون قادرة على اتخاذ خطوات جريئة تجاه المصالحة الوطنية ؟
السؤال هنا ليس دقيقا ، لأنه يتمركز حول السلطة ، إذا فهمنا من كلمة السلطة شخصا نيتها ، أي السلطة بأشخاصها الممسكين بزمام الأمر في البلاد ، والمتحكمين بالقرار، وبالتالي هم حريصون على مصالحهم الشخصية كحكام ، يصبح الجواب محتملا لإمكانيات محددة ، كأن نقول أن بامكان هذه السلطة إدارة الأزمة وذلك بتحقيق المطالب الأمريكية والاستجابة لللاملاءات الخارجية بغض النظر عن مصلحة الوطن العليا أو مصلحة جزء من السلطة ، ففي نظمنا الأمر المهم هو استمرارية السلطة ( المشخصة) دون النظر إلى الخسائر الفردية هنا وهناك ، وبالتالي ستجنب البلاد الحصار والعقوبات ، وشرط ذلك أن تضع بيض البلاد داخل السلة الأمريكية .. أو بامكانها من وجه آخر أن تدير هذه الأزمة بحيث تحافظ على بقائها ووجودها غير مكترثة كما في الحالة الأولى بمصالح الوطن العليا ، وغير عابئة بالحصار والعقوبات . وبالتالي وبناء على هذا التشخيص وأيا كان الجواب ، أي الاحتمال الأول أو الثاني ، فان فكرة الإقدام على خطوة باتجاه المصالحة الوطنية يصبح أمرا من المنسيات ولا مبرر له في نظرها .
أما إذا فهمنا السلطة كسلطة سياسية قادمة من خلال المؤسسات وعلى أساس دستوري مهما تكن طبيعته وأيا تكن الاعتراضات عليه ، فهذا يعني وجود عدد من المراكز المؤثرة إلى هذا الحد أو ذاك في القرار السياسي ، وهو يستتبع بالتالي أن هذه السلطة لا يمكن لها أن تتجاهل كليا مصلحة الوطن والشعب ، وأنها ستأخذ وجهات نظر مواطنيها بعين الاعتبار ، مهما تكن مواصفاتها ( سلطة أمنية ، قمعية ، سلطة حزب واحد أو مجموعة أحزاب ، سلطة تعتمد القرار الفردي أو المؤسساتي ) . انطلاقا من ذلك يمكن القول أن إمكانية إدارة الأزمة متاحة بشرط أن تهيا لها الأسباب المساعدة والضرورية ، وأن إمكانية الإقدام على خطوة باتجاه المصالحة هي الأخرى متاحة . ولفظة متاحة تعني أنها ممكنة ، وبالتالي فان تحولها إلى واقع على الأرض يستلزم شرطين اثنين : توفرا لرغبة أولا والإرادة ثانيا ، كما يستلزم عوامل مساعدة ضاغطة بهذا الاتجاه ، المطالبة الشعبية ( الضغط الشعبي) وتآلف سياسي واجتماعي وطني ينظم هذا الضغط ( المقصود تالفات ، قوى سياسية، منظمات مدنية ) ويدفع هذه السلطة بالاتجاه المطلوب .
إن إدارة الأزمة اعتمادا على/ وانطلاقا من مصالحة وطنية شاملة ، هي التي تـتيح إمكانية الحفاظ على الثوابت الوطنية : الاستقلال والسيادة ، والقومية : حق الشعوب في تحرير أوطانها .
إن ما جرى حتى اليوم يشير إلى أن السلطة السورية وان استطاعت أن تخفف من حدة الضغط الدولي وتؤجل الحصار والعقوبات ، إلا أنها لم تحزم أمرها وتمتلك الإرادة الكاملة باتجاه المصالحة الوطنية . فهل هي فاعلة ؟ سؤال ينتظر الإجابة عليه ، علما أن مثل هذه الإجابة لن تأتي على الأرجح إلا حين يتحرر المواطن السوري من رهاب الخوف ويبدأ بطرح مطالباته علنا ، في الشارع والأسواق ويتحول مطلب الديمقراطية والمصالحة الوطنية إلى مطلب شعبي معلن ومؤكد عليه في الممارسة السياسية والاجتماعية للشعب السوري .
النظام في سورية عدو نفسه ، وعدو النفس هو من أخطر الأعداء ، إن مجابهة الاستهداف الخارجي والضغوط والحصار والعقوبات الدولية لا تتم بالتمترس خلف القاعدة التي تقول أن كل ما أفعله صحيح وكل ما يفعله خصمي خطأ . ولا تتم بالتستر على أخطاء أهل البيت وممارساتهم ، بل بالكشف عنها والاعتراف بها ومحاسبة المسؤولين عنها ، لأن هؤلاء ومن يقف وراءهم لن يدافعوا عن الوطن ، ولن يخوضوا معركته ،بل سينسحبون بعد أن يلعبوا دور يهوذا الاسخريوطي ، ويسلموا هذا الوطن مقابل ثلاثين من الفضة وسلامة رؤوسهم .
لا يمكن حماية الوطن بالمذبة أو بفرمان سلطاني ، بل بالبشر ، بالمواطنين المتحدين المتآلفين الأحرار الذين أيقنوا أن هذا الوطن وطنهم فعلا وحقيقة وليس فقط من خلال بطاقة الهوية أو جواز السفر .
وطالما ظل النظام على سياسة ( معاداة النفس ) هذه ، ولم يقدم على تحرير نفسه أولا ، وتنظيف بنيته ثانيا ،والزج بالمواطن السوري في معركة الوطن ( نشر الحرية والديمقراطية وإنجاز المصالحة الوطنية )ثالثا ، فان خطر الأجندة الأمريكية سيزداد ويتدعم بخطر الاستبداد ومفاعيله ، ويتحول إلى واقع محقق حيث ستذهب سوريا وطنا وشعبا( ونظاما) إلى حيث لا يعلم إلا الله !.
انطلاقا من واقع ارتهان سوريا للخطر الخارجي وخطر استمرار الاستبداد. وفي ظل غياب المجتمع عن السياسة، وغياب المعارضة عن المجتمع ( وهنا سأستخدم تعبيرا آخر وهو : غربة المجتمع عن السياسة والمعارضة عن المجتمع بدواعي الاغتراب الاقتصادي والفكري والسياسي والاجتماعي ) . ونظرا للتآكل والاهتراء الذي أصاب جسم النظام ، والانهيار الاقتصادي والوضع الاجتماعي شديد الاحتقان الذي تعاني منه البلاد ، وعدم قدرة المعارضة على تحقيق أية مكاسب حقيقية باتجاه الديمقراطية، فان جوا من اليأس والإحباط قد أصاب بل واستوطن ليس المجتمع فحسب بل وكذلك قوى المعارضة ونشطاء المجتمع . وإذا أضفنا إلى ذلك بروز الميل والتعبير عن الإرادة في التغيير لكامل المنطقة ومنها سورية ؛ فان هذا قد ولد ميلا ورغبة في الاستفادة من هذا الواقع ، سرعان ما تحولا إلى واقع وممارسة لدى بعض القوى التي تسمي نفسها " معارضة الخارج" وانتقل هذا الميل والرغبة إلى بعض قوى الداخل وفعالياته ( وان كان التعبير عنه خجولا وعبر التلميح والمداورة ) لما يشكله هذا الأمر من حساسية بالغة عند المواطن السوري عموما .
إن مجمل هذا الوضع قاد الجسم الرئيسي من المعارضة السورية داخل البلاد إلى طرح مشروع إنقاذي للبلاد يقطع مع نظام الاستبداد كونه كبنية وكتكوين نظام فاسد بإطلاق وغير قابل للإصلاح .
ولعل أهم ما يجب أن يقال بهذا الصدد ، هو أن هذا المشروع على أهميته لم يأخذ بعين الاعتبار عدم اكتمال الظرف الذاتي لحامليه ( الكتلة الاجتماعية ، نضج وقوة قوى المعارضة ) من جهة ، وعدم اكتمال الظرف الموضوعي المناسب . مضافا إلى الاثنين ، أن النظام على درجة ضعفه واهترائه إلا أنه لا يزال يحكم قبضته الأمنية ويتحكم بالتالي بسير العملية السياسية . ولأن مثل هذا المشروع أو البرنامج في حال انطلاقه في مثل هذه الظروف وان كان يحمل إمكانية ما للنجاح ، فانه بالمقابل يحمل إمكانية الفشل وما يترتب عليه من خسائر ومضار ستنال من الوطن ذاته أرضا وشعبا ، هذه الإمكانية ستقود إليها الحالة التي تقول أن النظام ينطلق من مبدأ " إما أنا أو فليكن الطوفان " ، وغني عن القول أن المستفيد الوحيد من هذا الوضع هو الخارج وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل ، فهم وحدهم الذين سيحصدون نتائجه .
يجري الحديث كثيرا عن خط ثالث ، بديلا عن هذا المشروع وعن التغيير المستند إلى الخارج دون تحديد دقيق له ودون تشخيص لقواه . إذا عدنا إلى طرح السؤال عن ما هو المطروح بالنسبة لسورية فسنجد التالي : التغيير بواسطة الخارج ، أو المحمول من قوى داخلية بالاعتماد على الخارج وهذا الطرح مرفوض إذا لم يكن من كل أبناء الشعب السوري فمن غالبيتهم المطلقة ، لأن وطنيتهم أولا ودرس العراق ثانيا قد أقفلا حتى باب التفكير في هذا الطرح ؛ أو الاعتماد على النظام ذاته ومن خلال عملية إصلاح يقوم بها يمكن أن تؤدي بدورها إلى تغيير يلبي كثيرا من المطالب الشعبية . وهذا خط فقد صدقيته وأي أمل بحدوثه بعد تجربة السنوات الخمس الماضية .
أمام ذلك يمكن اعتبار المشروع الإنقاذي المطروح لسورية هو الخط الثالث بشرط توفره على :
- برنامج حد أدنى يستوعب طموحات الشعب وقواه السياسية والاجتماعية .
- برنامج ينطلق من أن، التغيير ، يستلزم قوى سياسية واجتماعية مكتملة القوة والنضج والصحة تحمله وتسير بخطى مدروسة باتجاه تحقيقه .
- برنامج يعري النظام السياسي القائم ويكشف عيوبه وخطر النهج الذي يمارسه دون القطع معه نهائيا ، لأنه في داخل النظام هناك قوى ( مهما بدت ضعيفة في اللحظة الراهنة ) تطمح إلى التغيير والمصالحة مع الشعب ، أي إبقاء الباب مفتوحا أمام أهل النظام لكي يقوم ( من يرغب منهم) بخطوة أو خطوات باتجاه التغيير .
- برنامج يحتوي على هدف واضح ، وهو التوجه نحو تحرير/ البعث / كحزب من قبضة السلطة ، ورد الإساءة التي قام بها النظام اعتمادا عليه وبمشاركته ، إساءة ضرب القوى السياسية وتفتيتها وزجها في السجون ، بتحرير البعث هذا انطلاقا من حقه كأي حزب آخر ( الآن وفي المستقبل ) بالمشاركة في الوطن ، على صعيد الحق والواجب .
- برنامج يقطع بجلاء مع الخارج ، ويدين الاستهداف الموجه للوطن ويعمل لإحباطه، برنامج لا يغض النظر عن أحلام الإنسان العربي لا الوطنية ولا القومية ، بل يدرجها ب/ ويربطها مع أحلام قوى الإنسانية الخيرة المؤمنة بالحق والحرية والتقدم .
- برنامج يستوعب كل أبناء الوطن ، ويؤسس لوطن يستوعب كل أبنائه بغض النظر عن الجنس أو الدين أو القومية .
- برنامج وطني . ولأن ثلثي أبناء الوطن من الطبقات والفئات المقهورة والمسحوقة فيجب أن يلبي تطلعاتها ، ويجيب عن أسئلتها ، وهذا أحد أهم الشروط كي تكتمل صفة الوطنية في البرنامج المنشود .
- برنامج قادر على تهيئة الظروف الاجتماعية والسياسية التي تتيح تحقق المصالحة الوطنية الشاملة .
ولأن الهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة كأساس ونقطة انطلاق تشكل قاعدة لإنقاذ سورية من الأخطار المحدقة بها ، يتبين كم هو ضروري إشراك كل المواطنين في حمل هذه المهمة النبيلة والشاقة ، يستوي في ذلك كل أبناء الوطن ما عدا الخونة والعملاء والفاسدين ولصوص المال العام ...
ومن أولى المهمات الملحة في تعبيد الطريق نحو هذا الاتجاه هي مهمة النضال لرفع القبضة الأمنية عن المجتمع ، والعمل بكل قوة باتجاه تشكيل منظمات وهيئات مدنية تنشر ثقافة الحرية والمواطنة وتؤسس لها مع كل ما يترتب عليها من حقوق للموا طن وواجبات عليه .