متغيرات الاستراتيجية السورية بين الأب والابن

- غسان الإمام الشرق الاوسط

 

 

الاستراتيجية صناعة الدول الكبرى. الدول الصغيرة لا تملك، عادة، استراتيجية ثابتة وطويلة الأمد للتعامل مع جيرانها ومحيطها، ومع الدول الكبرى. مع ذلك، فقد حاولت سورية الدولة الصغيرة رسم استراتيجية اقليمية لها، منذ استقلاها في منتصف أربعينات القرن الماضي. كانت سورية تدرك انها ساحة للصراع الاقليمي عليها، بحكم موقعها الجيوسياسي الذي يتوسط المشرق العربي، فمن يملك سورية يتحكم في مفاصل السياسة العربية، ويضيف الى وزنه تأثيرا ونفوذا في التعامل مع الدول الكبرى وصراعاتها في المنطقة.

قامت الاستراتيجية السورية آنذاك على الانحياز الى السعودية، في الصراع السعودي ـ الهاشمي ـ المصري عليها، نظرا لارتباط الهاشميين (العراق والأردن) ببريطانيا، ولكون السعودية راغبة في بقاء سورية دولة مستقلة. لكن الصراع انتهى بفوز مصر عبد الناصر مؤقتا بسورية، وبقبول ضمني من أميركا.

مع سقوط الوحدة المصرية ـ السورية (1961)، غرقت سورية مجددا في صراعات داخلية دموية وسياسية. عرف اللواء صلاح جديد كيف يصل الى الحكم بتصفية كل الخصوم (1966)، لكن لم يعرف كيف يحكم. تورط نظامه المتشنج في صراع مع الدول العربية كلها، باستثناء مصر. كان رهان عبد الناصر على سورية/ جديد، بمثابة كارثة عليه وعلى العرب. وتجسدت الكارثة بالهزيمة النكراء أمام إسرائيل (1967).

في تهيئة المنطقة لغياب ناصر جسديا وترحيله سياسيا، انبثقت انظمة عربية هنا وهناك ترفع شعاراته القومية والوحدوية، وتسقطها عمليا من مشاريعها السياسية. جاء حافظ الأسد (1970) ليصالح السوريين والعرب جميعا الذين زعَّلهم صلاح جديد. وعلى الرغم من اصطدامه بـ الجهادية الاخوانية التكفيرية، فقد تمكن الأسد من رسم استراتيجية له حولت سورية من أداة في لعبة الأمم، إلى لاعب أساسي وفاعل فيها.

ما هي تفاصيل وجزيئات استراتيجية الأسد الاقليمية والدولية؟

منح الأسد نظامه مصداقية في حربه الناجحة سياسيا ضد اسرائيل (1973). افترق سريعا عن حليفه السادات عندما غرَّب الأخير مصر عن أمتها العربية، بصلحه المستعجل مع العدو في الكامب. وجد الأسد في ايران الخمينية (الخميني بعثي بعمامة) حليفا عجيبا غير متوقع، بعدما أحبط صدام مشروع الأسد لوحدة سورية ـ عراقية تحت راية بعث واحد في البلدين (1979).

في ذكاء حساباته وميكيافيليته الحذرة والظروف التي خدمته، لم يجعل الأسد حلفه مع ايران عائقا لمد جسور الصلة القوية مع العرب، وفي مقدمتهم السعوديون. وللتخلص من الاحراج له والعتب العربي عليه، فقد أعلن صراحة معارضته لاجتياح ايران العراق، بعدما انقلبت من الدفاع الى الهجوم، إثر تعثر قادسية صدام.

في عودة مبارك بمصر الى العرب، وجد الأسد فيه حليفا ثالثا مع السعوديين. وكان هذا الحلف غير المعلن وغير الموثق والمكتوب، عاملا كبيرا من عوامل الاستقرار في التسعينات العربية، وفي تحييد كثير من الضغوط الدولية على العرب، وعلى سورية بالذات.

البعد الدولي في استراتيجية الاسد الراحل تجسد في اقامة علاقة حوار يتراوح بين الود والصد مع أميركا وأوروبا. الارتباط الوثيق مع الاتحاد السوفييتي لم يمنعه من الاتفاق مع أميركا على دخول لبنان، والقيام بدور الشرطي فيه. تكيف الأسد سريعا مع غياب الحليف السوفييتي. فقد شارك الخليجيين ومصر وأميركا في طرد صدام من الكويت، فضمن السكوت الدولي والعربي عن هيمنته المطلقة على لبنان، وجعل منه منصة لمضايقة اسرائيل، بحلفه مع الشيعة والفلسطينيين، من دون تحريك جبهة الجولان.

لماذا اختلت الاستراتيجية السورية في الانتقال من عصر الأب الى عصر الابن؟

لا شك ان الظروف التي خدمت الأب تغيرت ضد الابن. لم تعد الدو ل الكبرى بحاجة الى خدمات نظام ارتبط وجوده الهش والضيق في الداخل، بقنوات الدعم الخفية التي أقامها مع أكثر من دولة كبرى، وضمنت له البقاء والاستمرار 35 سنة.

تغيرت أيضا الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. باتت إدارة بوش تعتقد أن حلفها أو سكوتها عن نظام غير ديمقراطي، كالنظام السوري، من شأنه تعريض مصالحها النفطية وغير النفطية للخطر. الاخفاق الاميركي الذريع في العراق وفلسطين جعل واشنطن توجه سبّابة الاتهام الى سورية المتحالفة مع التنظيمات الجهادية واليسارية الفلسطينية. أخطاء النظام السوري في لبنان وفرت الحجة لأميركا للضغط عليه، لقطع خطوط تموين المقاومة الإرهابية التي يقول انه عاجز عن وقف تسللها إلى العراق.

عدم امتلاك الابن لموهبة الأب في استغلال هامش المناورة الضيق في مداراة الدول الكبرى أو مضايقتها، وسَّع الخلل الكبير في الاستراتيجية السورية، كالتظاهر بالاستماع الى النصائح المصرية والسعودية، ثم العمل ضدها وبعكسها.

زاد الطين بلة توجه الابن نحو اقتراب أكبر من إيران مما كان في عهد الأب، واعتماده وكلاء ايران في لبنان كحليف استراتيجي وميداني ضد كل الطوائف الأخرى، بما فيها دروز جنبلاط وسنة الحريري القتيل. وبعد الانسحاب من لبنان، بدا نظام الابن وكأنه يسعى الى تفجير الاستقرار الذي اجتهد الأب في صنعه هناك.

الغريب العجيب أن ترسيخ الابن العلاقة مع ايران جاء في ذروة صدامها مع أميركا وأوروبا حول امتلاك إيران السلاح النووي! في الوقت ذاته، يبدو الابن أشد معارضة لحلفاء ايران في العراق، وأكثر قربا من المقاومة السنية الزرقاوية والصدامية! هذه الضبابية تزيد من غضب أميركا العالقة من ذيلها هناك، فتلجأ الى افتعال الأزمة تلو الأزمة مع الابن، من تشديد العقوبة، الى سحب السفيرة، الى التلويح بالتدخل المسلح جزئيا أو كليا في سورية.

وهكذا، تحولت استراتيجية النظام من التحالف مع العرب الى العتب عليهم، طالبا منهم السكوت عن تجاوزاته، ولا سيما في لبنان. عجز الاستراتيجية السورية عن التجاوب مع المتغيرات الاقليمية والدولية، بتحقيق انفتاح سياسي داخلي، ومكافحة الفساد، وتطوير الاقتصاد، والاستغناء عن الجبهة البلغارية التقدمية، واحلال ميثاق وطني مع كل الاحزاب الوطنية محلها... كل هذا العجز تمت تغطيته بإعلان حرب دونكيشوتية على أميركا، استغلالا لفشلها في فلسطين، وورطتها في العراق، وسوء سمعتها لدى العرب.

بعد إعلان الشرع الجهاد ضد مشروع الشرق الأوسط الكبير تبدو عدم جدية الاستراتيجية السورية في إعلان الابن عن الاستعداد لعقد صفقة مع أميركا، تجنبا للانفجار الكبير في المنطقة!

صفقة على ماذا؟

صفقة تضع حدا للجهاد الكفاحي والنضالي ضد أميركا، في مقابل الكف عن المطالبة بتسليم قادة الأجهزة الأمنية الى العدالة الدولية. بات هناك اعتقاد لدى دوائر القرار والمراقبة في العالم العربي، بأن نظام الابن لن يسلم الكبار، لأنهم يدخلون في صميم تركيب الدولة والطائفة والنظام ذاته، ربما هو مستعد لتسليم الصغار في إطار الصفقة التي يتحدث عنها.

قد تسألني: ما الحل؟

أقول، ببساطة، لو أن أميركا قادرة على الضغط على اسرائيل لاعادة الجولان الى سورية، لاختفت تماما كل هذه الحشود النضالية الجرارة ضد أميركا، ولغابت كل شعارات الصمود والتصدي والمقاومة المستوردة من متحف هستيريا الخمسينات.