ما الذي أنطق خدّام؟.....

.حازم صاغيّة......الحياة

ليس عبدالحليم خدّام هسام هسام. فهو شاهدّ من الدرجة الأولى لا يخفّف من أهميته ذاك السيل من الشتائم الذي انهمر عليه، وصولاً الى اتهامه بتسبيب السرطان للسوريين. فقد كان مجلس الشعب في جلسته الطويلة تلك، أشبه باللجان المركزية في عهد ستالين، حيث يتعاقب الجميع على تعداد مثالب الرفيق الخائن، وتشويه سمعته وسمعة أسرته، لا يشذّ أحد عن ذلك، مؤكّدين جميعاً أنهم كانوا على بيّنة من أمره منذ كان في رأس السلطة، بيد أنهم آثروا الصمت عمّا يعرفون!

لكنْ إذا كان مجلس الشعب، بإجماعه الحديدي، قد دلّل على المسافة التي تفصله عن البرلمانات المنتخبة، فإن خدّام أضعفَ شهادته القوية حين لم يتفوّه بكلمة تراجع أدواره القديمة، بما فيها دوره في قمع ربيع دمشق، حاصراً التفرّد والانفراد بسنوات حكم بشّار، علماً بأن الاستبداد أسبق وأقدم، وهو ما كان خدّام نفسه شريكاً نشطاً في إرسائه.

والحال أن شرعيّة المرحلة السابقة أول ما أنطق خدّام، في معزل عن هذه الحادثة أو تلك مما قد يساهم في تأجيج الرغبة. فنائب الرئيس السابق ينتمي الى جيل غير جيل الرئيس الحالي والمحيطين به. وهو ما يكون، عادة، سبباً في نفور المؤسسين الذين لا يحتملون من الأبناء ما يحتملونه من آبائهم الذين كانوا أصدقاءهم وشركاءهم. لكن شرعية المرحلة السابقة ليست أعماراً فحسب، بل هي طريقة أيضاً. فخدّام، البعثي التقليدي، من أنصار التساوي القومي في احتقار الشعوب، أي معاملة الشعب اللبناني تماماً كما يُعامل الشعب السوري. وبدوره، يُستعاض عن قلة الاحترام بتكريم عدد من الزعماء اللبنانيين إدراكاً منه لـ خصوصية لبنان. أما الجيل الأصغر، الأقل معرفة وخبرة، والأقل بعثية بمعنى ما، فعصفت به نزعة امبراطورية تساوي، في الامتهان، الشعب بالزعماء كما تحيل السياسة تنسيقاً أمنياً ومخابراتياً بحتاً.

ويشكّل تاريخ بروز عبد الحليم خدّام خلفية مفيدة في فهم ما جرى. فقد صار الرجل أحد أساسيي النظام بعد الحركة التصحيحيّة في 1970 التي أسست انفتاحاً نسبياً أكبر على البورجوازية الدمشقية وعلى الأنظمة العربية المحافظة في الخليج، من دون أن تخلّ بـ التحالف الاستراتيجي مع الاتحاد السوفياتي. وفي المناخ هذا، حقّق وزير الخارجية التاريخي نجاحه الديبلوماسي الأول في تثبيت المواقع السورية في لبنان. ثم مع ترنّح الاتحاد السوفياتي واندلاع الحرب لتحرير الكويت، جاء النجاح الثاني ممثلاً في انتساب دمشق الى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، الأمر الذي تأدّى عنه تكريس اقليمي ودولي للمواقع تلك.

بمعنى آخر، قامت الخداميّة، إذا صحّت النسبة، على الربط بين الدور اللبناني لدمشق وبين تسويات ثلاث لم تكفّ عن الاشتغال: واحدة مع التركيبة السياسية اللبنانية، وثانية مع البيئة العربية المحافظة، وثالثة مع الولايات المتحدة. أما الحساسيّات التي نمت بالتوازي مع النهج هذا، الأهلي - المذهبي منها والعربي والديبلوماسي، فيسعها الانتفاع بالعنصر الإيراني بوصفه واحداً من العناصر المهمة في الاستراتيجية السورية، لا سيما في ظل تنازع حادّ مع صدام حسين. إلا أن الاكتفاء بالعنصر المذكور، وامتداده في حزب الله اللبناني، بديلاً عن العناصر الأخرى، فهو ما لا يمكن أن تهضمه حنكة خدّام وحساسيّاته بعدما صارت القوات الأميركية على كتف سورية.

وأغلب الظن أن العوامل تلك انفجرت في لبنان مع جريمة اغتيال رفيق الحريري، فبدا كأن ما بناه خدّام وجيله يتهدده بشّار وجيله، خصوصاً أن الرقعة الأهلية للنظام ضاقت وشرعت تحاصره تحديات العلاقة بالولايات المتحدة وأوروبا والعرب جميعاً. فحين يقول عبدالحليم خدّام ما قاله، بعد انتحار غازي كنعان، يكون المركب باشر غرقه المرعب. فلبنان، بوصفه المكان الذي تُصدّر اليه التناقضات والإسفنجة التي تمتصّها، لم يعد موجوداً. وعلى النظام أن يتدبّر تناقضاته وجهاً لوجه بطريقة أفضل من الخطابات التي أُلقيت، بعربية بالغة الرداءة، في مجلس الشعب.