قنابل السيد خدام...

.عبد الباري عطوان القدس العربي
سيدخل السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري المستقيل التاريخ من بوابتين، الاولي كونه قبل ان يكون الواجهة الشرعية المدنية لنظام امني عسكري اقامه الرئيس الراحل حافظ الاسد، والثانية انه فجر العبوة الناسفة التي زلزلت اركان هذا النظام، وساهمت بقدر كبير في اضعافه وربما التعجيل بانهياره.
فالخدمة التي قدمها السيد خدام للجنة التحقيق الدولية المكلفة باغتيال الراحل رفيق الحريري لا تقدر بثمن، بل لا نبالغ اذا قلنا انها اكثر اهمية من كل التحقيقات التي اجراها القاضي الالماني ديتليف ميليس علي مدي الاشهر الثلاثة الماضية. فالسيد خدام شاهد ملك، كان في قلب السلطة، ويحتل منصبا متقدما فيها ساعة وقوع الجريمة.
فعلي اثر هذه الشهادة المفاجئة والدسمة ، طالبت اللجنة بالتحقيق مع الرئيس بشار الاسد ووزير خارجيته فاروق الشرع، الامر الذي يؤكد انهما متهمان بالتورط في جريمة الاغتيال، وبذلك يكون السيد خدام قد انتقم فعلا من نظامه وخصومه.
في مقابلته مع قناة العربية الفضائية تحدث السيد خدام بحرقة عن غياب الاصلاحات في سورية، واستفحال الفساد، واخطاء المسؤولين الامنيين السوريين في لبنان وعجرفتهم، وعزلة بلاده بسبب السياسات الفاشلة لوزير الخارجية فاروق الشرع. ومن الطبيعي ان يسأل الكثير من السوريين السيد خدام سؤالا واحدا محددا ومشروعا، وهو عن سبب انتظاره خمس سنوات لكي يجاهر بكل هذه العيوب، ثم لماذا لم يستقل من منصبه طالما انه مختلف مع النظام للاسباب التي ذكرها خاصة بعد ان تجاوزه صديقه ورفيق مسيرته حافظ الاسد، بطريقة مهينة وعين ابنه رئيسا للجمهورية في مخالفة واضحة للدستور السوري والنظام الاساسي لحزب البعث، وفي تنكر ملفت لكل الخدمات التي قدمها له نائبه علي مدي ثلاثين عاما.
السيد خدام خرج عن صمته بعد ان تأكد ان احتمالات استمرار النظام باتت ضئيلة، فقرر ان يطرح نفسه كبديل، لعله يحقق ما حرمته منه سابقة التوريث الدستورية خاصة انه يعرف او يتكهن بأن الولايات المتحدة تبحث ومنذ عدة اشهر عن علاوي سوري يكون رجلها المقبل في سورية، فكل المواصفات المطلوبة تتوفر فيه، فهو بعثي سابق، و سني ، وصديق للمعارضة اللبنانية، ويحظي بدعم الانظمة العربية، بل من يجرؤ علي الاعتراض عليه اذا ما اختارته واشنطن.
فمن المستبعد ان تكون ثورة السيد خدام الحالية ضد النظام مبعثها غيرته الصرفة علي صديقه رفيق الحريري، وانتقاما لذبحه من قبل النظام السوري، مثلما اوحي في المقابلة، فاكثر من ثلاثين الف سوري ذبحهم النظام نفسه في حماة وتدمر ولم تهتز شعرة في رأس خدام، وفوق هؤلاء آلاف الفلسطينيين واللبنانيين في تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات، ولم نسمع مطلقا انه احتج او اعترض، بل كان يتباهي بكونه مهندس هذه الحروب والمجازر باعتباره المسؤول الاول في ذلك الوقت عن الملف اللبناني.
السيد خدام يتهم المسؤولين السوريين الامنيين في لبنان بالعجرفة في التعامل مع السياسيين اللبنانيين، وهم كذلك فعلا، ولكنهم تعلموها من مدرسة كان هو ناظرها، ومؤسسها، وواضع مناهجها. ومن المؤسف ان عجرفته لم تقتصر فقط علي اللبنانيين بل امتدت الي الفلسطينيين ايضا، ابتداء من رئيسهم ياسر عرفات الذي مات مسموما وانتهاء بشهداء الانتفاضة.
وكان لافتا ان السيد خدام في مقابلته التاريخية تباكي علي الشعب السوري، وقال انه بات يأكل القمامة، وهذا امر محزن بكل المقاييس، ولكنه لم يقل من الذي اوصل هذا الشعب الابي، العزيز، الكريم، الي هذه الدرجة من البؤس والشقاء والاذلال، اليس هو النظام الذي كان نائبا لرئيسه علي مدي ثلاثين عاما، وكان صاحب القرار في كل شؤونه؟
فمن الذي افقر الشعب السوري غير النظام الامني الذي كان السيد خدام واجهته، وحول سورية الي مزرعة نهب للمسؤولين الكبار واولادهم واصهارهم.
ثم ماذا فعل السيد خدام واولاده للشعب السوري، فهل خصصوا جزءا من ثرواتهم الطائلة لتأسيس مؤسسة خيرية لتعليم وطبابة هؤلاء الفقراء المحرومين، وهل اقتدي علي الاقل بسيرة رفيقه الحريري في هذا الخصوص، لعله يكون قدوة للآخرين الذين جنوا الملايين وهربوها الي الخارج واستثمروها في قصور ومجمعات ومنتجعات واسهم في اوروبا والخليج.
الرئيس حافظ الاسد اغرق الغالبية الساحقة من اقربائه ومساعديه في الفساد، ومن ضمنهم السيد خدام وافراد اسرته، حتي يحكم دون منافس، ويرتب اوضاع الحكم من بعده لنسله دون ان يجرؤ احد علي الاعتراض، والآن وبعد ان أُْغلقت الحنفية ، وتبدلت الاوضاع وظهرت طبقة جديدة من النهابين، وباتت سورية كلها تقف امام مخاطر الحصار والتجويع قفز السيد خدام من السفينة، مثلما قفز من قبله وسيقفز من بعده آخرون، ويتركون الشعب السوري يواجه اقداره التي وضعوه فيها لوحده.
ولعل المهزلة الأكبر والاكثر فظاعة تلك المتمثلة في ما يسمي بالبرلمان السوري. فردة فعله واعضائه تكشف درجة الانهيار الاخلاقي والسياسي الذي وصلت اليه سورية. فلم يكن برلمانا وانما فصلا من فصول محو الأمية في احدي مدارس تعليم الكبار. وليس هذا مستغربا، علي برلمان عدل الدستور في خمس دقائق.
البرلمانيون الذين ظلوا يصفقون للسيد خدام علي مدي ثلاثين عاما ونيف، انقلبوا فجأة، وبضغطة زر، واكتشفوا فساده وفساد اولاده واسرته، وتحدثوا عن دفن نفايات نووية في صحراء تدمر، واصابة عشرات الآلاف من السوريين من جراء الاشعاعات الناجمة عنها.
اين كان هؤلاء طوال السنوات الماضية، ولماذا لم يفتح احدهم فمه بكلمة واحدة، عن هذا السر الذي يعرفه القاصي والداني في سورية، وهل السيد خدام هو الوحيد الفاسد؟ فماذا عن الفاسدين الآخرين، فطالما فتحوا ملف الفساد، واصدروا احكامهم بالخيانة العظمي علي الرجل، فليكملوا معروفهم، ويثبتوا شجاعتهم ويفتحوا ملفات الآخرين واحدا واحدا، من هم داخل سورية او من لجأ الي المنافي الآمنة. والقائمة طويلة، واصغر طفل سوري جائع، لا يجد لقمة الخبز حتي في صفائح القمامة، التي تحدث عنها السيد خدام، يعرف الاسماء ويحفظها عن ظهر قلب.
كنا سنحترم السيد خدام، ونصفق له، ونغفر له كل عيوبه وخطاياه، لو انه قال ما قاله قبل خمس او عشر سنوات، او حتي قبل استهداف سورية من قبل الولايات المتحدة. وهي ليست مستهدفة بسبب فسادها، او دكتاتوريتها وتعطيل عملية الاصلاح فيها، وانما لعدم تعاونها بالشكل الكافي في العدوان الامريكي علي العراق، ولو تعاونت في الملفين الفلسطيني واللبناني لبقيت في لبنان، ولبقي السيد رستم غزالة حاكما بأمره الي يومنا هذا، ولما فتح السيد خدام فمه مطلقا.
اغتيال الحريري جريمة بشعة مدانة بكل المقاييس، ولكن السيد خدام، وهو بحكم موقعه كنائب لرئيس الجمهورية، ربما يكون بريئا من هذه الجريمة، ولكنه بالقطع ليس بريئا في اغتيالات اخري، يتحمل قسطا كبيرا من مسؤوليتها ومن ضحاياها، كمال جنبلاط، وحسن خالد، ورينيه معوض، وبشير الجميل، وجميع هؤلاء اغتيلوا عندما كان يمسك فعليا بالملف اللبناني. فمن سيحاسب السيد خدام علي هذه الجرائم، وجرائم اخري عديدة، من بينها مذبحة صبرا وشاتيلا التي عين السيد خدام بطلها ايلي حبيقة وزيرا محترما في الحكومة اللبنانية، وكان ضيفا عزيزا مكرما في دمشق يقيم له صديقه السيد خدام الولائم والحفلات في كل مرة يزور فيها العاصمة السورية.
السيد خدام قال انه سيعود قريبا الي سورية، والارجح انه سيعود فعلا وربما قريبا ولكن ليس علي ظهر الخطوط الجوية العربية السورية وانما علي ظهر دبابة امريكية، تماما مثل الذين عادوا الي بغداد، وجعلوا من العراق ساحة للفوضي والفساد والدمار، والسيارات المفخخة والبقية معروفة، اللهم الا اذا اراد الاعتزال والاعتكاف في فرنسا لسنوات قادمة، وهذا ما نستبعده علي شخص طموح متعطش للرئاسة مثل السيد خدام.