التصعيد دفع كل الأطراف إلى مأزق حرج يتطلّب التبريد آليات تثبيت الهدوء على الجبهة السورية

عمر العمر : البيان 30/12/2005

 

رفع الضغط الأميركي عن سوريا ـ مؤخراً ـ فتح الأفق العربي كالعادة أمام الاجتهادات المتباينة. ثمة من يحاجج بأن الشاهد المزدوج جرد تقرير ميليس من مصداقيته ففقدت ماكينة الضغط الأميركي أحد أقوى محركاتها.
هناك من يقول إن الحالة العراقية كبحت الاندفاع الأميركي لجهة بلد عربي ثان. بعض يرى أن دمشق أفلحت عبر الاستعانة بعواصم صديقة كبرى في إبطاء ضغط واشنطن. بعض يعزو ذلك إلى وساطة سعودية مصرية بغية منح سوريا خيزاً زمانياً لإعادة التكيف مع المطالب الأميركية الملحة. البعض ذهب إلى الحديث عن وجود صفقة خفية مع عدم الإجماع على أطراف هذه الصفقة.
ربما يكون شيء من كل ذلك وراء هذا السكون، لكن الأكثر أهمية من تقصي أسباب انحسار الضغط الأميركي هو معرفة ما إذا كان ذلك بمثابة حالة جذر طارئة أم هو نزع كامل لفتيل الأزمة.
من يتأمل مشهد الأزمة في إطارها الدولي الواسع يدرك كما قال الرئيس السوري بشار الأسد نفسه ان النظام هو المستهدف وليس بضعة مسؤولين. ونزيد على ذلك دور النظام على الساحة العربية.
من هذا المدخل يمكن القول إن النظام السوري أهدر فرصته الذهبية والأخيرة يوم أسدل الستار على المؤتمر العاشر للحزب الحاكم دون إعلان قرارات تحفر مسار تحول حقيقي وملموس من شأنه تحقيق إصلاحات أجمع السوريون داخل القاعة وخارجها على أهميتها باعتبارها مطلباً وطنياً ملحاً.
ذلك لا يعني أن الضغط الأميركي غايته انجاز تلك الإصلاحات أو معاقبة النظام للجفول عنها. لكن الثابت الذي لا جدال عليه أن رحيل حافظ الأسد شكل منعطفاً زمانياً حاداً في سيرورة النظام السوري. بعد غياب الأسد الأب أصبحت إعادة تجديد ماكينزم النظام وآلياته ومنهجه ضرورة حتمية على الصعيد الداخلي وتأتي مواكبة لحالة المد الجديد على الصعيد العالمي.
بغض النظر عن التوغل في التركيبة فالواضح لكل ذي عين نافذة ان النظام الذي نجح الأسد الراحل في الصمود به في وجه الضغوط وعبور أمواج متلاطمة من الأزمات لا يصلح بالضرورة للوراثة.
كان حافظ الأسد هو الأب الروحي للنظام وباني معماره ومهندس ماكينزمه الداخلي ومصمم آلياته وضابط سرعته وإيقاعه والملاح الذي يحذق مهارة قيادته وسط بحر الأزمات ويجيد به ركوب الأمواج المتلاطمة.
ليس ضعفاً في قدرات بشار الأسد لكن لا يجافي المنطق القول إن النظام الذي ورثه لا يعينه بالضرورة على بلوغ غاياته المرحلية. تلك حقيقة أدركها واعترف بها الأسد الابن عقب أدائه اليمين الدستورية حيث تعهد بإصلاح النظام. تلك كانت هي المهمة الوطنية العاجلة من أجل إعادة تشكيل نسيج الجبهة السورية الداخلية وفق الرؤى الجديدة التي نادي بها بشار الأسد، كما أن لا أحد يقلل من أهمية تماسك الجبهة الداخلية في حالة نشوب أي مناطحة مع جهة خارجية.
اصطدام بشار الأسد مع تروس النظام الموروث مسألة بديهية ذلك أن هذه التروس تشكل ظاهرة مجسمة من واقع متكلس عمقه ثلاثون سنة ويزيد. مهمة تغيير هذا الواقع تقتضي بالضرورة تحديث تروس النظام.
هو واقع راكمته ثقافة عربية ظلت ماكينة النظام تضخها عبر كل القنوات المتاحة، الرسمية منها والشعبية. هي ثقافة ليست سلبية في المطلق وقد شكلت تياراً مؤثراً من الوعي الذي يعين على الفرز في العمل السياسي بين الغث والثمين والطالح والصالح والأصيل والكاذب. ربما لم تفلح فقط في تنشئة أجيال قادرة على التصدي للغث والطالح والكاذب بل إن الماكينة نفسها كانت تفرخ الرعب لكن ذلك لا ينفي أن ذلك التيار الواعي لدى تلك الأجيال جعلها قادرة على نبذ الخيانة والجنوح لموالاة الخارج على حساب الداخل رغم تناقض شرائح في تلك الأجيال مع هذا الداخل.
لذلك التيار تنتمي أطياف المعارضة للنظام فهي لا تزال تراهن على الاتساق الوطني وبناء جبهة داخلية صلبة ملاطها الحوار الوطني. وكان رهان المعارضة على المؤتمر العاشر لحزب البعث صادقا غير أنها لم تكن مسرفة في تفاؤلها إذ لم تعول كثيرا على تصريحات المسؤولين التي سبقت المؤتمر بترويجه وكأنه منعطف تاريخي للتحول لجهة الإصلاح المنشود.
لو أن المؤتمر خرج ولو بقدر قليل مما تم الترويج المسبق له لأعان المعارضين على تناسي العقوبات والعذابات التي تعرضوا لها على مدى أربعين عاماً ولأمكن إعادة رص صفوف الجبهة الداخلية.
لم تكن المعارضة ترى مع اقتراب موعد المؤتمر، آنذاك أن لديها من القوة ما يعينها على كسر عظمة النظام أو حمله على تقديم تنازلات لكنها كانت على قناعة ولما تزال بأن في الوطن متسعاً للجميع من أجل إعادة الاصطفاف في وجه الضغوط الخارجية التي كانت بدأت سحبها تتجمع فوق الشام. لم يكن مطلوباً من النظام التراجع أو تقديم تنازلات بل أخذ المبادرة من أجل إشعار المعارضة بحقها في المشاركة في بناء الجبهة الداخلية على قدم المساواة. لم يكن بالضرورة الذهاب بعيداً لجهة رفع قانون الطوارئ المعلن منذ العام 1963 بل ربما كان يكفي إلغاء المحاكم الميدانية والعسكرية.
بما أن حافظ الأسد هو مهندس النظام فربما كان هو الأقرب لتليين مفاصل النظام التي تكلست وكان الأسد الراحل ناشد بالفعل ـ قبل وفاته ـ جهازي الحزب والبرلمان العمل من أجل تلك الغاية.
لكن بشار الأسد ورث نظاماً يرفض تلقائياً التجاوب مع كل جهد من شأنه الإصلاح درجة التمرد عليه وبات يستلزم عملية جراحية مؤلمة، فهو نظام ممتلئ بالرضا عن الذات حتى انه لا يعترف بالشيخوخة المتمكنة منه.
قطاع من المعارضة لا يركز على ضعف آليات النظام السياسية قدر تركيزه على هبوط معدلات النمو الاقتصادي في سياق أزمة اقتصادية ضاغطة يستشري فيها الفساد بفعل ما بات يسمى بـ الذئاب الشابة. بينما لدى سوريا من الإمكانات ما يؤهلها لتبني خطة اقتصاد صناعي قائم على التنوع والقدرة على التنافس فان هناك مليون سوري يعيشون على نفقة الجمعيات الخيرية حسب اعتراف عبدالله الدردري نائب رئيس الوزراء.
؟ تصدير العقلية القابضة عبر الحدود
تلك
هي العقلية نفسها التي توغل بها النظام في الشأن اللبناني إذ اعتمد تصدير الآليات الداخلية نفسها عبر الحدود المشتركة. لا أحد ينكر الدور الايجابي الذي أدته سوريا على الساحة اللبنانية لكن ذلك الدور صاحبته تشوهات عديدة وجارحة حد العظم وهي تشوهات جاءت إفرازاً تلقائيا لماكينزم النظام في دمشق.
الساحة اللبنانية هي الأخرى ذات تضاريس فسيفائية يتطلب التوغل فيها مهارات من طراز فريد. لعل ذلك يشهد لحافظ الأسد بالبراعة، بما انه مهندس النظام ومصمم آلياته فقد كان ماهراً في الاحتفاظ بخطوط سالكه وسط تلك التضاريس الفسيفسائية.
حتماً لم يكن الانسحاب السوري من لبنان سيتم تحت ضغط قرار دولي فيما لو ظل حافظ الأسد على قيد الحياة. وما كان الجيش السوري يرحل من لبنان على ذلك النحو الذي عاد به في تلك الليالي الشتائية فقد كان قميناً بوداع لبناني غير ذلك وباستقبال سوري غير ذلك النحو الذي جعل المشهد في مجمله أشبه بالهروب.
النظام المبني على عقلية أمنية قابضة عمد إلى تفعيل آلياته على ارض لها رصيد في الحريات وذات تركيبة موزاييكية وعندما غاب الطباخ الماهر الذي احتفظ بنكهة قد لا تثير الشهية ولكنها مقبولة التناول احترقت الطبخة حسب تعبير أحد المعارضين. غير أن مغادرة الجيش السوري الأرض اللبنانية لا يعني بالضرورة تصفية الوجود السوري في لبنان، لا أعني هنا بقاء العناصر الأمنية بل استحالة الفصم السياسي بين ما هو لبناني محض وبين ما هو سوري صرف إذ توغل الاشتباك بين الجانبين خارج جهاز السلطة إلى شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
إن أية محاكمة لجهة سورية ما ستطال بالضرورة عناصر لبنانية ذلك أن الفرز بين الطرفين يكاد يكون وهماً في إطار العملية السياسية، فالإخفاق السوري في لبنان لم يكن مبرأ من المصاحبة اللبنانية.
ذلك الاشتباك أو التشابك لم يكن يعبر عن خطيئة سياسية على أي جبهة غير أن افتقاده للحوار واتخاذه طابع الإملاء أو الالتفاف أو التسويق هو الذي أدى إلى سقوط بعض الممارسات في فخاخ المؤامرة أو الخيانة.
ربما مرة أخرى عند هذا المنعطف يظهر شبح حافظ الأسد. فالعديد من السوريين يعتقدون أنه ما كان للعلاقة أن تبلغ هذا الانكسار الحاد فيما لو كان الرجل على قيد الحياة.
ويرى أن الأسد الأب كان قادراً على معالجة الأزمة في مهدها.مرة أخرى يؤكد هذا أن الأسد الراحل كان يجيد قيادة نظامه بمهارة لن تتاح لغيره حتى لو كان ابنه من صلبه.
لم يكن مستبعداً أن يفتح المؤتمر العاشر الطريق أمام إزالة التشوهات التي اعتورت العلاقات السورية اللبنانية فيما لو قطع المؤتمرون على طريق الإصلاح مشواراً جاداً على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ليس لإفادة الشاهد المزدوج صلة بتخفيف الضغط الأميركي على سوريا. تقرير ميليس يشكل ترساً في ماكينة لكنه ليس الترس الوحيد أو الأساسي.إفادة الشاهد المزدوج لم تبطل تقرير ميليس ولن تطوي ملف التحقيق الدولي في اغتيال رفيق الحريري.
من المؤكد أن انسحاب الرجل الألماني من مواصلة المهمة فرض مهلة لالتقاط الأنفاس أمام الجميع.وإذا كان للتحقيق باع في كبح الاندفاع الأميركي فإنه يكون ضمن هذا السياق لا خارجه.
؟ السيناريو العراقي لا يغري بالمحاكاة
الحالة العراقية تنفي أي احتمال لقناعة سورية بإمكانية إعادة إنتاج السيناريو الأميركي نفسه في أي بلد عربي على الأقل في الظروف الحالية.
المعارضة السورية نأت بنفسها هي الأخرى عن أي احتمال لإعادة إنتاج السيناريو العراقي بركوب ظهر دبابات أميركية. بل لدى قطاع عريض منها قناعة بأن أميركا لا ترغب في اقتلاع النظام وإنما ترويضه.
ربما بهذه القناعة نفسها فإن السوريين متأهبون لحماية النظام في سياق الإيمان بالدفاع عن الوطن، الثقافة التي راكمها النظام على مدى سني بقائه الطويل أفشت ريبة تجاه الدول الخارجية خاصة الغربية منها وبصفة أخص الولايات المتحدة، هي ريبة تبلغ غالباً درجة التوجس من المؤامرة.
يضاف إلى ذلك الشعور بالوعي القومي الفائض الذي يتضمن بالضرورة التزاماً وطنياً عميقاً وكلاهما يسدان الأفق أمام أي احتمال للترحيب بتدخل أميركي حتى وان كانت غايته إزاحة النظام.
التدخل الأميركي في العراق ولد نفوراً جارفاً من اللجوء إلى التسليم بخيار مماثل. ربما يعايش السوريون قدراً مما كان العراقيون يعانونه تحت نظام صدام حسين، لكن معاناة العراقيين تفاقمت بعد إطاحة النظام. بدلاً من الاستمتاع بالحرية افتقد العراقيون الطمأنينينة والأمن واستشرى الرعب من التفجير والاغتيال والتصفية العشوائية والسلب والنهب والاختطاف والابتزاز.
عوضاً عن الرفاهية المنشودة تورط العراقيون في البؤس والظلام والمرض، بدلاً عن دولة المؤسسات فقدت الدولة هيبتها وضاعت أجهزتها.الصورة العراقية في مجملها لا تغري بالمحاكاة. أصبح الوطن بأسره مهدداً بالتجزئة وفق تضاريس طائفية وإثنية.
بكل المعايير يرى كثير من السوريين أن بشار الأسد جاد في عزمه على إنجاز الإصلاحات المطلوبة. ويرى عديد منهم انه حقق خطوات في هذا الطريق وأنه يجاهد لمغالبة المصاعب التي يواجهها. هي عقبات تراوح من بيروقراطية فاسدة مروراً بحرس قديم وانتهاء إلى طبقة طفيلية التهمت مغانم الخصخصة التي تم تطبيقها.
من هذا المنطلق فإن السوريين يفضلون الرهان على نظامهم الداخلي بدلاً من ركوب مغامرة خاسرة مع قوى خارجية. صحيح أن الخطوات التي حققها بشار الأسد تبدو حيية في ضوء طموحات الجميع لكن الحياة المعيشية ليست جحيماً كما هو الحال تحت الاحتلال. ما من سوري يرغب في استنهاض شبح الطائفية على النحو الذي يهدد وحدة البلاد كما هو الحال في العراق.
تشبثاً بعقلية البعث المشتركة كانت أميركا وضعت دمشق هدفاً بعد دخولها بغداد. اتهام سوريا يفتح حدودها مع العراق أمام الإرهابيين يأتي في سياق التحرش الأميركي بسوريا أكثر من التعبير عن حقيقة مفزعة. إذا كان ثمة عابرون للحدود السورية إلى العراق فإنهم متسللون يتقاطرون من وراء عيون النظام السوري. في كل الأحوال عدد المتسللين لا يشكل خطراً يوازي الجأر بالشكوى على الطريقة المعلنة.
ثمة تدخل أكثر مباشرة وأثقل خطراً على حدود عراقية أخرى لكن الضغط عليها لا يوازي ما هو ممارس على سوريا وحينما يتصاعد الضغط أو ينحسر فلا يكون الوضع الأمني في العراق هو دافعه الوحيد.
من هذا المنطلق يمكن الاتفاق على أنه إذا كان لكبح الضغط الأميركي على سوريا علاقة بالحالة العراقية فإنه يأتي في إطار حرص إدارة بوش على استكمال الانتخابات البرلمانية العراقية وتشكيل حكومة جديدة في بغداد.
ذلك الحرص الذي أسكت جميع بؤر ومصادر العنف يوم ذهب العراقيون إلى صناديق الاقتراع وهو سكوت استثنائي لافت آثار دهشة الجميع ولم يجدوا له مبرراً.
الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها بل هي آلية سياسية لانجاز مهام متعددة في مقدمتها تشكيل حكومة عراقية وهي مهام تتطلب حيزاً زمانياً غير قصير كما تتطلب جهداً مكثفاً على الصعيدين الأمني والسياسي.
ومن ثم يهم الإدارة الأميركية أن تعلق جهودها على جبهات أخرى من أجل استكمال هذه المهام العاجلة على الساحلة العراقية.من هذه الزاوية نفسها يمكن تأمل الفرضية التي تعزو تخفيف الضغط الأميركي عن سوريا إلى وساطة عربية وحصر تلك الوساطة في السعودية ومصر.
فهي فرضية لا تصطدم بالقبول بل يمكن استيعابها في ظل فهم العلاقة الحميمة التي تربط كلا من الرياض والقاهرة مع دمشق وهي علاقة لعبت أدواراً على الصعيد العربي في فصول عدة على المسرح العربي.
؟ تبريد السطح اللبناني
من الطبيعي أن تنهض الرياض والقاهرة من أجل احتواء أو تخفيف الضغوط الأميركية عن دمشق خاصة أن المملكة العربية السعودية ومصر قنوات سالكة مع الولايات المتحدة. مثل هذا النهوض ليس مجرد مجاملة بل يرقى إلى درجة الواجب في المفهوم العربي لن تتأخر عنه الدولتان.
البعض يعتقد أن دمشق هي التي بادرت لطلب الدعم السعودي المصري وهي رؤية لا تقلل من مكانة سوريا ولا تمس أياً من مصر أو السعودية بقدر ما تؤكد على متانة العلاقات بين الدول الثلاث.
غير أن استكمال الصورة تقتضي الأخذ في الاعتبار وجهة نظر أخرى ترى أن الإدارة الأميركية نفسها أصبحت في حاجة ملحة وعاجلة للتهدئة مع سوريا. وأن تلك التهدئة لابد أن تمر عبر تبريد السطح اللبناني الملتهب بالتفجيرات والدم والأشلاء.
هذا يعني أن الإدارة الأميركية وجدت أن تسخين الضغوط على سوريا لم يفض إلى إبطال السيارات المفخخة في لبنان بل على نقيض ذلك تعددت الاغتيالات دون النجاح في ضبط مدبري أو منفذي عمليات التفجير المتتالية.
ومع كل تفجير جديد يلتهب المسرح السياسي اللبناني. الضغط الأميركي وضع سوريا في قفص الاتهام دون العثور على دليل ملموس واحد. مواصلة التصعيد على هذا المنوال واستمرار مسلسل التفجيرات على الساحة اللبنانية لم يترك خياراً أمام الإدارة الأميركية غير اتخاذ خطوة من شأنها إثبات مصداقيتها أو مواجهة غضب لبناني لا يعرف أحد المدى الذي يمكن أن تبلغ تداعياته.
كما أن هذا الخيار سيضع الإدارة الأميركية في مأزق بالغ الحرج على الصعيد الدولي إذ سيبدو بمثابة حماقة بالإضافة إلى أن الخطوة نفسها لا تزال مغامرة لا أحد في الإدارة الأميركية قادر على بلورتها.
في تخمة هذا الظلام فإن أميركا تحتاج إلى مهلة للتروي علها تبصر ثقباً تنفذ عبره من هذه العتمة إلى أفق رحب تبدو فيه قادرة على إيجاد مفتاح غير مكلف للأزمة.
بهذا الفهم يصبح غير مهم معرفة ما إذا كانت دمشق هي التي استعانت بالرياض والقاهرة أو أن العاصمتين نهضتا تحت إحساسهما بالتضامن للتفريج عن العاصمة الثالثة أو إن واشنطن كانت مهيأة لتقبل مثل هذا الدور أو حتى أنها هي التي أوعزت لحليفتيها العربيتين بالتحرك على هذا الطريق كما يزعم البعض.
الأكثر أهمية من هذه الفرضيات أنها تتلاقى عند خلاصة منطقية واحدة تتمثل في الحاجة الملحة لإبطاء الاندفاع الأميركي تجاه سوريا.لكن كل الفرضيات تذهب في اتجاه أن يصبح ذلك الإبطاء عارضاً. من المؤكد أن الأفضل البحث عن مفتاح من شأنه نزع فتيل الأزمة على نحو جذري.
؟ تنقية الأجواء
المد
خل السليم لمثل هذه المهمة يكون عبر تصويب العلاقة السورية ـ اللبنانية، فالثابت إن هذه العلاقة باتت تتطلب تدخلاً عاجلاً لتذويب التراكمات التي تداعت عقب اغتيال الحريري سدت الأفق بين البلدين. إزالة هذه التراكمات ستفتح الأفق الأزلي بين الجارتين وتعين على تفكيك الألغام التي لا توسع الهوة فقط بين الطرفين بل تهدد بتشطير البنية السياسية اللبنانية على نحو تتراجع معه مكانة الدولة نفسها.
من المؤكد أن تنقية الأجواء السورية اللبنانية ستفتح المدى واسعاً لإمكانية انحسار الضغط الأميركي. بل إن هذا الانحسار لن يكون ممكناً إلا مع تنقية تلك الأجواء. كما أن تنقية الأجواء ليست مهمة يقتضيها البحث عما من شأنه دفع الأذى عن سوريا بل ضرورة يفرضها التشابك السوري ـ اللبناني وهو تشابك لا ينحصر فقط على الصعيد السياسي بل يتوغل في لحم التاريخ والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد.
غير أن هذه العلاقة رغم تشابكها على هذا النحو ليست قابلة للتطابق مثلما هي غير مهيأة للقطيعة. وهي مثل كل العلاقات عرضة للخطأ فاعتراها قدر من السلبيات والتشوهات لكن الواقع يقول إن تصويب هذه الخطايا أقل كلفة على الجانبين من دفع العلاقة إلى الهاوية.
الاعتراف بمشروعية التطرف في رد الفعل على اغتيال الحريري ربما لا يوازيه تبرير السخط إزاء وضع النظام السوري تحت المطرقة الأميركية. كلاهما قابل للجدل. لكن الذي يبقى ثابتاً أن الانسحاب العسكري من لبنان لم يكن تصفية للدور السياسي السوري في لبنان.
هذه حقيقة تعكسها في جلاء الأزمة التي تواجه حكومة السنيورة حالياً وهي أزمة تهدد بإغراق لبنان في فراغ سياسي أو على الأقل تكريس الطائفية على نحو يبتلع الدولة والأمن والاستقرار.
غير أن الحقيقة الجديدة التي فرضت وجودها في فضاء العلاقات بين الجانبين أن لبنان بعد اغتيال الحريري لم يعد عليه كما كان قبله. تثبيت هذه الحقيقة في ذهن جميع الأطراف يعين حتماً على بناء علاقات معافاة أكثر جدوى للجميع وربما يكون هذا أقرب الطرق وأقل الجهود لإزالة التشوهات والتراكمات التي أغلقت قنوات العلاقات بين الجارتين.
كما أنه يبقى ثابتاً أن تخفيف الضغط عن سوريا مهمة ونزع فتيل الأزمة قضية أخرى فإذا كان النظام وليس بضعة مسؤولين هو المستهدف فيبقى مطلوباً إعادة قراءة توجهات النظام بحيث يتصالح مع الداخل أولاً على نحو يتيح بناء جبهة داخلية صلبة يسند النظام ظهره إليها في مواجهة أي خطر محتمل. بناء الجبهة الداخلية المتماسكة يساهم في إغلاق المنافذ الخارجية لاستهداف أي نظام