الوطنية السورية والأزمة الراهنة  - مساهمة في النقاش العام

فايز سارة - السفير

 

للاسف الشديد، ليست لدى السوريين فكرة موحدة حول الوطنية، وما يتصل بها من قضايا مثل قضية الامن الوطني، او الوحدة الوطنية، او المصلحة الوطنية، او الارث الوطني، وغيرها من موضوعات، بدت مفهومة وبديهية لوقت طويل، لكنها اندفعت في السنوات الاخيرة لتصير موضع خلاف واختلاف من الناحيتين الفكرية والسياسية ومن الناحية العملية.
لقد عاش السوريون عقوداً طويلة، يرون ان كيانهم السياسي هو كيان موقت، قابل للتحول الى جزء من كيان آخر اكبر وأكثر اتساعاً، وكان يمكن ملاحظة هذا الوضع منذ ان بدأت حركة النهوض في مواجهة الاتراك. فبعض السوريين حصر نظرته الى سوريا، التي لم تكن بعد محددة المعالم السياسية كما هي اليوم، بوصفها مرتبطة بالعالم العربي الذي لم يكن حينها، يتجاوز حدود المشرق العربي الا قليلاً. وجزء آخر من السوريين حصرها باعادة تجديد العلاقة مع الاتراك العثمانيين بوصفهم مركز الامة الاسلامية، وهذا يعني ان سوريا هي جزء من كيان تلك الامة، وقد تراجع خيار هذا الجزء من السوريين مع بدايات القرن العشرين الى ان كاد يتلاشى مع خروج العثمانيين من سوريا في العام 1918.
وكان خروج العثمانيين من بلاد الشام مفصلاً رئيسياً في ظهور وتطور الكيان السوري. اذ اتاح تطبيق اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية لتقسيم بلاد الشام والعراق، ووضعها تحت انتداب الدولتين، والبدء بتنفيذ وعد بلفور باعطاء فلسطين وطناً قومياً ل<<اليهود>>. ومنذ ذلك الوقت صار بالامكان التحدث عن سوريا بوصفها بلداً محدداً من الناحيتين السياسية والجغرافية، خاصة بعد المعركة التي خاضها السوريون ضد الانتداب الفرنسي لمنع تقسيم سوريا الى خمس دول: دولة حلب ودولة دمشق، دولة العلويين ودولة جبل الدروز الى جانب سنجق الاسكندرون، فتمت اعادة توحيدها في اطار سوريا في حدودها الراهنة.
غير ان كسب معركة توحيد سوريا تحت الانتداب الفرنسي، لم يترافق مع تغيير في نظرة النخبة السورية لبلدها ككيان نهائي، بل استمرت نظرتها الى هذا الكيان باعتباره كياناً موقتاً ومرحلياً، هو جزء من كيان لاحق. حيث سوريا جزء من كيان قومي عربي حسب القوميين العرب، وجزء من كيان اسلامي تمثله الامة الاسلامية، طبقاً للرؤية التي سادت في اوساط الجماعات الاسلامية في سوريا، وجزء من كيان اممي حسب نظرة الشيوعيين السوريين، كما ان سوريا هي جزء من الكيان القومي السوري الذي يضم معها العراق وفلسطين والاردن ولبنان وشبه جزيرة سيناء اضافة الى جزيرة قبرص من جانب الحزب السوري القومي الاجتماعي.
ان مجرى نضال السوريين من اجل الاستقلال، يبين ان جهود السوريين من اجل الاستقلال كانت متفاوتة، ومساهمتهم في ذلك سواء على الصعد العسكرية والسياسية لم تكن من سوية واحدة، ومع ذلك، حاولت الاغلبية السورية اعطاء معركة الاستقلال <<طابعاً وطنيا>> في مواجهة الانتداب عبر شعار معروف <<الدين لله والوطن للجميع>> الذي كان يعني توحيد السوريين حول هدف <<وطني>> اساسه اخراج القوات الفرنسية من سوريا. وبحصول الاستقلال في العام 1946، اخذت التباسات الوطنية السورية، تعود مجدداً في صيغة صراعات بين الجماعات السياسية وفي قلب تلك الجماعات. اذ لم تقتصر الصراعات على القوميين العرب والاسلاميين والشيوعيين والقوميين السوريين، انما امتدت الى اطار النخبة الحاكمة، التي اختلفت حول علاقات سوريا بمحيطها العربي من خلال سعي البعض الى ربطها بالمحور الهاشمي في بغداد وعمان، وسعي آخرين الى توثيق علاقاتها مع المحور السعودي المصري.
وبالتوازي مع الصراعات الداخلية، كانت تتواصل سلسلة من الصراعات بين سوريا والخارج ومنها الصراع مع الاسرائيليين، او صراعات القوى الاقليمية والدولية على سوريا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي صراعات ساهمت في تكوين رؤية في <<الوطنية>> السورية، عكست نفسها في سلوكيات النخبة السورية، وبلورت ظهور مفهوم سياسي ل<<الوطنية>>، يستمد تعريفه من اقترانه بسياسة هذه الجماعة السياسية أو تلك، وليس من خلال عمق سياسي وجغرافي وحضاري، كما ينبغي ان يكون.
لقد ادى تسييس مفهوم <<الوطنية>> في الحياة السورية الى تحول أي فريق من الجماعات والشخصيات السياسية الى ناطق باسم <<الوطنية>> ومانح للشهادات فيها والى اتهام الآخرين ب<<الخيانة>> و<<التآمر>> وما اليهما من عبارات التخوين واللاوطنية، كانت تحتويها بيانات الانقلابيين الذين حكموا سوريا بعد الاستقلال، وهي صفات كانت معظم الحكومات السورية تصف بها معارضيها من رجال السياسة، الامر الذي اعطى <<الوطنية>> في سوريا في احد جوانبها مسحة رسمية، وهو ما ظهر بصورة واضحة في عهد الوحدة السورية المصرية (19611958) ثم تكرس بعد استيلاء البعث على السلطة واحتكارها في العام 1963.
لقد صارت <<الوطنية>> سمة الحكم، ومن يعارضه <<غير وطني>>، وقد يصير اذا زادت معارضته في مصاف <<الخونة>> و<<المتآمرين>>. وبالاستناد الى هذه <<الوطنية>> يتم النظر الى القضايا ذات العلاقة مثل <<السيادة الوطنية>> التي يمكن ان تكون محققة في ظل سلطة البعث سواء كان الجولان محتلا او لا، كما يمكن وصف <<الوحدة الوطنية>> بأنها قائمة بغض النظر عن حجم وانتشار قوى المعارضة السياسية والاجتماعية للسلطة. و<<المصلحة الوطنية>>، هي ما تراه السلطة من مواقف وسياسات على الاصعدة كافة، سواء تبنت <<الاشتراكية>> او <<الرأسمالية>>، و<<الامن الوطني>> متحقق طالما ان البلاد تحت سيطرة الاجهزة الامنية.
ان مفهوم <<الوطنية>> هو تعبير عن علاقات المنتمين الى هوية ما، بما يعنيه الانتماء من عمق سياسي وجغرافي وحضاري، يعزز ويعمق العلاقة في ما بينهم، ويجعلهم بالفعل اصحاب هموم واهتمامات متقاربة تشد بعضهم الى البعض الآخر، ليس فقط استناداً الى الارث والواقع بما فيهما من معطيات، بل ايضاً الى المصالح في أبعادها الراهنة والمستقبلية. ان <<الوطنية السورية>> باختصار هي اولادنا نحن السوريين!
(
) كاتب سوري