حوار مع بولتون

غيدا فخري : الشرق الأوسط

بولتون: ميليس رد علنا لأن دمشق شنت حملة لتشويه سمعته
وتقاريره
تشير إلى تورط سوري على مستوى رفيع جدا

مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة لـ الشرق الاوسط :
رأينا أنه يجب أن يسمح للبنانيين بانتخابات رئاسية قريبا
غيدا فخري : الشرق الأوسط 29/12/2005
قال جون بولتون مندوب الولايات المتحدة الدائم لدى الأمم المتحدة، ان ما يتوقعه مجلس الامن من سورية هو التعاون التام وغير المشروط مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، مشيرا الى ان الاجابة على السؤال حول الخطوة التالية هي في يد الحكومة السورية، فاذا تعاونوا بشكل تام وغير مشروط فليس هناك سبب يدعوهم للقلق، واذا لم يقوموا بذلك فهم يهزأون بقرار مجلس الامن ويعرقلون التحقيق ويتعين النظر في ما يجب ان نفعله. ونفى بولتون في حوار اجرته معه الشرق الأوسط في نيويورك ان تكون واشنطن تدعم مرشحا بعينه الى الرئاسة في لبنان، ردا على سؤال حول موقفها من الجنرال ميشال عون، وقال كانت هناك انتخابات برلمانية جيدة، ولكن لم تكن هناك حتى الآن انتخابات رئاسية، وفي رأينا، هذا أمر لا بد أن يُسمح للبنانيين بان يقوموا به في المستقبل القريب جداً. وعندما تكون لهم الفرصة للقيام بذلك، سينتخبون مَن يريدون أن ينتخبوه وهو مَن سنتعامل معه. وحول الجدل الذي اثارته تصريحات ديتليف ميليس اخيرا، قال بولتون: عندما تنخرط الحكومة السورية في حملة دعاية هجومية، في محاولة لتشويه سمعة ميليس واللجنة وشهوده، يمكنني أن أتفهم لماذا شعر بضرورة الرد علناً. ولا أعتقد أنه قال أي شيء غير مناسب على الاطلاق، نظراً لطبيعة دوره. وحول العراق قال، أعتقد أن التطور البارز الذي أظهرته الانتخابات، هو أن هناك الآن رغبة من قبل جميع فئات المجتمع العراقي بالمشاركة في العملية السياسية، وهذه هي خطوة مهمة الى الأمام. وبشأن انتخاب خليفة لكوفي انان، بعد انتهاء مدته، قال ليس لدينا مرشح مفضل حتى الآن.
> الرسائل التي تبعث بها الادارة الأميركية الى دمشق تبدو متناقضة، لا سيما في ضوء القرار الأخير لمجلس الأمن. ما الذي تسعون اليه؟
ـ لا، أعتقد أن الرسالة في القرارات الثلاثة الأخيرة، بدءا بالقرار 1595، كانت نفسها، وهو أن معيار السلوك الذي نتوقعه من سورية هو التعاون التام وغير المشروط مع ميليس، وأن هذا التعاون اذا كان غير آت قريباً، فسيكون مجلس الأمن في وقت مناسب مستعداً لاتخاذ اجراءات أخرى. أعتقد أن هذه مسألة توقيت فقط. والاجابة الحقيقية هنا في أيدي الحكومة السورية: اذا تعاونوا بشكل تام وغير مشروط فليس هناك أي سبب يدعوهم الى القلق، ولكن اذا لم يقوموا بذلك فهم يهزأون بقرار مجلس الأمن ويستمرون في عرقلة التحقيق. وسيتوجب علينا أن ننظر في ذلك وأن نقرر ما الذي ينبغي أن نفعله. وتوقع عودة مجلس الامن الى مسائل متعلقة بسورية في بداية العام الجديد.
> ولكننا لاحظنا أن رد المجلس على تقرير ميليس الأخير لم يكن بالقوة التي كنتم تتطلعون اليها. أين يترك ذلك مسألة العقوبات، خصوصاً بعدما أكده ميليس من أن لجنة التحقيق لن تزود المجلس بأسماء المشتبهين، الا بعد انتهاء التحقيق؟
ـ أعتقد أن مجلس الأمن في قراره الأخير عكس بشكل أساسي ما قاله ميليس في تقريره، وهو أنه في حين كان هناك بعض التعاون السوري، الا أنه كان متردداً وغير ملائم. ولكن المجلس أراد أن يوضح للسوريين اننا لم نغير ما قاله وزراء الخارجية في القرار 1636، وأننا نتوقع تعاوناً كاملاً وغير مشروط من الحكومة السورية. وما يعنيه ذلك، حسب اعتقادي، هو أننا في منتصف عملية تحقيق ونحاول أن نتخذ قرارات حساسة حول أفضل طريقة يمكننا فيها أن ندعم المحققين. وبكل تأكيد، هناك مجموعة من المواضيع الأخرى المتعلقة بسورية، التي ما زالت أمامنا، والتي تتعلق بالقرار 1559، وأعتقد أن مجلس الأمن سيعود الى هذه المسائل أيضاً مع بداية السنة الجديدة.
> ولكن، هل تريدون فقط من دمشق تعاوناً كاملاً مع لجنة التحقيق، أم أن ما تسعون اليه في نهاية المطاف هو تغيير النظام في سورية؟
ـ ان القرار الأخير سمح للجنة التحقيق بتقديم الدعم التقني للحكومة اللبنانية، في التحقيق في جرائم القتل الأخرى، كما أن القرار طلب من الأمين العام أن يرفع تقريراً الى المجلس حول الانعكاسات الادارية لتلبية طلب الحكومة اللبنانية الرسمي بتوسيع مهمة لجنة التحقيق. وهذه ستكون بالنسبة لنا المسألة المقبلة التي سننظر فيها، أي ما اذا كان سيتم توسيع نطاق التحقيق، وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة تدعم ذلك بشدة.
> هل لا يزال تغيير النظام خياراً وارداً بالنسبة لكم؟
ـ ان الموضوع بالنسبة لنا هنا لطالما ارتكز على الجوانب المتعلقة باغتيال الحريري في القرار 1595، ولكن جهودنا للوصول الى اعادة الاستقلال والسيادة للبنان، كما ينص عليه القرار 1559، هي الأهداف التي نتبعها في نيويورك.
> يرى البعض ان المحرك الأساسي وراء السياسة الأميركية تجاه سورية، هو أجندة اسرائيل داخل الادارة الأميركية، وأنكم تستخدمون قضية اغتيال الحريري كوسيلة ضغط على الحكومة السورية لاجبارها على سحب دعمها لحزب الله في لبنان، من جهة، وارغامها على الدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل. ما مدى صحة ذلك؟
ـ ان الأجندة الوحيدة التي تتبعها الولايات المتحدة هي أجندة الولايات المتحدة، ونحن نواجه أيضاً انتقادات بسبب ذلك. انه موضوع يمكن لأشخاص عاقلين أن يختلفوا حوله، ولكن لدينا أجندة واحدة وهي أجندة أميركا.
> هناك مَن يعتقد بأن صفقة ما تمت بين واشنطن ودمشق، قد تفسر الهدوء النسبي في الانتخابات العراقية الاخيرة، الذي يعتبر البعض أنه جاء نتيجة تعاون السلطات السورية. هل كان هناك تفاهم متبادل بينكم وبين السوريين في هذا الشأن؟
ـ لا أعتقد أنها مسألة تفاهم متبادل أو صفقة. لقد قلنا للسوريين مرات عدة: عليكم ضبط الحدود مع العراق ومنع عبور الارهابيين وسلاح الارهابيين وتمويل الارهابيين عبر هذه الحدود. وهذا، بكل تأكيد، هو أمر يحظى بأولوية كبيرة بالنسبة لنا على الصعيد الثنائي، ازاء سورية، وبالنسبة لكل أعضاء التحالف. وهو أمر نتباحث فيه في نيويورك، لأن هناك مهمة للقوات المتعددة الجنسيات في العراق، وعندما يصبحوا مهددين بالخطر، وعندما لا تقوم بعض الدول الأعضاء، بما فيه الكفاية، لحمايتهم من هذا الخطر، فأعتقد أنه يشكل قلقاً مشروعاً بالنسبة لنا.
> هل رأيتم تعاوناً أفضل من سورية في ما يتعلق بضبط الحدود مع العراق ومنع عبور المتمردين؟
ـ لا أعتقد أنه يمكنني أن أقول إن هناك تغييراً ملموساً في أسلوبهم، وهذه هي مسألة نستمر بالدفع في اتجاهها.
> أشرتم قبل قليل الى القرار 1559، وقد لوحظ في الفترة الأخيرة تراجع اهتمام مجلس الأمن بهذا القرار لانشغاله بقرارات أخرى. أين المجلس اليوم من مسألة تفكيك الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، حسب ما ينص عليه القرار؟
ـ أعتقد أننا تابعنا باهتمام نشيط جداً التقرير الأخير الذي قدمه تيري رود ـ لارسن، الممثل الخاص للأمين العام المعني بمتابعة تطبيق القرار 1559، ولكن لا شك في أن اغتيال جبران تويني، بهذا الشكل الوحشي، تطلب منا أن نحول انتباهنا الى ذلك، وقد انشغلنا بمجموعة من المسائل الأخرى الملحة جداً. وتُعتبر الشؤون التي يتضمنها القرار 1559، الى حد ما، بعيدة المدى، وقد أجرينا مشاورات مع عدد من الدول الأعضاء حول ما الذي يجب أن نفعله في هذا الصدد، ونحن ننظر في بدائل كثيرة ونقوم باتصالات في نيويورك وبين عواصم الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وتوقعاتي هي أن نحاول تحويل اهتمامنا الى ذلك بصورة نشيطة جداً، بعد اول يناير( كانون الثاني) المقبل. والأمر الذي سننظر فيه هو القدر الذي استجابت فيه سورية أو لم تستجب لالتزاماتها بموجب القرار 1559، وسنحاول أن نقرر الخطوات المناسبة في تلك المرحلة.
> كيف تنظرون الى التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ديتليف ميليس، التي عبر فيها عن قناعته بأن السلطات السورية وراء عملية اغتيال الحريري؟
ـ التقارير التي قدمها ميليس الى مجلس الأمن تدل بدون شك على أنه يملك أدلة مهمة تشير الى تورط سوري على مستوى رفيع جداً، وأعتقد أن ذلك واضح من خلال تقاريره المكتوبة، ومن خلال ما قاله لمجلس الأمن. بيد أن الصعوبة التي واجهناها خلال الأشهر الماضية هي أن التردد السوري في التعاون مع لجنة التحقيق التي ترأسها ميليس جعلت من المستحيل بالنسبة له جمع الأدلة اللازمة. فأعتقد أنه، كمدع عام، يتمتع بقدر كبير جداً من المهنية والكفاءة، كان بطبيعة الحال حذراً جداً في التوصل الى استنتاجات لا يمكنه بعد أن يثبتها بشكل معقول، وكلنا يتفق على أن هذا النوع من الاثبات هو المعيار المناسب في المحكمة. هناك أدلة كثيرة تؤيد استنتاجاً أقل قانونية حول التورط السوري، ولكنني أعتقد أن الأمر الأساسي هو أنه من المهم لنجاح التحقيق في اغتيال الحريري والاغتيالات الأخرى أن نحصل على كل المعلومات المتوفرة لدى الشهود السوريين والحكومة السورية.
> لكن هل تعتقد أنه ربما كان من غير المناسب لرئيس لجنة التحقيق أن يدلي بمثل هذه التصريحات بعد أيام قليلة من تقديمه تقريراً غير حاسم لمجلس الأمن؟ وهل شعرتم بالخيبة من تقريره؟
ـ انه في موقف صعب جداً، لا سيما أن تقليداً قوياً جداً في دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا، على الأقل، هو أن المدعين العامين لا يرفعون تقارير علنية حول سير تحقيقاتهم، ويكتفون بتوجيه التهم أو اغلاق ملف التحقيق. وقد طلب مجلس الأمن من ميليس رفع التقارير اليه، لأننا نشعر بأن ذلك ضروري من أجل متابعة فعالة. وكما قلت، فان ذلك يضعه في موقع صعب، لأن كل معلومة يكشف عنها حول ما يعرفه، يقوم أيضاً بالكشف عنها للمجرمين، وفي نفس الوقت، عندما تنخرط الحكومة السورية في حملة دعاية هجومية في محاولة لتشويه سمعة ميليس واللجنة وشهوده. ويمكنني أن أتفهم لماذا شعر بضرورة الرد علناً. ان رأيي، وأنا أتحدث باعتباري محاميا أيضاً، هو أن أسلوبه اتسم بكثير من اليقظة والحذر في تصريحاته العلنية. ولا أعتقد أنه قال أي شيء غير مناسب على الاطلاق، نظراً لطبيعة دوره.
> ازدادت مطالبة البعض في لبنان باستقالة الرئيس اللبناني، اميل لحود، في الفترة الأخيرة. ما هو موقف الولايات المتحدة من الانتخابات الرئاسية؟ والى أي مدى تدعمون ترشيح الجنرال ميشال عون لرئاسة الجمهورية؟
ـ نحن لا ندعم أحداً في اطار السياسة اللبنانية، ولكننا قلنا إن اعادة حكومة حرة منتخبة ديمقراطياً هي أولوية بالنسبة لنا. هذا ما يقوله القرار 1559. عندما رفع لارسن تقريره الأخير الى مجلس الأمن، سألته تحديداً عن فرص اجراء انتخابات عادلة وحرة لرئاسة الجمهورية في لبنان. كانت هناك انتخابات برلمانية جيدة ولكن لم تكن هناك حتى الآن انتخابات رئاسية، وفي رأينا، هذا هو أمر لا بد أن يُسمح للبنانيين أن يقوموا به في المستقبل القريب جداً.
> هل يتمتع الجنرال عون بدعم الولايات المتحدة، كما يحاول اظهاره؟
ـ يمكن أن أقول لك من موقع خبرة طويلة، إن التدخل في حملات انتخابية محلية لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة. ما نريده هو أن نعطي الشعب اللبناني فرصة للتعبير عن ارادته المطلقة، وعندما تكون له الفرصة للقيام بذلك، سينتخب مَن يريد أن ينتخبه، وهو مَن سنتعامل معه.
> تقول واشنطن ان سياستها في المنطقة تهدف الى نشر الديمقراطية في العالم العربي، ولكن اذا ما نظرنا الى الانتخابات الفلسطينية المقبلة، نرى ان الولايات المتحدة واسرائيل تحاولان أن تمليا على الفلسطينيين مَن يمكن له أن يترشح للانتخابات ومَن لا يمكن له ذلك. أليس هناك تناقض في ذلك؟
ـ لنفصل بين السياسة الأميركية والسياسة الاسرائيلية. فالسياسة الأميركية هي أنه من أجل المشاركة الكاملة في مجتمع ديمقراطي لا يمكن لك أن تبقي خيار الانخراط أيضاً في العمل العسكري قائماً. ومن الأساسي لأي مجتمع ديمقراطي أن يلزم المشاركين أنفسهم باحترام النتيجة وليس الحفاظ على حق القيام بعمل عسكري اذا لم يرضوا بنتيجة الانتخابات. والصعوبة الواضحة في التعامل مع عدد من الفصائل المسلحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هي أنه ينبغي علينا أن نتحرك نحو تلك الغاية بأسرع طريقة ممكنة. هذا هو هدفنا وهو مبدأ أساسي في النظرية الديمقراطية، وقد واجهنا ذلك في مجموعة من الحالات الأخرى، بما فيها مسألة الآي آر ايه وشين فين في آيرلندا الشمالية، وهناك أمثلة عديدة غيرها. ولكنه أمر أعتقد أن الفلسطينيين أنفسهم يدركونه ويتقبلونه، وكما يقولون، لا يمكن أن يكون هناك سوى مصدر واحد مشروع للاستخدام القسري للقوة في أية ديمقراطية، وهي الحكومة المنتخبة ديمقراطياً. ومن هذا المنطلق، فان وجهة نظر الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية هي، جوهرياً، متطابقة.
> ولكن، في نهاية المطاف، هل الولايات المتحدة مستعدة فعلاً للقبول بما تعبر عنه ارادة الشعوب في المنطقة، لا سيما اذا ما أدت الى وصول أشخاص الى سدة الحكم لا تعتبرهم واشنطن ملائمين لها؟
ـ أعتقد أن هذه هي نتيجة ضرورية للديمقراطية وأعتقد أن هناك انتخابات عديدة تُجرى في أنحاء مختلفة من العالم تقود الى حكومات مصالحها غير متطابقة مع مصالح الولايات المتحدة، ونحن نتقبل ذلك. السبب في ذلك، هو أننا نعتبر أنه، مع مرور الوقت، من الأفضل لشعوب الدول المعنية أن تتمكن من اختيار حكوماتها. نحن نختار حكومتنا ولا أعتقد أن هناك شعباً واحداً في العالم لا يريد أن يفعل نفس الشيء. البعض لديه فرص أكثر من البعض الآخر. ولكننا نرى أن هذه هي أفضل طريقة للسير قدماً.
> اذا ما طلبت الحكومة العراقية الجديدة من الادارة الأميركية أن تحدد موعداً لسحب قواتها من العراق، هل ستوافقون على هذا الطلب؟
ـ بالتأكيد، نحن قلنا منذ البداية إننا هناك حتى تتم اعادة السيادة للعراق، ولكل حكومة ذات سيادة أن تقرر ما هو الدعم الخارجي الذي تريده. نحن مستعدون للاستمرار في توفير هذا الدعم ولكننا نعترف أيضاً بأنه جزء أساسي من الديمقراطية أن تكون للحكومة العراقية كلمة الفصل في هذا الشأن. نحن نعمل بنشاط شديد مع الأعضاء الآخرين في التحالف ومع السلطات في العراق لتعزيز قواته الأمنية ليتمكنوا من توفير الأمن بأنفسهم بشكل أساسي. ولا يوجد أحد في الولايات المتحدة أكثر حماسةً من الرئيس نفسه لرؤية العراقيين يأخذون هذه المسؤولية على عاتقهم، مما سيمكننا من اعادة الجنود الأميركيين الى عائلاتهم.
> وهل ستبقون على القواعد العسكرية الأميركية بعد سحب القوات الأميركية من العراق؟
ـ سبق وتم التعامل مع هذه المسألة وليس لديّ أي شيء جديد أو مختلف أضيفه في هذا الاطار. ان مبدأ القواعد كله آخذ في التغير، اذ أن الأمور اليوم ليست مثلما كانت عليها أيام الحرب الباردة. وهذه كلها أمور يُنظر اليها في وقت لاحق. أعتقد أننا الآن مركزون على المهمة الأساسية، وهي المساعدة في اعادة مناخ أمن وتدريب القوات العراقية. ويمكن أن ترين من خلال التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس بوش ووزير الدفاع رامسفيلد ووزيرة الخارجية رايس أن هذا التحول كله موجود على بالنا.
> الى أي مدى أنتم قلقون من أن الأوضاع الأمنية السائدة في العراق والأوضاع المعيشية الصعبة التي يواجهها العراقيون اليوم، تساهم في تعزيز نفوذ التحالفات الدينية وبعض القوى المتطرفة على حساب المجموعات العلمانية؟
ـ أعتقد أن التطور البارز الذي أظهرته الانتخابات هو أن هناك الآن رغبة من قبل جميع فئات المجتمع العراقي بالمشاركة في العملية السياسية، وهذه هي خطوة مهمة الى الأمام. لا أحد يمكن له أن يتوقع أو يضمن مستقبل السياسة في العراق أو في أي مكان آخر. وهذا ليس هدفنا بكل تأكيد.
> في ما يتعلق بايران، هل تتطلعون الى تحويل الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن، أم أنكم ستعطون مجالاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية للاستمرار في بذل كل ما في وسعها لمعالجة المسألة؟
ـ لا أعتقد أن الجهود التي تبذلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستنتهي، حتى لو وضعنا ايران على جدول أعمال مجلس الأمن. ان الخطوة التي يمكن للمجلس أن يتخذها على سبيل المثال هي دعوة الحكومة الايرانية الى الالتزام بالقرارات العديدة الصادرة عن الوكالة الدولية. وأعتقد أن المسألة لا ينبغي معالجتها فقط في اطار مجلس الأمن أو في اطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وموقفنا هو أن سعي الايرانيين للأسلحة النووية يشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، ولقد قلنا ذلك لسنوات طويلة، ولذلك فانه من الملائم أن يكون على جدول أعمال مجلس الأمن. ولكن، اذا ما تم ذلك، فان تحرك المجلس لمواجهة هذا التهديد لن يجرد الوكالة الدولية للطاقة الذرية من مسؤوليتها المهمة.
> ولكن، هل ستمنحون الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوقت الكافي للقيام بعملها قبل الضغط عليها والدفع باتجاه تحويل الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن؟
ـ ما نقوم به هو تأييد المفاوضات التي تقوم بها الدول الأوروبية الثلاث، التي كان القصد منها التوضيح لايران بأننا لن نقبل بأن يكون لها القدرة على تخصيب اليورانيوم. هذه المفاوضات تستمر وان كانت لا تحقق تقدماً كبيراً. ولكننا ندعم مجموعة الدول الثلاث في الاتحاد الأوروبي في مسعاها.
> هناك انطباع سائد في الشرق الأوسط بأن مجلس الأمن، والولايات المتحدة تحديداً، يلجآن دائماً الى فرض العقوبات والتهديد بفرض العقوبات على الدول العربية والاسلامية دون سواها، في حين أن دولأ أخرى تتمكن من القيام بما يحلو لها من دون معاقبة. ما رأيكم؟
ـ لا أعتقد أن هناك مسألة انحياز على الاطلاق. ففي ما يتعلق بحالة العراق، ما كنا نريد أن نفعله هو الغاء التهديد الذي كان يشكله صدام حسين بسبب سعيه الى تطوير أسلحة دمار شامل لأصدقائنا وحلفائنا في المنطقة وقواتنا وشعبه. وأعتقد أن ما فعلناه وما يفعله الشعب العراقي الآن هو أنهم بدأوا بتحديد مستقبلهم للمرة الأولى منذ استقلال البلاد. فأنا أقول إننا لا نحاول تهديد أو السيطرة على أي أحد، انما نحاول أن نعطي شعوب المنطقة فرصة التحكم بمصيرها بدلاً من أن تُملى عليها من قبل حكومات أوتوقراطية.
> ولكن استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة أظهرت أن غالبية الشعب الأميركي تشعر اليوم بأن تحقيق الديمقراطية في العراق بات أمراً مستبعداً. لماذا، في تقديركم؟
ـ ما سيظهره أي استطلاع للرأي العام الأميركي هو دعم قوي لمبدأ الديمقراطية، ولكن ما يرونه هو مجموعة من الارهابيين الذين يقومون بكل ما في وسعهم ل... الجهود المشتركة في العراق لانشاء مجتمع ديمقراطي. أنا أعتبر أن الانتخابات الأخيرة في العراق عززت مستوى الثقة لدى العراقيين، والآن مع مشاركة واسعة جداً للسنة، هناك تقدم في الجهود الهادفة الى تحويل السلطة الى العراقيين. والشعب الأميركي، بشكل عام، شعب براغماتي جداً. وقد انخرطنا في العراق بسبب التهديد الذي كان يشكله البلد وليس لأي غرض آخر. واذا كان بالامكان الغاء التهديد بلا عمل عسكري، كما فعلنا، ويتم تحويل السلطة الى الشعب العراقي، فلن يكون أحد مسروراً أكثر من الشعب الأميركي.
> ولكن، لا شك في أن عدداً متزايداً من الأميركيين يشعر اليوم بالخيبة، لأن الحرب على العراق شُنت على أساس فرضية خاطئة مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل، التي لم تكن موجودة أساساً في البلاد.
ـ أعتقد أن الفرضية التي شننا على أساسها الحرب، هي التهديد الذي شكله صدام حسين للحصول على الأسلحة، وليس لأنه كان يشكل خطر محدقاً، بل أن أسلوبه المبطن بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أبناء شعب العراق في السابق وخلال الحرب العراقية ـ الايرانية أظهر أن أسلحة الدمار الشامل كانت الطريقة المفضلة لديه. وما فعلناه هو أننا ألغينا هذا النوع من التهديد، ومن الخطأ الاعتقاد بأننا قلنا في أي وقت إن الأسلحة كانت تشكل خطراً آنياً، ولذلك فان ما نفعله الآن، وما فعلناه بازالة نظام صدام حسين، هو الغاء تهديد كان من شأنه أن يكون أكثر خطرا بمجرد ما أن العقوبات والمفتشين الدوليين تم سحبهم.
> في ما يتعلق بمسألة انتخاب أمين عام جديد للأمم المتحدة العام المقبل، عندما تنتهي ولاية كوفي أنان. هل تعتقدون أن الأمين العام الجديد يجب أن يكون آسيوياً؟
ـ ليس لدينا مرشح مفضل حتى الآن، وليست لدينا أية وجهة نظر حول ضرورة أن ينتمي الأمين العام المقبل لأي منطقة. نحن ندرك أن الناس يقولون إن دور آسيا آت. فما قلته هو أنه لم يكن، في أي وقت مضى، أمين عام من أوروبا الشرقية أو أوروبا الوسطى. وهذه حقيقة. وما نريد أن نفعله هو أن نجد أفضل شخص على أساس عملي، واذا كان هذا الشخص آسيويا، فهو أمر نقبل به، واذا كان من منطقة أخرى، فهو أمر نقبل به أيضاً.
> هل يمكن أن يشمل ذلك مرشحاً أميركياً؟
ـ لا، والسبب هو أن الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن تخلوا، بشكل صحيح، في وجهة نظري، عن امكانية أن يكون واحد من مواطنيها أميناً عاماً للأمم المتحدة.
> واذا لم يتم التوافق على مرشح واحد، هل يمكن لكم أن تتصوروا امكانية التمديد للأمين العام الحالي، لمدة سنة أو سنتين؟
ـ لا أعتقد أن ذلك مطروح. فقد مررنا خلال الحرب الباردة بانتخابات ساخنة جداً. وكنت أنا شخصياً من الذين لعبوا دوراً في اختيار بطرس بطرس غالي في عام 1991. وستكون دائماً هناك خلافات، بطبيعة الحال، حول مَن هو المرشح الصحيح، ولكنني لا أعتقد أن ذلك يقترب بأي شكل من الأشكال من الصعوبة التي اتسمت بها بعض المعارك خلال الحرب الباردة. وقد أوصينا بأن تتم محاولة انتخاب الأمين العام المقبل في الصيف، بدلاً من أن ننتظر الى نهاية العام، لكي يكون أمام الشخص الذي سيتم انتخابه مرحلة انتقالية طويلة، بما فيه الكفاية تمكنه من الاستفادة من الوقت المتاح أمامه حتى 1 يناير ليكون فكر ملياً ببعض الأمور المهمة. فنحن نمضي قدماً في المشاورات مع عدد كبير من الحكومات حول مَن قد يكون لديه اهتمام بهذا المنصب. ونتعامل مع هذه المسألة بنشاط كبير، رغم أن الانتخابات ليست متوقعة قبل العام المقبل.
> أنتم من أشد منتقدي الأمم المتحدة، وقد انتقدكم البعض بأنكم تتعاملون مع الأمور بأسلوب فيه كثير من العضلات وقليل من الدبلوماسية. ما الذي تمكنتم من تحقيقه حتى الآن؟
ـ لا أعتقد أنني حققت قدراً كبيراً من التقدم. كانت هناك خطوات مهمة في الوثيقة الختامية للقمة التي عُقدت في سبتمبر( ايلول) الماضي، ونعمل الآن على مسألة الميزانية للسنتين المقبلتين وكيف سيُستخدم ذلك، كما نأمله، لتعزيز الاصلاح. ولكنني لا أؤمن في اعطاء أهمية بالغة للأمور تفوق نتيجتها. نحن نتخذ عدداً من الخطوات. وأعتقد أن الأشهر الستة الأولى من عام 2006 ستكون محورية جداً، اذ أننا سننظر في مجموعة من الأمور المهمة سيطرحها الأمين العام في فبراير (شباط) المقبل، فأعتقد أن جزءا كبيراً من العمل الصعب لا يزال أمامنا.
> ينتقد كثيرون الولايات المتحدة لسعيها الى التأثير أكثر فأكثر على سياسات الأمانة العامة وسياسات الأمم المتحدة بشكل عام. هل هذا الانتقاد في محله، برأيكم؟
ـ الولايات المتحدة، مثل بقية الدول المتمثلة هنا، تحاول الدفع باتجاه تحقيق مصالحها الوطنية في الأمم المتحدة، وهذا لا يجعلنا نختلف عن أية حكومة أخرى ونكون أفضل أو أسوأ منها. ولا أعتقد أن أحداً يجب أن يُفاجأ لأننا نتصرف مثل بقية الدول الأعضاء. واذا كنا أكثر نجاحا، فأنا أعترف بأن هذا هو هدفنا