في العلمانية والعلمانية المؤمنة

محمد جمال باروت : الوطن السعودية 29/12/2005

ما عرف التاريخ الإسلامي العلمانية بمعناها الذي يستحضره مفهومها الفرنسي Laicisme ، فهذا المفهوم في دلالته المعرفية نتاج التحول إلى عصر الحداثة الذي نزع السحر عن العالم، وحول مركزه إلى الإنسان، ليغدو العالم ذاتي المرجع، من دون الحاجة إلى مرجعٍ آخر. لكن هذا التاريخ عرف نوعاً من العلمنة ولنقل العلمنة المؤمنة وليس العلمانية، أي أنه عرف تاريخاً واجتماعاً وثقافةً وسياسةً وفقهاً ومصلحةً وممارسةً نوعاً من الـLaicite . ولعل من الأفضل القول إنه عرف نوعاً مما يسمى بمفاهيم العالم البروتستانتي بالـ Secular وهو الزمانية أو الدنيوية واستطراداً العلمنة وليس العلمانية، ومصدر التفضيل هنا أن مفهوم العلمانية بالمعنى الفرنسي الذي يحيل بدوره إلى تاريخٍ خاصٍ مهما كان إشعاعه في القرن التاسع عشر كونياً، مثقل بحمولات معتقدية أيديولوجية صلبة أذكتها أفكار التنوير الفرنسي والأوروبي عموماً، وتواجه ما بين الديني والدنيوي، فالحداثة التي نزعت السحر عن العالم أنتجت نوعاً من سحرٍ جديدٍ أو من" أديان بديلة" كما يعبر مؤرخو الأديان، كانت العقيدة العلمانية من أبرزها.
إن قولنا هو أن التاريخ الإسلامي لم يعرف بالطبع العلمانية لكنه عرف وجوهاً من العلمنة أو الدنيوة بمعنى الـ
Secular، وحين كان الأستاذ أحمد أمين يشير إلى وجه العلمنة في الاجتماع الإسلامي في العصر الأموي أو الأستاذ مصطفى السباعي يشير إلى أن التشريع الإسلامي تشريع" علماني" بهذا التعبير حرفياً، فإنهما كانا يعنيان مفهومياً الدنيوة أو العلمنة. وبهذه الرؤية الإسقاطية الإجرائية والمشروعة معرفياً للمفهوم قد يمكن القول إن مسألة استقلال المجال السياسي عن المجال الشرعي هي وجه خاص من وجوه الدنيوة أو الـSecular قد عرفها اجتماعنا الإسلامي، ووقع فقهاً ومصلحةً وتاريخاً فيما يضمه مفهوم" السياسة الشرعية"، على أن نسعف ذلك بالقول إن هذه الاستقلالية كانت بطبيعتها نسبية، وخضعت إلى منطق التجاذب وعلاقات القوة بين المجالين، وهي العلاقات التي جعلت من مجال السياسة متغلباً على مجال الشريعة أو العكس.
لقد طرحت بعض الدراسات الاستشراقية كذلك، لكنها لم تتابع بواسطة فهم معمق لديناميات الحقل الإسلامي نفسه إلا عبر المتابعة الإشارية المعمقة لرضوان السيد. وفي استئناف هذه المتابعة فإن الانطلاق من مفهوم العلمانية أو المذهب العلماني في قراءة التجربة الإسلامية الماضية هو نوع من إسقاطٍ تلفيقيٍ يتسم بالتناقض الداخلي، وهشاشة المنطق بينما تتيح تلك الديناميات استيعاب مفهوم الزمانية أو الدنيوة أو العلمنة التي يجب أن نميزها عن العقيدة العلمانية، بوصف أن هذا الجانب قد وجد في شتى الحضارات والمجتمعات بهذا القدر أو ذاك، وحينذاك يمكن الحديث عن الأوزان وعن العلاقة ما بين العوامل والفواعل التي تحكمها. فالعلمنة مفهوم إجرائي يمكن ضبطه بمؤشراتٍ قابلةٍ للقياس والملاحظة والتشخيص الملموس بينما العلمانية هي عقيدة ارتقت لدى الكثيرين إلى نوع من دينٍ بديلٍ. ويجب ألا يدهشنا الدين البديل، فالكشوفات المنهجية للأنتروبولوجيا الحديثة مابعد الاستعمارية تشير إلى أنه ما من مجتمعٍ يمكنه أن يعيش من دون قبةٍ رمزيةٍ تظلله.
في التاريخ السياسي الأوروبي ما قبل الجمهورية الفرنسية الثالثة في عام 1905 والتي فصلت بشكلٍ تامٍ ما بين الدين والدولة وفق عقيدة التنوير الفرنسي ومنهجه، لم تكن العلمنة تعني ضرورةً ذلك الفصل بقدر ما كانت تعني تكوين كنائس قومية، وإخضاع السلطة الدينية إلى السلطة الزمنية. وحتى في الثورة الفرنسية كانت العلمنة تعني ذلك في مواجهة السلطة البابوية. إن التاريخ السياسي للعلمنة معقد ويشير إلى صور متنوعة داخل الغرب نفسه، وليس ما بين الشرق والغرب على غرار الثنائية الاستشراقية. وفي تاريخنا الحديث فإن رواد حركة الإصلاح الإسلامي من جمال الدين الأفغاني مروراً بعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده إلى شكيب أرسلان ووصولاً إلى مصطفى السباعي في سوريا قد صب تفكيرهم موضوعياً بالعلاقة ما بين الدين والدولة في مفهوم الدنيوة أو العلمنة وليس العقيدة العلمانية. ولم يجدوا العلمنة مفارقة للإسلام. ونلحظ لدى معظمهم إلحاحاً على أن الإصلاح الديني هو مدخل الإصلاح المدني.
كان هؤلاء يستحضرون الإصلاح البروتستنانتي. ولهذا كان معظمهم مبهورا بأن يضطلع في الإسلام ما اضطلع به لوثر في المسيحية، والعودة إلى أصل الإسلام الذي ينكر مفهوم السلطة الدينية" الإكليركية"، ولديه مفهوم العلماء وليس رجال الدين ، وحين حدثت حوارية فرح أنطون- محمد عبده الشهيرة، فإن عبده كان يفكر بالعلمنة بينما كان فرح يفكر بالعلمانية التي كان يفصلها عن قانون العلمانية للجمهورية الفرنسية الثالثة أقل من عامين، وكان عبده يندرج فيما يمكن تسميته بالعلمنة المؤمنة وليس في العقيدة العلمانية الصلبة والمنظومية. العلمنة المؤمنة تعترف باستقلال المجالين الديني والسياسي، وهي في حدود الملامسة الإصلاحية الإسلامية لها تعيد التركيز على أن قطب الرحى في التشريع الإسلامي كله هو تحقيق المصلحة، ولهذا ليس هناك أي فارق ما بين مفهوم الوقف أو" الصدقة المستمرة" بين البروتسانتية كما اقترب منها الإصلاحيون وبين الفقهاء المسلمين، فالمفهوم يرتد مرجعياً إلى مفهوم الاحتساب.
هذه العلمنة هي من نوع العلمنة المؤمنة، ففي الخلاصات ليست هناك علاقة ضرورية من نوعٍ منطقيٍ ضروريٍ أو لازبٍ بين العلمنة وبين ما يسمى بـ" الإلحاد" المؤسس على مقدمات عقلانوية ووضعية، بل تنتسب العلمنة هنا إلى العالم أي الدنيا وليس إلى العلم. وبالعكس فإن العلمنة تحمي الدين من تغول الدولة عليه فيما تدمج المؤمنين في الاجتماع المواطني التعددي الذي تحكمه المصلحة المواطنية، وهي بالمناسبة أساس وثيقة المدينة في الدعوة المحمدية.
في حركةٍ ارتجاعيةٍ ما كانت وثيقة الفقهاء الأتراك في عام 1923 في شرعنة الفصل بين السلطنة (المستوى السياسي) والخلافة( المستوى الديني) مبررةً نفسها إلا في ضوء حقيقة أن الاجتماع الإسلامي قد عرف ذلك التمييز بين الخلافة الحقة والملك العضوض، وبين الشريعة والسياسة. ولقد استفاض الفقهاء في البرهان على ذلك، وهو ما حرض علي عبدالرازق على وضع" الإسلام وأصول الحكم". لكن العالم الإسلامي كان يومئذٍ في برزخ التحول، فوظّف مصطفى كمال ذلك، وهو الذي وظف قبله الإسلامية والعثمانية من أجل تحرير تركيا من الاستعمار الأجنبي، كي يمهد لضربته القاضية بالعلمانية الكاملة على غرار تأثره بقانون العلمانية للجمهورية الثالثة الفرنسية. وفي هذا المناخ كتب رشيد رضا" الخلافة أو الإمامة العظمى" وكان يستبق في كتابه ما سيفعله أتاتورك في عام 1925، ومن هذا الاستباق خرجت دعوة الإخوان المسلمين في العديد من أصولها المؤسسة والدافعة.
ما كان ممكناً للجماعة بحكم شروط الاستقطاب الحاد أن تلتمس مفهوم العلمنة المؤمنة، وهنا لا يهم المصطلح بل المفهوم، فظل المفهوم مطروداً من جهازها المفاهيمي، وكان الشيخ مصطفى السباعي هو الوحيد حدود علمنا المحدود الذي تجرأ على ذلك، ومارسه سياسةً وشرعنةً. وكان في ذهن السباعي العظيم الروح والعقل والإيمان والمعرفة أن يشرعن لدستور 1950 السوري الذي كان علمانياً خالصاً ماعدا قانون الأحوال الشخصية المتسق مع الأحوال الثقافية للجماعات، ولقد دافع عنه السباعي ووصفه بأنه من أكثر الدساتير إسلاميةً في العالم الإسلامي. وجاب البلدان والمنابر يدافع عن ذلك، وكان له الدور الحاسم في تمرير أن الإسلام دين رئيس الدولة وليس دين الدولة تجنباً للفتنة، فلقد كان يرى الإسلام في الأمة. ولقد كتب رسالةً عظيمةً في عام 1953 في الرد على دعاة فصل الدين عن الدولة، غير أن هذه الرسالة أتت دفاعاً عميقاً وواعياً عن العلمنة المؤمنة، وسنتوقف عندها في وقتٍ لاحق.
في تاريخ العلاقة بين نهضويينا الإسلاميين وبين التاريخ الإسلامي نفسه هناك مشترك الفصل بين مجالي الشريعة والسياسة. وهو من وجوه العلمنة لكنه ليس من وجوه العلمانية، وهو من وجوه العلمنة المؤمنة بكل تأكيد. إن هناك بهذا المعنى تاريخاً للعلمنة المؤمنة في تاريخنا وقع فقهاً واجتماعاً وسياسةً ومصلحةً، وإن لم يقع مصطلحاً، ولكن إسلامياً" لامشاحة بالمصطلح"، حيث المهم هو المفهوم. يمكن أن يجد أولئك المؤمنون الذين يذودون عن حقهم بالعيش وفق إيمانهم في العلمنة المؤمنة فضاءً مفهومياً مرناً كي يندمجوا في العالم ويساهموا في صنعه. وهم يعيشون كذلك بالفعل، ولكن ما نقصده هنا هو قيام الدعاة ليس بتأصيل ذلك فحسب، بل وكشفه أيضاً، فهو من حقائق الاجتماع الإسلامي المستمرة التي تعيش في مكنون كل مسلم بدءاً من تحية السلام