فصل المقال في ما بين <<الوطن>> و<<الوطنية>> من انفصال

رضوان جودت زيادة

 

برزت كلمة <<الوطنية>> في القاموس السياسي السوري في أواخر عام 1925، فقد أصبحت تُطلق على الفئات غير المتعاونة أو الموالية للانتداب الفرنسي على سوريا، ونشأ في تلك الفترة استقطابٌ حاد بين هاتين الفئتين اللتين كانتا تعبران عن موقفين ورؤيتين متغايرتين تماماً لمستقبل سوريا. الأولى الموالية للانتداب وكانت ترى الأمور بعيون مصالحها الخاصة والشخصية أولاً فرأت ضرورة التعاون مع الفرنسيين لتحقيق الأفضل لسوريا كما عبر أحدهم، في حين كانت الفئة الأخرى التي ازدادت شعبية وجماهيرية ترى أن المفاوضات السياسية يجب أن تُفضي حتماً إلى الاستقلال التام، وعندها برزت مجموعة من الزعماء السياسيين ذوي الأصول البرجوازية الذين عبروا بشكلٍ أو بآخر عن هذه التطلعات رغم انتسابهم لتلوينات أيديولوجية وإقليمية متباينة. لقد أصبحت عبارة <<الوطنيين>> تثير في الصحافة المعادية للانتداب ثائرة الفئات الأخرى المعروفة بتعاونها، وراحت الصحافة الموالية السائرة في فلك الانتداب تشن حملاتها بين الحين والآخر على هؤلاء <<الوطنيين>> وتشنع عليهم بعبارة <<المحتكرين>>، أي محتكري السياسة، التي أصبحت لديها مرادفة للوطنيين، وهي تقصد شخصيات بارزة بعينها، معروفة في دمشق وحمص وحماه وحلب.
ومهما يكن فقد ظهر هؤلاء <<الوطنيون>> كما أصبحت الصحافة تطلق عليهم، أنهم مترابطون على العمل في إطار أهداف محددة ومتساندون في سياستهم، وذلك في انتخابات الجمعية التأسيسية التي جرت خلال فترة الشيخ تاج الدين الحسيني الانتقالية، من أجل انتخاب رئاستها ومكتبها ولجانها، والأمر نفسه في انتخابات 1932. ومنذ عام 1931 صارت بياناتهم تصدر باسم <<الكتلة الوطنية>> وبتوقيع هاشم الأتاسي، إلا أنهم لم يضعوا قانونهم الأساسي ونظامهم الداخلي، ولم يعطوا لأنفسهم إطارا تنظيمياً إلا في المؤتمر الذي عُقِدَ في حمص في 4 تشرين الثاني 1932، حيث تم لهم في 44 مادة توضيح المبادئ العامة التي تسير عليها الكتلة وتشكيلاتها، التي تضم المكتب الدائم ومجلس الكتلة الوطنية والمؤتمر العام واللجان الفرعية.
لقد كان لهذه الهيئة السلطة العليا في الكتلة الوطنية، كما أن القدرة التأثيرية للسياسيين السوريين انحصرت في أعضاء <<الكتلة الوطنية>>، لكن هذه الكتلة وبنفس الوقت مارست نوعاً من الاحتكار للعمل السياسي، ظهر ذلك في القانون الأساسي الذي أقرته الكتلة الذي يضم من بين مواده مادةً تنصّب فيها الكتلة نفسها وصية على الأمة وأن جهودها وحدها هي الجهود الصحيحة ما يعني إدانتها لتأليف الأحزاب واعتبارها مخالفة لوحدة الجهود. إلا أن ذلك لم يحل دون تكاثر الأحزاب، حتى لقد شهدت دمشق نفسها (منذ عام 1928 حتى عام 1934 ما يزيد عن خمسة وعشرين حزباً...) لم يحتفظ أيٌّ منها بعد هذا العام بأي كيان سياسي وتلاشت جميعها. غير أن هذه الأحزاب والقائمين عليها كانوا يمثلون تيارات متباعدة ومتباينة، فالأحزاب التي تألفت من ضباط العهد العثماني السابقين أو الملاكين كحزب الإصلاح الذي ألفه حقي العظم، وحزب الاتحاد الوطني الذي رأسه سعيد محاسن وغيرهما كانت تُطلق على نفسها صفة الاعتدال مقابل صفة التطرف التي تطلقها على <<الوطنيين>> أو الكتلة الوطنية، ولذلك شعرت الكتلة الوطنية بخطر التفرقة الحزبية وتعدد الآراء بشكلٍ يُضعف موقف السوريين في مفاوضاتهم مع الفرنسيين، ولا سيّما خلال فترات الانتخابات، ولذلك سعت الكتلة إلى احتواء الخلافات الأمر الذي زاد من شعبية أعضائها بحيث أصبحت الكتلة هي التي تقود الشارع السياسي بأكمله خلال الثلاثينيات وأصبح مؤسسوها بمثابة الرموز الوطنية التي يلتف حولها السوريون.
وقد ظهر ذلك جلياً في الدعم الذي حصل عليه الكتلويون في الانتخابات التشريعية عام 1936 ثم ذهاب وفدٍ منهم إلى فرنسا للتفاوض على المعاهدة السورية الفرنسية التي من شأنها أن تعترف بشكلٍ ما من السيادة السورية، وقد لقِيَ الوفد ترحيباً منقطع النظير في شوارع دمشق وأحيائها بعد عودته من مفاوضات شاقة دامت ستة شهور، ولكن مع مرور الوقت وعدم تصديق البرلمان الفرنسي على هذه المعاهدة واكتشاف نواقصها ومثالبها، وتحميل الكتلة الوطنية مسؤولية ضياع لواء الاسكندرون عام 1939، كل ذلك دفع الكثير من مؤيديها إلى الانفضاض من حولها وبدأت الشكوك تُثار حول العديد من زعمائها. لكن كلمة <<الوطنية>> حينها انتقلت كصفةٍ لصيقة لوصف <<معارضي الكتلة الوطنية>> أنفسهم، حيث تبلور ما يُسمى <<بالمعارضة>> التي كان عبد الرحمن الشهبندر أول من تزعم لواءها في وجه زعماء الكتلة الوطنية، وانتهى ذلك إلى مقتله في عام 1941 واتهام الكتلة الوطنية بتصفيته لتشهيره بها وهجومه المستمر على أعضائها.
إذاً خلال أقل من عقدٍ واحد تحول المفهوم الدلالي لمعنى <<الوطنية>>، من مفهوم <<نضالي>> ضد الانتداب الفرنسي إلى مفهوم <<سياسي>> خاضع للنقاش والخلاف الأيديولوجي. وهو ما نزع عنه صفة القداسة وأفقده إياها تماما.
اليوم تحاول السلطة السورية استدعاءه من جديد كمفهوم تحشيدي ضد <<الهجمة الأميركية والغربية>> على سوريا، لكن، مقومات نجاحها باءت تماماً بالفشل، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من الأسباب، أولها الابتذال الكبير الذي تعرض له هذا المفهوم خلال الثلث الأخير من القرن العشرين في الثقافة السياسية السورية، بحيث أصبح لاحقة أو أشبه بالزائدة التي توصف بها كل النشاطات الرسمية، فالجبهة السياسية الحاكمة <<وطنية>> و<<تقدمية>> بآن واحد، وكل المواد المتعلقة بتقييد الحريات تبرر تحت مسمى <<الحفاظ على سلامة الوطن>>، بل إن تخليد العمل بقانون الطوارئ إنما يكون بهدف <<مصالح الوطن العليا>>، فالاستخدام المبتذل لهذا المفهوم أفقده فاعليته تماماً في الوعي السياسي السوري، وبدت عملية إحيائه عملية صعبة للغاية إن لم تكن بالمستحيلة.
ثانيها فقدان المصداقية والشرعية للناطقين باسم هذه الوطنية، فعندما استخدمه رجالات الكتلة الوطنية كانوا يتكئون على إرثٍ فاخر من النضال ضد الانتداب الفرنسي ومن نسيان المصالح الشخصية ومن دور لم يدرس كفاية باتجاه البعد التوحيدي للرأي العام السوري ليصبح قوة تفاوضية قادرة على مواجهة الانتداب الفرنسي. أما الناطقون باسمه اليوم فإنهم يتكئون على إرث <<فاخر>> من الفساد، وعلى ذاكرةٍ حية لدى السوريين في دورهم في العسف والظلم والاعتقال الإعدام. وذاكرة المجتمعات صحيحٌ أنها قصيرة أحياناً بحيث أنها تكاد تنسى خاصةً إذا ما وضعت أمام خياراتٍ صعبة، إلا أنها بالغة الحساسية تجاه كل من آذاها. إنها ما يطلق عليه في علم النفس الاجتماعي <<الذاكرة الحاضرة>> أي أنها جزءٌ من فعل الحاضر بالرغم من أنها تعود إلى عقودٍ مضت.
اليوم علينا أن نسحب هذا <<المفهوم>> من التداول كمادةٍ للاتجار السياسي والاتهام المتبادل لنحفظ له شيئاً من نبله وألقه، وإن كان لا بد فعلينا أن نجلو الصدأ عنه عبر ربط الوطنية بالديموقراطية، فلا معنى لمستبدٍ عاش على خيرات الشعب عقوداً أن يتحدث بالوطنية. الوطنية هي مدى إيمانه بقدرة هذا الشعب ليختار الأفضل والأكفأ كي يحقق مصالحه <<الوطنية>> الحقة.
(
) كاتب سوري