عام المواجهة السورية الدولية: قراءة في تفكير دمشق وطريقة إدارتها للأزمة

مروان قبلان      الحياة

28/12/05//

يطوي السوريون عام 2005 بصفته واحداً من الأعوام العصيبة في تاريخ بلدهم الحديث، اذ دخلوا خلاله في مواجهة مكشوفة مع مجلس الأمن عبر سلسلة قرارات، صدر بعضها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتعرضوا فيه لضغوط إعلامية وسياسية لم يخبروها من قبل وشعروا بعزلة عربية ودولية تركت أثاراً بالغة على وضعهم السياسي والاقتصادي. وكل ذلك لم يكن بطبيعة الحال مفاجئاً، فالعام الذي سبقه شهد مقدمات وصدرت فيه إشارات التقطت سورية بعضها وفاتها بعضها الآخر. فاحتلال العراق شكل مقدمة لتغييرات أرادها الأميركيون بداية النهاية لسياسة الحفاظ على الوضع القائم (status quo) التي واظبوا عليها طوال ستة عقود، وصدق جورج بوش قانون محاسبة سورية بعد تردد استمر نحو عام، كما بدأ الكونغرس الإعداد لـ قانون تحرير سورية على غرار قانون تحرير العراق، وتكثفت الاتصالات الأميركية برموز المعارضة السورية في الخارج وبدأت عملية تأهيلها والتلويح بها بديلاً، وصدر قرار مجلس الأمن الرقم 1559 وقرر الاتحاد الأوروبي تجميد اتفاقية الشراكة.

المرحلة الأولى

منذ البداية اعتبرت دمشق أن هناك خطة أميركية - فرنسية مدعومة من بريطانيا وبعض الدول العربية لزحزحتها عن مناطق نفوذها الإقليمية، واستشهدت باجتماع النورماندي الذي جمع الرئيسين جورج بوش وجاك شيراك في حزيران (يونيو) 2004 للتأكيد على وجود مثل هذه الخطة. لكن ما الجديد في ذلك؟ فسورية تقول دوما أنها مستهدفة في مواقفها القومية وممانعتها للمشاريع الغربية في المنطقة. الجديد انحصر عملياً في كيفية تعاطي دمشق مع الأزمة التي أخذت بعد ذلك تتوالى فصولاً.

شكل اجتماع النورماندي فرصة لتقارب فرنسي أميركي سعى الطرفان إليه لإنهاء فترة جفاء وصلت حد العداء بسبب تباعد مواقفهما من حرب العراق، وبرز لبنان ساحة توافق مثالية: باريس ارادت استعادة مواقعها القديمة في المنطقة في حين سعت واشنطن إلى زيادة الضغط على سورية في الموضوع العراقي عبر أكثر مواقع نفوذها حساسية. اتفق الطرفان لكن دمشق فاتتها ملاحظة أهمية الاتفاق حتى بدأت معركة التمديد للرئيس اميل لحود وصدور القرار 1559 الذي جاء مفاجئاً لسورية لجهة إدراك مدى التقارب الحاصل بين واشنطن وباريس. 

في الوقت نفسه، كانت سورية بدأت تتغاضى عن حقيقة أن استمرار وجودها في لبنان هو نتيجة توافق عربي غربي اجمع في فترة معينة على أهمية دورها في منع تقسيم البلد وإعادة الأمن والاستقرار إليه، وساعدت الظروف الدولية والإقليمية في تمكينها من لعب هذا الدور، فخلال الثمانينات انشغلت الأطراف الدولية والإقليمية المهمة عن النزاع المحدود الدائر في لبنان بالحرب العراقية الإيرانية، ثم جاء الغزو العراقي للكويت ليسفر عن تفاهم سوري أميركي جديد. وخلال التسعينات استمرت نظرة واشنطن إلى دور سورية في استقرار في لبنان بفعل اهتمام إدارة الرئيس بيل كلينتون بعملية السلام في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، ظلت سورية حريصة على عدم القيام بما من شأنه إفساد الإجماع الدولي والعربي على دورها اللبناني. فعندما قررت التمديد للرئيس الياس الهراوي عام 1995 استأنست برأي واشنطن وباريس والرياض. وفي عام 1998 فعلت الأمر نفسه عندما وقع الاختيار على قائد الجيش العماد اميل لحود لشغل منصب الرئاسة. ولكن في المرة الثالثة بدت الأمور مختلفة في شكل واضح.

ومنذ مطلع 2004 بدأت دمشق تتلقى من عواصم القرار إشارات إلى ممانعة واضحة للتمديد للرئيس لحود مستندة إلى ما صدر عن أطراف لبنانية عدة، فكيف قرأت سورية الأجواء الدولية هذه المرة؟

حاولت دمشق فهم هذه المواقف في شكل منفصل بافتراض عدم وجود ما يجمعها مع التركيز على دواعي الموقف الأميركي لتحييده، واعتبرت أن ما يهم واشنطن هو العراق ويمكن بالتالي انطلاقاً من التعاون الأمني المشترك استعادة تفاهم عام 1990 (العراق في مقابل لبنان).

لكن التاريخ لا يعيد نفسه. بعد عام 2001 لم يعد الأميركيون في وارد الدخول في صفقات، فهم يريدون كل شيء من دون مقابل، وهم يريدون الفرنسيين إلى جانبهم أكثر من السوريين. وعليه، شكل اجتماع النورماندي اقرب ما يكون إلى اتفاق عام 1904 الذي تقاسمت فيه فرنسا وبريطانيا مناطق النفوذ حول العالم وأطلقوا عليه حينها اسم الوفاق. التقط الفرقاء اللبنانيون إشارات اجتماع النورماندي وأدركوا أهمية العقد الفرنسي الأميركي الجديد. بدأت المواجهة، عاد الأميركيون إلى مجلس الأمن، توحدت مواقف الدول الغربية، صدر القرار 1559 وبدأ طوق العزلة الدولية يلتف على سورية.

المرحلة الثانية

جاء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بزخم لم يكن ممكناً لسورية مقاومته، اتهمت أطراف لبنانية عدة دمشق بالمسؤولية واتفقت أطراف دولية معها في هذا الاستنتاج. ازداد الضغط الداخلي والخارجي وأسفر عن تطبيق الشق المتعلق بسورية في القرار 1559، وهو الانسحاب الكامل من لبنان. لم تستوعب دمشق صدمة الانسحاب حتى بدأ الإعداد للمرحلة الثانية، وهي مرحلة التحقيق لتحديد الجهة التي وقفت وراء اغتيال الحريري. صدر القرار 1595 القاضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية، ومرة أخرى وقعت سورية ضحية تصورات غير دقيقة.

اعتقدت سورية بأن أميركا تريد هذه المرة انسحاب النظام من دمشق بعدما دفعته الى الانسحاب من لبنان. وساعدت في تكوين هذا الفهم الإشارات المتضاربة الواردة من واشنطن حول هذا الموضوع. لكن هذا التضارب كان في حقيقته عملية مدروسة هدفها إرباك دمشق ودفعها إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء. فواشنطن الغارقة في الوحل العراقي لم ترغب أبداً في بذل أي جهد لإسقاط النظام السوري، وجل ما كانت تريده محاصرته ودفعه إلى تغيير سياساته الإقليمية وصولاً إلى نقله من خانة الخصم إلى خانة الحليف، ولكن من دون مكافآت.

طبعاً، كان هناك في واشنطن من يجادل بأنه لو سقط النظام خلال عملية ممارسة الضغوط فلا بأس في ذلك، شرط عدم بذل أي جهد غير عادي لتحقيق ذلك، وهو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بتبنيها نظرية القوة الناعمة (استخدام الضغوط الديبلوماسية والاقتصادية) التي وضعها جوزيف ناي أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، وابرز رموز الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة بديلاً عن القوة الخشنة (الوسائل العسكرية) لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية كما حصل في أوكرانيا وجورجيا.

لم تفهم سورية الصورة في هذا الشكل، بل كونت اعتقاداً جازماً بأن إدارة جورج بوش تريد إسقاط النظام وبدأت تتصرف على هذا الأساس: تقوقعت على نفسها، واستعادت الخطاب القديم، وترددت في التعاون مع لجنة التحقيق الدولية باعتبار أن التعاون سيساعد واشنطن على الاقتراب أكثر من تحقيق هدفها. بناء على ذلك جاء تقرير المحقق الألماني ديتليف ميليس صاعقاً لجهة إدانته دمشق وما ترتب عليه (صدور القرار 1636 الذي طالب سورية بتعاون غير مشروط مع التحقيق).

هذه التطورات أكدت القناعة في دمشق بأن رأس النظام مطلوب دولياً، وهو ما زاد من حال الإرباك التي صرفت الانتباه عن وجود ثغرة أراد منها العالم لسورية أن تخرج من خلال الاهتداء إليها من الأزمة التي لم يرد احد لها - بمن فيهم الأميركيون - أن تتسع أو تخرج عن نطاق السيطرة. وحتى المحقق الألماني لمح خلال مطالعته لتقريره الأول في مجلس الأمن في 24 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي إلى أن في إمكان سورية أن تأخذ زمام المبادرة بنفسها، عندما طلب إليها تشكيل لجنة تحقيق خاصة بها. أخذت دمشق بنصيحة ميليس لكنها ظلت مترددة لأن ما من شيء كان يمكن أن يغير قناعتها بأن المطلوب تغيير النظام.

ومع وصول حال الاستعصاء مداها تدخلت أطراف عربية ودولية لتوسيع الثغرة في جدار الأزمة ودفع دمشق للخروج منها. اهتدى السوريون بمساعدة روسيا إلى الثغرة، وفي ربع الساعة الأخير حدث الاختراق الذي تغاضى عنه الأميركيون المنشغلون بالعراق وانتخاباته. وعلى الأثر اكتشفت دمشق أن التعاون لا يساوي عدم التعاون. ضمّن ميليس في تقريره الثاني جوانب التعاون السوري وإن اعتبره غير كاف، كما حصلت روسيا على ما تدفع به لمنع فرض عقوبات على دمشق. وبصدور قرار مجلس الأمن 1644 عادت الأمور إلى نطاق السيطرة كما أراد لها الجميع.

المرحلة الثالثة

انتهت المرحلة الثانية من الأزمة السورية الدولية بصدور القرار 1644 واعتزال رئيس لجنة التحقيق الألماني ديتليف ميليس. لم تخف دمشق ارتياحها الى أن القرار الأخير جاء اقل سوءاً مما كان متوقعاً. مع ذلك لا يجوز لدمشق أن تقع في خطأ جديد، وأن تتصرف وكأن الأزمة انتهت. فالقرار مدد عمل لجنة التحقيق ستة اشهر، وهناك قاض جديد سيقود التحقيق ما يعني توقع مواجهات ساخنة، بخاصة أن واشنطن لم تحقق هدفها بعد.

ينبغي على دمشق أن تنسى فكرة أن رأس النظام هو المطلوب، وهو ما ثبت عدم صحة البناء عليه وفقاً لتجربة الشهور السابقة. وعليها أن تتعامل مع التحقيق في مرحلته المقبلة من دون التشنج الذي حكم تعاطيها معه في الفترة الماضية. فأقصر الطرق لإثبات براءة سورية هو التصرف فعلاً على أساس أنها بريئة، فالبريء يفتح أبوابه أمام كل من يريد التأكد من براءته. وما يمكن أن يسهل الأمر على دمشق في هذا المجال هو التعامل مع التحقيق باعتباره تحقيقاً جنائياً وقضائياً بحتاً من دون أن تتدخل جهات رسمية في التعليق عليه، مع ما يترتب على ذلك من السماح للجنة الدولية بمقابلة كل من تشاء من دون تحفظ، والامتناع عن كل ما من شأنه أن يشعر المحقق الجديد بأنه موضع عدم ترحيب.

تحتاج سورية فعلاً إلى تخطي هذه الأزمة بسرعة لتتفرغ لحل مشكلاتها الداخلية الصعبة. أما الآن فمن المهم إلغاء المظاهر الاحتجاجية في الشوارع وإنهاء حال الاستنفار الإعلامية والسياسية حتى تعود الى ممارسة حياتها الطبيعية والاستعداد للجولة التالية مع لجنة التحقيق بعقل منفتح وأعصاب باردة وسياسات مبنية على وقائع، وليس على تخيلات.

كاتب سوري.