الأبيونيـون ' نصارى آمنـوا بمحمد.....

د. محمد عابد الجابري.....الاتحاد

عرضنا في المقال السابق لمفهوم ''الأمي'' في القرآن، بما في ذلك بشارة السيد المسيح عليه السلام بقدوم نبي أمي اسمه أحمد، كما أوردنا رد ''أحد المتنصرين'' المعاصرين نافيا أن يكون في الإنجيل ما يشير إلى هذا، وعرجنا على ما أورده ابن إسحق -كاتب السيرة النبوية- في الموضوع اعتمادا على نصوص قال إنها من إنجيل يوحنا ورد فيها اسم ''الْمُنْحَمَنَّا''، وفسره بـكونه ''الفارقليط'' المنتظر الذي بشر به عيسى، وطابق بينه وبين النبي محمد عليه السلام
ومع
أن ردود الباحث ''المتنصر''، المشار إليه قبل، يكتنفها كثير من الضعف فإن أهميتها بالنسبة إلينا كامنة في كونها قد جرَّت صاحبها إلى طرح مسألة أخرى ستقودنا إلى أحد المفاتيح التي تهمنا في موضوعنا، وهي ما قاله بصدد مصطلح ''النصارى'' الوارد في القرآن
يتعلق الأمر برأيه في مضمون الآية القرآنية التي نصها: ''لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ'' (المائدة 82)
حـول هـذه الآية يقـول صاحبنا: ''إن الذين آمنوا بالدعوة القرآنية في أوانها ليس اليهـود، ولا المسيحيين، إنمـا آمـن بهـا الذيـن قالـــوا: ''إنا نصارى''، وهـم أنفسهـم الذين يصفــهم القـرآن تارة بأنهم ''أمة من قوم موسي'' (الأعراف 159)، وتــارة بأنهــم ''طائفة من بني إسرائيل'' (الصف 14)، وحينا بأنهم الذين ''أوتوا العلم'' (الإسراء 107) أو ''الراسخــون فــي العلــم'' (النساء 162)، وهم أيضاً المسلمون الأوائل قبل محمد الذين يقول فيهم القرآن: ''وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ (القــرآن) قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ'' (القصص 53)
ويخلص صاحبنا إلى القول إن هؤلاء جميعا هم نفس ''الذين قالوا إناَّ نصارى'' في الآية السابقة، (المائدة 82) مضيفا: ''ونعرف أنهم كانوا من أهل البدعة''
وهكذا نستخلص من هذا الرد الذي كتبه باحث مسيحي أن ثمة ثلاث فئات من ''أهل الكتاب'': اليهود، والمسيحيون، و''النصارى''، وأن هؤلاء ''النصارى'' كانوا فرقة ''مبتدعة'' وهذه النتيجة هي في الحقيقة كل ما يهمنا من المجادلة السابقة ولذلك نطرح السؤال التالي: من هم، يا ترى، هؤلاء ''النصارى'' الذين آمنوا بـ''النبي الأمي'' قبل بعثته وبعدها، والذين تعتبرهم ''المسيحية الرسمية'' فرقة مبتدعة؟
لقد ترجح لدينا من خلال البحث والتقصي في كافة المراجع المتاحة، في الكتابات الدينية والأبحاث المستقلة، سواء في التراث العربي والإسلامي أو في النصوص الغربية، المسيحية منها وغير المسيحية، القديمة منها والحديثة، أقول ترجح لدينا في نهاية الأمر أن المقصود بـ''النصارى'' في الآيات السابقة هم فرقة حملت هذا الاسم خلال ما يطلق عليه ''المسيحية الأولى''، مسيحية القرن الأول للميلاد، قبل أن تتأثر المسيحية الرسمية بالفكر اليوناني وبالأفلاطونية المحدثة تحديدا، أي قبل ظهور عقيدة التثليث هذه العقيدة التي تؤكد مصادرنا، الإسلامية والمسيحية والعلمانية، أن من كرسها هو ''بولس الرسول'' الذي قام بدور مهم للتبشير في أوساط ''الوثنيين'' (أي خارج المجتمع اليهودي بفلسطين) في البلدان التي كانت قد انتشرت فيها الأفلاطونية المحدثة (سوريا الكبرى، وآسيا الصغرى، أثينا روما الخ)
كان المسيحيون الأوائل، وهم المقصودون بـ''النصارى''، يقولون بأن المسيح هو المخلص الذي بشرت به التوراة وأنه رسول وإنسان كسائر البشر، ولدته مريم، كما يولد سائر الناس، ولكن بدون أب بل بنفخة من روح الله، وأنه جاء لتطبيق تعاليم التوراة سواء على مستوى العقيدة أو المسلكية الدينية، ومن هنا حرصهم على الختان وإقامة السبت وتحريم أكل الخنزير الخ هؤلاء قد تنصروا ولكن دون قطيعة مع اليهودية، معتبرين عيسى هو المسيح الذي بشرت به التوراة
وعندما تمكن بولس الرسول والقديس بطرس وغيرهما من مؤسسي الفكر المسيحي من تكريس فكرة التثليث وتدشين قطيعة مع المسلكية الدينية اليهودية وإقامة مسلكية خاصة بالمسيحية تنسجم مع نظرية التثليث، قاموا هم وأتباعهم طيلة القرنين الثاني والثالث للميلاد (وحتى الخامس كما سنرى بعد) بالتضييق على أولئك ''الذين قالوا إنا نصارى''، فشددوا الخناق عليهم ورموهم بلقب تحقيري هو ''الأبيونيون'' (والأبيوني بالعبرية معناه الفقير)، والمقصود ليس الفقر المادي بل الفقر الفكري والفراغ النظري، الشيء الذي يعني أن عقيدتهم لم تتأثر لا بالفلسفة اليونانية ولا بالغنوصية، وقد أطلق عليهم علماء الإسلام اسم ''الموحدون'' كان أولئك ''النصارى'' على الفطرة اليهودية، أما الحواريون وأصحاب التثليث فقد ميزوا أنفسهم بأنهم ''العلماء'' الذين يعرفون وحدهم ''سر'' اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح
وهكذا تراجع الاسم الحقيقي لهذه الفرقة، أعني ''النصارى'' أمام حملات خصومهم عليهم وإلصاق لقب ''الأبيونيين'' بهم، فعرفوا في الأدبيات الدينية وغير الدينية في العالم المسيحي بهذا الاسم، منذ ذلك الوقت إلى اليوم ومما يلفت النظر أن جل الذين تعرضوا لهذه الفرقة، سواء في الموسوعات الدينية أو الفلسفية أو في الكتابات البحثية، يؤكدون على غموض هذا الاسم ''الأبيونية'' أما في التراث العربي الإسلامي فلم يرد هذا اللفظ إطلاقا، لا بصيغة الفرقة (الأبيونية) ولا بصيغة اللقب (الأبيوني، الأبيونيون)، مع أن كتب الفرق في الثقافة العربية

الإسلامية أوردت ما لا يحصى من أسماء الفرق، المسيحية وغيرها لكن لم ترد فيها أدنى إشارة إلى هذا الاسم
كل ذلك يرجح لدينا ما ذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين من أن الفرقة الأبيونية
Ebionistes ليست شيئا آخر غير فرقة ''النصارى'' ,Nazarenes ولكن ليس بمعنى المنتسبين إلى مدينة الناصرة (حيث نشأ السيد المسيح) كما هو شائع، بل بمعنى الذين نصروا عيسى
بعد هذا التحديد الذي كان لابد منه (خصوصا وقد ذهب بعض الكتاب العرب المعاصرين إلى حد القول بأن هذه الفرقة هي التي ''حضرت'' لظهور محمد عليه السلام في صورة نبي)
أقول بعد هذا التحديد الذي قمنا به والذي يضع الأمور في نصابها (وهناك أشياء أخرى قادمة)، نلقي نظرة على آراء هؤلاء ''النصارى'' (الأبيونيين الفقراء فكرياً)، وهي آراء احتفظ لنا بها خصومهم في إطار التشهير بهم
نقرأ في ''موسوعة تاريخ أقباط مصر''، على الإنترنت في مقالة كتبها عزت أندراوس بعنوان ''محمد والعقيدة الأبيونية''، أن ''أقدم مرجع على الإطلاق عن الشيعة الأبيونية والتعريف بمعتقداتها هو ما في كتابات القديس يوستينوس الشهيد (110-165م) الذي ذكرهم وتكلم عن مبادئهم وفروضهم وقال: إنهم مدارس فكرية ظهرت في الكنيسة، وإنهم جماعات مختلفة يحفظون السبت اليهودي والناموس الموسوي حفظاً حرفياً، وينادون بأن الختان ضروري للخلاص، وأن الناموس القديم فرض على جميع المسيحيين''
كما ينقل صاحب المقالة عن يوسابيوس أنهم: ''اعتبروا السيد المسيح إنساناً عاديا قد تبرر (وبلغة القرآن ''مِنْ الْمُقَرَّبِين'' - آل عمران 45) واعتبروه إنساناً عادياً كسائر البشر، ولد من أب هو يوسف (النجار) ومن أم هي مريم'' (لاحظ التشهير بهم باتهامهم بالقول إن والد عيسى هو يوسف النجار، قريب مريم وخطيبها الذي تقول المصادر المسيحية إنه لم يدخل عليها) ويضيف صاحب المقالة: ''والأبيونية هرطقة ظهرت أيام المسيحية الأولى لكنها لم تصبح مذهباً له أتباع ومراسيم دينية إلا في أيام حكم الإمبراطور تراجان سنة (52-117م)'' ويضيف المقال: حينذاك ''أصبح الأبيونيون جماعة كبيرة العدد انتشروا أصلاً في منطقة بابل وفي فلسطين والأقطار المجاورة وامتدوا أيضاً إلى روما وإلى جميع مراكز الشتات'' (اليهودي) كما يذكر أن غريغوريوس قال عنهم: إنهم اتهموا بولس الرسول -صاحب نظرية التثليث- باتهامات مرة وقاسية، ووصفوه بأنه متمرد ومارق عن الناموس، وأنكروا سلطانه ورفضوا رسائله، واكتفوا باستعمال النص العبرانى لإنجيل متى (محرفاً) ولا يعيرون الأناجيل الأخرى أهمية تذكر''
هذا ما يقوله رجال ''المسيحية الرسمية'' عن هؤلاء ''الفقراء فكريا'': الذين ''انتشروا أصلاً في منطقة بابل وفي فلسطين والأقطار المجاورة (إلى مكة) وامتدوا أيضاً إلى روما''، ونضيف: وإلى أسبانيا!
فمن هم بالضبط هؤلاء ''النصارى''، غير ''المسيحيين''؟ وكيف تحدث عنهم التاريخ، وما علاقتهم بالإسلام؟