ديمقراطية حسب الطلب!

د. عبد الوهاب المسيري الاتحاد

 

ليس المهم أن تطبق النخب الحاكمة في البلدان العربية النموذج الديمقراطي المتعارف عليه، والذي لا تكف الإدارة الأميركية، ومن ورائها دول أوروبا، عن تسويقه باعتباره الوصفة السحرية لحل كل المشاكل المستعصية التي تعاني منها المنطقة العربية، بل الأهم أن تتبع هذه النخب التعريف الأميركي الجديد للديمقراطية، وأن ''تكيِّف'' أية إجراءات ديمقراطية بحيث تتماشى مع الشروط الأميركية، حتى وإن اقتضى الأمر التخلي عن أبسط قواعد الديمقراطية نفسها!
هذه هي خلاصة ''الدرس'' الأخير الذي تقدمه الولايات المتحدة الأميركية، ويعيد الاتحاد الأوروبي ترديده، من خلال تعاملهما مع مسألة الانتخابات الفلسطينية ففي البداية، أبدى مجلس النواب الأميركي، يوم 17 ديسمبر ،2005 اعتراضه على مشاركة ''حركة المقاومة الإسلامية'' (حماس) في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، المقرر إجراؤها في 25 يناير ،2006 وطالب السلطة الفلسطينية باستبعاد الحركة من العملية السياسية، وكذلك الجماعات الأخرى التي تدرجها الولايات المتحدة على قائمة المنظمات ''الإرهابية''، وهدد بإعادة النظر في المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للسلطة الفلسطينية (صحيفة السفير، 19 ديسمبر 2005) كما طالب المجلس بتأجيل الانتخابات حتى لا تحقق من خلالها الحركة مزيداً من المكاسب السياسية بعدما أظهرت الانتخابات البلدية تفوقاً واضحاً لمرشحيها وفي اليوم التالي لصدور قرار مجلس النواب الأميركي، صرح ''خافيير سولانا''، منسق السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أثناء زيارته للكيان الصهيوني، أن الاتحاد قد يوقف المعونات التي يقدمها للسلطة الفلسطينية إذا فازت حركة ''حماس'' في الانتخابات، والمعروف أن الاتحاد هو أكبر مانح للمعونات، حيث قدم للسلطة الفلسطينية خلال عام 2005 ما يزيد على 340 مليون دولار (صحيفة القدس العربي، 19 ديسمبر) وحتى تكتمل الجوقة ''الديمقراطية''، حذا 70 من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي حذو أقرانهم في مجلس النواب، ووجهوا رسالة إلى الرئيس الأميركي، طالبوه فيها بالضغط على الرئيس الفلسطيني لنزع سلاح حركة ''حماس'' ومنعها من المشاركة في الانتخابات وفي لهجة تهديد صريحة، أعلن أعضاء المجلس أن الولايات المتحدة لن يكون أمامها من خيار ''سوى إعادة تقييم كل جوانب علاقتها مع السلطة الفلسطينية'' إذا سمحت بمشاركة حركة ''حماس'' (صحيفة السفير، 22 ديسمبر 2005)
ومن الطبيعي أن تقود هذه المواقف الأميركية والأوروبية إلى طرح تساؤلات عن النموذج المثالي الذي يُطرح للديمقراطية وحقيقة الممارسات الفعلية التي تُطبق على أرض الواقع فعادةً ما تُعرَّف الديمقراطية بأنها نظام سياسي يوفر فرصة المشاركة لكل أعضاء المجتمع الذين لهم حق التصويت في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم الفردية والجماعية على حد سواء في أي من المجالات الاجتماعية أو السياسية كما تُعرَّف الديمقراطية بأنها نسق سياسي قائم على مبادئ ممارسة الحكم من خلال موافقة المحكومين وتقبلهم له، على اعتبار أن الحكومة تستمد شرعيتها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من إرادة غالبية أعضاء المجتمع المحلي أو المجتمع بأكمله ويقتضي نموذج الديمقراطية النيابية هذا عدداً من الشروط، مثل الانتخابات الحرة وسرية التصويت وتكافؤ فرص المرشحين، فضلاً عن المساواة أمام القانون، وحرية التعبير والنشر والاجتماع
إلا أن المطالب الأميركية والأوروبية الموجهة إلى السلطة الفلسطينية تبتعد بمفهوم ''الديمقراطية'' عن هذا النموذج المثالي، فهي تستدعي إقصاء فصائل سياسية بعينها من المشاركة في صنع القرار، بما يعنيه ذلك من الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص فضلاً عن مبادئ حرية التعبير وحرية الاختلاف، كما تتجاهل إرادة قسم لا يستهان به من أبناء المجتمع الفلسطيني الذين يؤيدون هذه الفصائل ويرون أنها تمثل مصالحهم وتطلعاتهم بل إن هذه المطالب تتجاوز مسألة الانتخابات لتمس قضية المواطنة نفسها، حيث تحدد سلفاً من الذي له الحق في الانتماء إلى الشعب وتمثيله، ومن الذي ينبغي حرمانه من هذا الحق أما إطلاق صفة ''الإرهاب'' على المنظمات الفلسطينية فيتناقض مع مبادئ القانون الدولي التي لا تعترف بشرعية الاحتلال وما يترتب عليه من أوضاع، مهما طال به الأمد، كما تقر بحق الشعوب في مقاومته بكل الوسائل
ومن جهة أخرى، فإن ربط المعونات الأميركية والأوروبية بتلبية مطالب سياسية محددة تتخفى وراء ديباجات ديمقراطية يجرد هذه المعونات من أية ادعاءات ''إنسانية'' ويحيلها إلى أداة للضغط والتهديد والإملاء، كما يجرد هذه المطالب نفسها من أي مضمون ديمقراطي حقيقي، ويدرجها في إطار التدخل غير المقبول في مصائر الشعوب واختياراتها
ومن الملفت للنظر أن يأتي هذا ''الدرس الديمقراطي'' من الولايات المتحدة تحديداً، بينما لا يكاد يمر يوم إلا وتتكشف وقائع جديدة عن حقيقة ممارساتها سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي فقد شهدت السنوات الأخيرة، وخاصة في أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر ،2001 مجموعة من الأحداث والمواقف والسياسات كان من شأنها أن تثير شكوك البعض، وتؤكد الشكوك القائمة أصلاً لدى البعض الآخر، بخصوص ما يسمى بالممارسات الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية، التي طالما وُصفت بأنها ''زعيمة العالم الحر'' و''قلعة الديمقراطية'' و''المدافعة عن حقوق الإنسان'' فعلى المستوى الداخلي، فُرضت سلسلة من القيود التي تحد من الحريات الفردية للمواطن الأميركي، وبدأ تطبيق تدابير أمنية لا تختلف كثيراً عن تلك المتبعة في أعتى النظم الاستبدادية، ومنها مثلاً ''قانون الأدلة السرية'' والمحاكم العسكرية، كما بدأ اتخاذ إجراءات تتسم بالتمييز والعنصرية ضد أبناء الأقليات، ولا سيما من ينحدرون من أصول عربية أو إسلامية وعلى المستوى الدولي، كان هناك غزو أفغانستان ثم العراق، وما صاحب ذلك وما تلاه من ممارسات وحشية من قبيل تلك التي كشفت عنها فضيحة ''سجن أبو غريب'' في بغداد، فضلاً عن التلويح باستخدام القوة ضد أية دولة لا تستجيب لشروط الهيمنة الأميركية، بدعوى أنها من الدول ''المارقة'' أو من أطراف ''محور الشر'' ووسط هذا كله، كان هناك ولا يزال الدعم الأميركي المطلق للممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، والتي تتنافي مع أبسط معايير القانون الدولي وحقوق الإنسان والأعراف الإنسانية، وسبق أن أدانها المجتمع الدولي مراراً، من خلال قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وغيرهما من المحافل الدولية ولا تعني هذه الانتقادات والتساؤلات، بطبيعة الحال، رفض المبادئ الديمقراطية، التي تستند إلى مرجعية إنسانية وأخلاقية وإلى ما رسخته تجارب الشعوب عبر نضالها الطويل، كما لا تعني الدعوة إلى الاستبداد والقمع ما دامت الدول التي تدعي أنها ''المثل الأعلى'' للديمقراطية تتخلى دون مواربة عن القيم والمبادئ التي تتشدق بها فالمقصود هو تبديد بعض الأوهام التي ما زال البعض يتمسك بها عن نموذج الديمقراطية الغربية وعن ''البراءة'' الكامنة وراء التبشير الأميركي والأوروبي بالديمقراطية والله أعلم