الاغتيال السياسي سلوك دموي من عصر قديم

فايز ساره - "المستقبل"

آخر جرائم الاغتيال السياسي في العالم العربي، حدثت في لبنان، حيث اغتيل النائب والصحافي اللبناني جبران تويني بتفجير سيارة مفخخة لدى مرور سيارته في منطقة المكلس ببيروت، ما أدى إلى استشهاده واثنين من مرافقيه. وقبل اغتيال تويني، كان عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية اللبنانية، تعرضوا للاغتيال في العام الماضي، كان في مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان وعدد من المرافقين، ثم الصحافي والكاتب سمير قصير، وبعده جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني.

ومثل لبنان، كان العراق مسرحاً لعمليات اغتيال سياسي كثيرة.

وعلى الرغم من أن الاغتيال السياسي في العراق، طال شخصيات سياسية مهمة مثل رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية محمد باقر الحكيم، ورئيس مؤسسة الخوئي العالمية عبدالمجيد الخوئي اللذين اغتيلا في العام 2003، وعدد من قادة هيئة علماء المسلمين اغتيلوا أخيراً، فإن أكثر عمليات الاغتيال هناك، توجهت ضد الخبرات والكادرات العراقية التي بدت وكأنها أهداف سهلة من جهة، وأنه مطلوب تصفيتها في إطار تدمير قدرات العراقيين، وبيّنت تقارير صحافية، أن الاعتداءات على أساتذة الجامعات العراقية، أدت إلى اغتيال أكثر من ثلاثمائة شخص منهم في عامين فقط، بينهم أكثر من مئة وستين أستاذاً، ونحو سبعين من علماء الدين السنة وأئمة الشيعة، وهي عمليات توازي في أهدافها عمليات اغتيال كبار الضباط السابقين في الجيش العراقي لأهداف سياسية. وبيّنت التقارير، أنه جرت تصفية عشرات من كبار الضباط السابقين أكثر من نصفهم كانوا ضباطاً في سلاح الجو العراقي.

ويتماثل الاغتيال السياسي في العراق من حيث اتساعه وشموله مع الاغتيال السياسي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، وقد شمل في السابق اغتيال قادة وناشطين من المقيمين في الخارج أمثال غسان كنفاني وأبو جهاد وأبو أياد وهايل عبدالحميد، قبل أن تتمركز عمليات اغتيال الفلسطينيين في الداخل، ليتم من خلالها قتل وتدمير النخبة القيادية للفلسطينيين من رجال السياسة إلى الكادرات العسكرية مروراً بالكادرات العلمية والتقنية، كما طالت الاغتيالات الإسرائيلية المراكز القيادية العليا لدى الفلسطينيين ومنهم الرئيس ياسر عرفات وزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى، ومؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين وآخرين كثر جرى اغتيالهم في السنوات الثلاث الأخيرة.

والتوقف عند ظاهرة الاغتيال السياسي في البلدان الثلاثة، يقارب التوقف عند غيرها من البلدان، وهو يشير إلى طبيعة القوى الظلامية التي تقوم بها، إذ هي في الغالب جماعات مغلقة سواء كانت من الأجهزة الاستخبارية أو الجماعات الإرهابية والمتطرفة، وكذلك جماعات العصابات المنظمة المأجورة، التي تقوم بأعمال الاغتيال لغيرها. ويشير الواقع أيضاً إلى حقيقة أخرى أساسها عجز جماعات الاغتيال السياسي عن إقناع المستهدفين بآرائها ومواقفها، الأمر الذي يجعلها تأخذ قرار تصفيتهم جسديا في إطار حسم اختلاف المواقف أو الآراء معهم وعلى أمل فتح المجال من أجل تنفيذ استراتيجيتها وخططها، أو انتقاما من تلك الشخصيات، إذا كانت قد سببت لجماعات الاغتيال ومن يقف خلفها خسائر أو إرباكات سياسية، وبالتالي فإن تصفية المختلفين والمخالفين سوف يحقق للقتلة بضعاً من "الانتصار" على خصومهم.

وطبقاً لما تؤشر له الحقائق المحيطة بنهج الاغتيال السياسي، فإن هذا المنهج ينتمي إلى عالم جرى تجاوزه في مستوى العلاقات الإنسانية والدولية، حيث تنحو الشعوب والجماعات، ويتجه العالم نحو الحوار العام في قضاياه ومشاكله، حواراً تتشارك فيه الشعوب والدول والجماعات والمنظمات على اختلافها وتناقض مصالحها من أجل التوفيق بين الأهداف والمصالح في إطار وحدة عالمية تتجاوز الرغبات الأنانية للذين ما زالوا يعيشون في الماضي من دول وجماعات ترى أن عمليات الظلام، والتي ينتمي إليها الاغتيال السياسي هي الطريق الوحيد لتحقيق المكاسب، وهي في هذا المنحى تتقاطع مع محتوى الإرهاب الذي لا يرتكبه اليوم إلا الظلاميون من الجماعات المغلقة، وأجهزة الدول التي تماثلها.

"المستقبل"