ظاهرة العجز الديمقراطي

السيد يسين  - الاتحاد

 

 

انتهينا في مقالنا الماضي إلى أهمية التعمق في دراسة العجز الديمقراطي العربي لتفسير سيادة النظم الشمولية والسلطوية عقوداً طويلة من السنين من ناحية، ولتحليل أسباب تعثر خطوات الإصلاح السياسي من ناحية أخرى· ويقتضي ذلك أن نقف أولا على المعاني المحددة لمصطلح ''العجز الديمقراطي'' Democratic Deficit
تذهب الموسوعة الحرة
Wikipedia إلى أن مصطلح العجز الديمقراطي يستخدم للإشارة إلى المؤسسات التي هي ديمقراطية إلى حد ما، ولكنها ليست ديمقراطية كما كان ينبغي أن تكون· وفي هذا المجال يضرب المثل بالأمم المتحدة التي تعاني من العجز الديمقراطي، نظرا لتحكم الدول الكبرى من خلال الفيتو في قراراتها على حساب الدول المتوسطة والصغرى، وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي يعاني بالمثل -نتيجة أسباب متعددة- من العجز الديمقراطي أيضاً·
وحين نتحدث عن العجز الديمقراطي العربي فلا ينبغي أن نظن أن العالم العربي ينفرد بكونه يعاني من هذا العجز· بل إن علماء سياسة أميركيين يذهبون في مجال نقد النظام السياسي الأميركي إلى أنه يعاني من عجز ديمقراطي واضح· وقد كتب جون هيكمان أستاذ النظم الانتخابية المقارنة مقالة ملفتة للنظر حقاً موضوعها تحديد أسباب العجز الديمقراطي في النظام السياسي الأميركي، واختار الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت عام 2004 كموضوع لدراسة حالة، كي يبين أسباب العجز الديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية، والتي ترد إلى أسباب إدارية من ناحية، وأسباب فلسفية من ناحية أخرى· يقول هيكمان إن هناك شروطاً أساسية ينبغي أن تتوافر في المعايير الإدارية لإجراء انتخابات ديمقراطية حقا· وهذه الشروط ثلاثة؛ أولها أن يكون تسجيل الناخبين عاماً ومحايداً سياسياً· وثانيها أن على التصويت أن يجسد الحق العام لكل المواطنين الذين يمارسونه، بدون ضغوط· أما الشرط الثالث فهو أن يتم عد الأصوات بصورة دقيقة·
وقد خطر لي وأنا أقرأ هذا الكلام أن الكاتب الأميركي إنما يتحدث عن الانتخابات في بلادنا العربية التي يتعرض فيها الناخبون لكل أنواع الضغط حتى يصوتوا للرئيس الأوحد أو الزعيم الملهم أو الحزب السياسي الوحيد الذي يهيمن على البلاد والعباد! لذلك ليس غريباً أن تشاهد في هذه الانتخابات المزعومة أن عديداً من الرؤساء -من فرط القبول الشعبي لهم- يحصلون على نسبة 99% بل 100% أحيانا· وأياً كان الأمر فإن هيكمان يضيف إلى الأسباب الإدارية التي تؤدي إلى العجز الديمقراطي معايير فلسفية أيضاً، وأولها أن الناخبين ينبغي أن يتعرضوا لعملية الاختيار بين أحزاب سياسية حقيقية ومعترف بها، ومرشحين متنوعين بالقدر الكافي الذي يمثل الدائرة الواسعة للتباينات الإيديولوجية، والاختلاف في المصالح على نطاق المجتمع· والشرط الثاني أن الاختيارات الانتخابية للناخبين ينبغي أن تترجم إلى نواتج انتخابية، بكل إخلاص وصدق بواسطة النظام الانتخابي· والشرط الثالث والأخير أن الأحزاب والمرشحين الذين ينجحون في الوصول للسلطة ينبغي أن يمارسوا السلطة ويحكموا فعلاً· وهذه الشروط الفلسفية تحتاج منا إلى وقفة تأملية لكي ندرس الموقف السياسي العربي منها· فالشرط الأول والذي ينص على ضرورة أن ينتج النظام السياسي دائرة واسعة للاختيار من خلال تعدد المرشحين الذين ينتمون إلى إيديولوجيات متعددة، ويمثلون مصالح مختلفة، نجده لا يتوفر عادة في الممارسات العربية· فقد درجت النظم السياسية العربية بحكم كونها في الغالب شمولية وسلطوية أو تعددية بشكل مقيد، على أن تقصي تيارات إيديولوجية بعينها من أن تمثل في الانتخابات· وتستوي في ذلك الإيديولوجيات السياسية، فبعضها قد يكون إيديولوجية يسارية تتمثل في الشيوعيين أو الاشتراكيين، وفي حالات أخرى قد تكون إيديولوجية يمينية تتمثل في أنصار تيار الإسلام السياسي· بعبارة أخرى فالناخب العربي عادة ما يكون محصورا في دائرة ضيقة حددتها النظم، وبالتالي فمجال اختياراته السياسية يظل محدوداً بحكم الإقصاء المبدئي الذي مارسه النظام·
أما الشرط الثاني والذي مؤداه أن اختيارات الناخبين السياسية ينبغي أن تترجم إلى نواتج انتخابية حقيقية بكل دقة وإخلاص من قبل المتحكمين في النظام السياسي، فهو شرط يكاد يكون مستحيلاً في النظام السياسي العربي· وذلك نتيجة لعمليات التزوير الواسع النطاق الذي تمارسه السلطة، بالإضافة إلى وسائل التأثير المباشر وغير المباشر على إرادة الناخبين· وتصل المسألة إلى أن النتائج المعلنة رسمياً أحياناً كثيرة لا تتطابق مع عدد الأصوات الفعلية التي حصل عليها بعض المرشحين المعارضين·
ونصل للشرط الثالث المهم والذي مؤداه أن الأحزاب السياسية والمرشحين الذين حصلوا على غالبية الأصوات، من حقهم أن يستلموا السلطة ويمارسوا الحكم فعلاً· هذه قاعدة بالغة الأهمية، وإن كانت تمت مخالفتها في حالة شهيرة هي حالة نجاح مرشحي الجبهة الإسلامية في الجزائر، والذين كان من حقهم الدستوري أن يستلموا السلطة ويحكموا بالفعل، إلا أن الجيش قام بانقلابه الشهير ومنعهم من تسلم السلطة· وقد دارت خلافات شتى بين المثقفين العرب حول هذه الحالة بالذات والتي تم الاحتكام فيها ديمقراطياً إلى صناديق الانتخاب· وقد توصلت شخصياً إلى قناعة مفادها أنني بالرغم من إيماني العميق بالديمقراطية، إلا أنه في هذا المجال ينبغي التفرقة بين إجراءات الديمقراطية وقيم الديمقراطية· الانتخابات الدورية هي مجرد إجراءات ديمقراطية، ولكنها لو مورست في مناخ لا تؤمن فيه كل أطراف العملية السياسية بالقيم الديمقراطية وأهمها ضرورة تداول السلطة، فإن إجراءات الديمقراطية التي تمثلها الانتخابات، قد تكون في هذه الحالة بالذات مضادة للديمقراطية!
فقد كان زعماء الجبهة الإسلامية قبل الانتخابات وفي أثنائها يصرحون بأنهم بعد أن يؤسسوا الدولة الإسلامية سيقومون بإلغاء الأحزاب السياسية، لأن الإسلام لا يعرف الأحزاب ولا يعترف بها· ولعل في هذه التصريحات ما يفسر إقدام الجيش الجزائري على الانقلاب على نتائج الانتخابات، حتى لا تحول الجبهة الإسلامية النظام التعددي إلى نظام شمولي ديني·
وعودة إلى دراسة جون هيكمان ونقده العنيف للنظام السياسي الأميركي على أساس أنه يعاني من العجز الديمقراطي، فهو لا يتوانى عن اقتراح بدائل متعددة لنظام انتخاب رئيس الجمهورية الأميركية بالانتخاب الحر المباشر، بعد إلغاء نظام المجمع الانتخابي الذي يراه نظاماً عتيقاً معوقاً للديمقراطية الشعبية الحقيقية· في ضوء ما سقناه من ملاحظات مبدئية عن ظاهرة العجز الديمقراطي، فإن هناك تساؤلات متعددة حول مظاهر وأسباب العجز الديمقراطي العربي، وتفسيرات مختلفة للظاهرة· وهي تفسيرات تتراوح بين ''السياسي'' و''الاقتصادي'' و''الاجتماعي'' و''الثقافي''· ويذهب أحد الباحثين الأميركيين (راي تاكيه) إلى أن الحاجة إلى الإصلاح في الشرق الأوسط لم تكن ضرورية وعاجلة أكثر مما هي عليه في اللحظة الراهنة· وفي رأيه أن العالم العربي يواجه خطر انفجار اجتماعي، لأنه يعيش ثورة ديموغرافية، فنصف عدد سكانه على الأقل أعمارهم دون العشرين· وتحتاج المنطقة إلى خلق مليون فرصة عمل في الخمسة عشر عاماً القادمة، وهذا يقتضي من الحكومات العربية أن تطبق إصلاحات اقتصادية من شأنها أن تدفع بالنمو الاقتصادي إلى الأمام من خلال تنمية الاستثمار والتجارة· غير أنه لا يمكن تحقيق ذلك بغير تحديث سياسي· وينبغي أن نضع في الاعتبار الشروط المبدئية اللازمة لتحقيق تحول ناجح إلى نظام السوق، مثل سيادة القانون، والمحاسبة والشفافية، باعتبارها مكونات رئيسية لأي نظام سياسي ديمقراطي·
هذا مجرد نموذج من تشخيص بعض الباحثين الأجانب لضرورة التحول الديمقراطي، غير أن الموضوع يستحق أن نعالجه بصورة أعمق، ومن خلال تطبيق منهج تكاملي، لكي نصل إلى تفسير موضوعي لظاهرة العجز الديمقراطي العربي، من خلال الاستعراض النقدي لعدد من النظريات العربية والأجنبية التي حاولت أن تنفذ إلى صميم الظاهرة·