ابن رشد ومشروع التغيير

د. محمد عابد الجابري  - الاتحاد

 

الحديث عن ابن رشد (520-595 هـ/1198م) وإنجازاته في العقيدة والشريعة والفلسفة والطب·· الخ، لا يمكن أن يستوعبه مقال، ولذلك سنركز هنا على جانب لم يتم إبرازه من قبل في سيرة هذا الرجل الفكرية، وهو أن فيلسوف قرطبة كان صاحب مشروع للتغيير، مشروع يهدف إعادة تأصيل الأصول في كل مجال من مجالات الثقافة العربية الإسلامية: في العقيدة، والشريعة، والفلسفة، والطب، والعلم، واللغة، والسياسة·
- ففي مجال العقيدة أكد بعبارات صريحة أن هدفه من التأليف فيها (خصوصا كتبه الثلاثة: ''الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة''، و''فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال''، و''تهافت التهافت'') كان، كما عبر هو نفسه: ''تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير'' والرجوع بهـا إلى ''الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها''·
أما في مجال الفقه فقد دشن عمله فيه بكتابه ''الضروري في أصول الفقه'' الذي افتتحه بتوجيه نقد قوي لفقهاء عصره الذين قال عنهم: ''وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون''· من أجل ذلك قرر تصحيح الوضع بفتح باب الاجتهاد وبيان أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فكان ذلك موضوع كتابه ''بداية المجتهد ونهاية المقتصد''، ''الذي لم يعمل مثله'' حسب عبارة القدماء· وقد عرض فيه الفقه الإسلامي عرضا نقدياً يقوم على مقارنة المذاهب الفقهية الأربعة وبيان وجوه الاختلاف بينها ودواعيه، وترجيح ما اعتبره أقرب إلى مقاصد الشرع·
- وأما في المجال الفلسفي فقد أعلن فيلسوف قرطبة بكل صراحة في أول كتاب له في الفلسفة، أن غرضه هو استخلاص الآراء العلمية التي يقتضيها مذهب أرسطو وحذف الأقاويل الجدلية منها، مبيناً أنه إنما اعتمد مؤلفات أرسطو دون غيرها من كتب القدماء (اليونان) لكونها ''أشدها إقناعا وأثبتها حجة''· وهكذا جاءت شروحه على أرسطو غنية تتجاوز مجرد الشرح إلى طرح آراء اجتهادية لم تنقل عن أرسطو وإنما استخلصها من خط تفكيره، حجته في ذلك أن مذهب أرسطو يقتضي تلك الأفكار· ومن هنا يصح أن يقال عنه إنه لم يكن مجرد شارح لـ''المعلم الأول'' (أرسطو) بل كان مكملا له، بذل كل جهده لسد ثغرات مذهبه!
- أما في مجال الطب، الذي ألف فيه ''كتاب الكليات في الطب''، فقد كان هدفه الأساسي منه بناء الطب على العلم، والعلم الطبيعي خاصة، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت ''كليات'' علمية وليس على مجرد التخمين والتقليد والتجارب العفوية التي كان يعتمدها أصحاب الوصفات الجاهزة من مؤلفي ''الكنانيش'' (التي تصف الدواء لكل داء) الذين قال عنهم إنهم ''أبعد خلق الله عن هذه الصناعة'' (يستثني بني زهر الذين كانوا يمارسون الطب التطبيقي عن دراية ومعرفة)·
أما في مجال العلوم الطبيعية، فقد رافقه منذ بداية مسيرته العلمية مشروع من أعظم المشاريع العلمية، مشروع إصلاح علم الفلك الذي كان يعتمد في عصره على بطليموس ونظامه الكوني· وكان الذي حرك هذه الرغبة في نفسه كون نظريات بطليموس لم تكن على وفاق مع ما تقرره العلوم الطبيعية الأخرى· إن العلم، في نظر ابن رشد واحد، لأن الحقيقة واحدة، فإذا عارضت العلوم بعضها بعضاً ضاعت الحقيقة· كان ابن رشد مهتما بهذا المشروع طوال مسيرته العلمية التي بدأت وهو في السابعة والعشرين من عمره عندما قصد جبال الأطلس بناحية مراكش بالمغرب بهدف إجراء قياسات علمية حول حركة بعض الكواكب· ولكن كثرة أشغاله وتعدد مشاريعه العلمية جعلاه يؤجل الانكباب على إصلاح الفلك مرة بعد مرة إلى أن تقدمت به السن فوجد نفسه عاجزاً عن القيام بالمهمة معبراً عن أمله في أن يأتي من بعده من يتولى ذلك· وتشاء الأقدار أن يتصدى لهذه المهمة من بعده مباشرة تلميذه نور الدين أبو إسحق البطروجي المعروف عند الأوروبيين باسم
Petagius (المتوفى سنة 601 هـ)· فقد ألف في الموضوع كتابا صار هو المرجع المعتمد في موضوعه -بأوروبا- إلى أن ظهر ''كوبرنيك'' بنظريته التي أعلنت ميلاد علم الفك الحديث·
وأما في مجال إصلاح النحو العربي فقد مكننا العثور في موريتانيا قبل بضع سنين، على كتابه ''الضروري في النحو''، من اكتشاف مشروع مهم غير مسبوق، هو مشروع إعادة بناء النحو العربي بحيث يصبح كما قال: ''أقرب إلى الأمر الصناعي (=الطريقة العلمية) وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني''· والغالب على الظن أن ابن رشد قد سبق ابن مضاء القرطبي (وهما متعاصران) إلى طرح هذا الموضوع، هذا فضلا عن أن كتابه يتجاوز كتاب ''الرد على النحاة'' لابن مضاء الذي اقتصر على الدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بينما نشر فيلسوف قرطبة صياغة جديدة تماما لبنية النحو العربي اعتمدت الترتيب المنطقي، بحيث يكون منهج التأليف في النحو العربي مساوقا للترتيب الذي هو ''مشترك لجميع الألسنة''، منطلقا من تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب، وليس إلى اسم وفعل وحرف، كما كان عليه الحال منذ سيبويه·
وأما في مجال السياسة فقد تمكنّا من خلال الاطلاع على كتابه ''الضروري في السياسة''، المعروف في كتب التراجم بـ''تلخيص السياسة لأفلاطون''، والذي فقد نصه العربي وبقيت منه ترجمة إلى العبرية، (عملنا على إعادتها إلى اللغة العربية وبلغة ابن رشد بالتعاون مع زميل مختص في العبرية)، أقول تمكنا بفضل هذا الكتاب من إبراز أن مشروع ابن رشد للإصلاح السياسي تجاوز نظرية أفلاطون، مبرهناً على إمكانية قيام مدينة ''فاضلة'' من خلال تتابع ''حكومات الأخيار'' في بلد من البلدان، تقيم العدل وتحافظ على الاستقرار وتواصل الإصلاح والتجديد·
تلك إذن جوانب تقدم لنا صورة أخرى عن ابن رشد، صورة رجل وعى أعمق الوعي ما آلت إليه الثقافة العربية الإسلامية من جمود وتراجع فقام يعمل ليل نهار من أجل تحقيق انبعاث جديد لهذه الثقافة· لكن واقع الفكر والثقافة في العالم العربي والإسلامي في عهده، كان أبعد ما يكون من تحمل مشروع مثل هذا· لقد كان كتابه ''الضروري في السياسة'' جزءا من هذا المشروع الشامل، الجزء الذي يخص جانب الحكم والسياسة· لقد تعرض فيه بالنقد الشديد لنظام الحكم الاستبدادي مطبقا كلام أفلاطون في هذا الموضوع على نظم الحكم في الإسلام عامة ونظام الحكم في الأندلس، في عصره خاصة، وكان ذاك هو السبب الحقيقي في نكبته: محاكمته وسجنه ومصادرة كتبه وإحراقها·
لقد تواطأت السياسة مع التاريخ (السياسة في العالم العربي والتطور التاريخي الذي عرفته أوروبا في ذلك الوقت) على إسكات صوت ابن رشد في العالم العربي والإسلامي لمدة لا تقل عن سبعة قرون، ولم يستأنف الحديث عنه إلا بعد أن بلغت الحضارة الأوروبية الحديثة المرحلة التي صارت فيها حضارة للعالم بأسره· وعندما بدأت هذه الحضارة تقرأ تاريخها اكتشفت ابن رشد كواحد من الأعمدة المركزية التي قامت عليها، لقد وجد المشروع ''الرشدي'' متنفساً له في أوروبا عندما ترجمت كتبه إلى اللاتينية··· ومع أنه ظهر في الحضارة العربية الإسلامية عالمان بعد ابن رشد، كامتداد لروحه النقدية التجديدية، أعني الشاطبي في أصول الفقه، وابن خلدون في النقد التاريخي، فقد كانت الحضارة العربية تتحرك في عصرهما بسرعة نحو الجمود والانحطاط· لقد وعى ابن خلدون بعمق أن الحضارة العربية قد دخلت مرحلة الأفول، وأن العالم بصدد ''خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث''· ولم يكن يجهل موقع الفضاء الجديد الذي سيكون مسرحاً لهذا الخلق الجديد والنشأة المستأنفة والعالم المحدث، بل كان يراه، كان يشاهد رياح التجديد أين تتجه! وبما أنه مؤرخ ينظر إلى التطور كسلسلة متصلة الحلقات فقد فضل أن يتتبع مسار الرياح في الفضاء الحضاري للثقافة العربية منذ هبوبها الأول فكتب يؤرخ لتموجات هذا المسار من خلال تتبع رحلة العلوم العقلية منذ ازدهارها مع اليونان: فذكَّر بانتقالها إلى العالم المسيحي أولاً ثم إلى الإسلام ثانيا ليضيف: ''كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض روما، وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة، والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما شاء ويختار''·