قصة المشروع الثقافي الذي أنتج ابن رشد

د. محمد عابد الجابري - الاتحاد


 

كان ابن حزم (384- 456هـ) في طليعة ''الحزب الأموي'' الذي كان يغالب الزمن والأحداث عندما كانت شمس الدولة الأموية في الأندلس آخذة في الأفول· لقد صارع خصومها السياسيين والإيديولوجيين وأعلن عن مشروع إيديولوجي عرف باسم ''ظاهرية ابن حزم'' سيكون منطلقا للنهضة التي عرفتها الأندلس فيما بعد· ومع أن المذهب الظاهري قد ظهر في دمشق، إذ يرجع أصله إلى داود الأصفهاني (202-270هـ)، فقد كان مجاله محصورا في الفقه ويتلخص في القول إن الأحكام يجب أن تؤخذ من ظاهر النصوص الشرعية دونما تأويل أو قياس· أما ''ظاهرية'' ابن حزم، فإنها أعمق وأوسع إذ عمت مختلف فروع الثقافة العربية من فقه ونحو وتفسير ومنطق وفلسفة· ولابد من القول إن ابن حزم قد أعاد الاعتبار للمنطق والفلسفة على مذهب أرسطو· وهو يعتبر الفلسفة ''مبينة للفضائل من الرذائل، مُوقِفة على البراهين المفرِّقة بين الحق والباطل''·
وإذا كانت ظاهرية ابن حزم تقدم نفسها على مسرح الفضاء الحضاري للثقافة العربية كأنها تبشير وتأسيس لمشروع ثقافي جديد، فإنها تبدو في الوقت نفسه، وعلى نفس المسرح، في صورة تتويج لمسلسل من التطور بدأ قبل ابن حزم بمدة طويلة، وذلك حينما تمكن عبد الرحمن الثالث، ثامن أمراء الأمويين في الأندلس، من إعادة بناء الدولة: ''فأنقذ الأندلس من نفسها ومن أعدائها(···) وبلغت شهرته أقصى حدود المملكة الإسلامية بآسيا''، واستحق بذلك لقب الخلافة فأعلن نفسه خليفة وتسمى باسم عبد الرحمن الناصر (سنة 316هـ)·
لقد عمل عبد الرحمن الناصر على إبراز الشخصية الثقافية المتميزة للأندلس فشجع العلم والثقافة واقتناء الكتب··· الخ· غير أن أكثر ما يلفت النظر في سياسته الثقافية أمران اثنان: رعايته الخاصة لمنذر بن سعيد البلوطي الظاهري المذهب من جهة، وقد عينه قاضي القضاة، وتقريبه من جهة أخرى للطبيب اليهودي المشهور آنذاك حسداي بن شبروط الذي كان الناصر يحرص على إحضاره معه في مجالسه الخاصة· وسواء كان هذان الأمران عنصرين في استراتيجية ثقافية خطط لها الناصر بوعي أم أنهما كانا راجعين إلى مجرد ملابسات ظرفية، فإن من جملة الظواهر الأساسية المميزة للمشروع الثقافي الإيديولوجي الأندلسي أثناء الخلافة الأموية وبعدها، ظاهرتان: الأولى ظهور ابن حزم ومذهبه الظاهري، العقلاني النقدي من جهة، ونشاط اليهود في الأندلس ثقافيا وفلسفيا ودينيا من جهة أخرى· فلقد ''كان من نتائج الرعاية التي أضفاها الناصر على حسداي أن بدأت الدراسات التلمودية في أسبانيا، ولم تلبث هذه البلاد أن أصبحت مركز الدراسات العبرية· وكان من نتائج عناية حسداي بهذه الدراسات العبرية أن تحسن حال إخوانه في الدين، مما أتاح لليهود فيما بعد أن يقوموا بنصيب كبير في الثقافة الأندلسية''·
وسرعان ما بلغت الحركة العلمية في الأندلس أوجها مع الخليفة الحكم الثاني المستنصر الذي تولى الخلافة سنة 350 هـ بعد أبيه الناصر· لقد كان المستنصر بحق ''مأمون'' الدولة الأموية في الأندلس· لقد اهتم اهتماما بالغا بجمع الكتب واستنساخها وإرسال البعثات لاستجلابها حتى اجتمع في خزانة كتبه أربعمائة ألف كتاب أو ''ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة() فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل وتعلم مذاهبهم''·
كان من نتائج تلك الحركة العلمية الواسعة التي دشنها الناصر ورعاها المستنصر، رعاية واسعة، ذلك الحشد الكبير من العلماء في الطب والهندسة والرياضيات والفلك والفقه والحديث واللغة، الذين زخرت بهم الأندلس في أواخر العهد الأموي· ومن أبرز هؤلاء جميعا ابن حزم الذي يجسم بمذهبه الظاهري المشروع الإيديولوجي للدولة الأموية في الأندلس والذي سيغدو طابعه الإبيستيمولوجي أساسا للثقافة الأندلسية بمختلف فروعها مما سيعطي للفكر العربي في الأندلس خصوصية متميزة· إنه المشروع الرشدي هو الذي كانت ''ظاهرية'' ابن حزم حبلى به ومثقلة بكل مضامينه العقلانية والنقدية·
لم يكن من الممكن لـ''ظاهرية'' ابن حزم أن تحقق ما كانت تصبو إليه من الانتشار والهيمنة الفكرية والثقافية في وقت كانت فيه الدولة الأموية في الأندلس، التي كان ينطق باسمها ويحمل مشروعها الإيديولوجي، تلفظ أنفاسها الأخيرة إن لم تكن قد احتضرت بالفعل· إن ظاهرية ابن حزم عبارة عن مشروع إيديولوجيا كلية متكاملة تطمح إلى تعميم نفسها على المجتمع ككل، فكان لابد من سلطة تفرضها· وهذا ما أدركه ابن حزم واشتكى من افتقاده، قال: ''وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: أزهد الناس في عالِمٍ أهله، وقرأت في الإنجيل أن عيسى عليه السلام قال: لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده، وقد تيقنا ذلك بما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش''· وكان يقول أيضا: ''إن مذهبين انتشرا بقوة السلطان، مذهب مالك بالمغرب ومذهب أبى حنيفة بالمشرق''، وبدون شك فإنه يعني أن مذهبه في حاجة إلى سلطان يقره ويفرضه، حتى لا يموت ويندثر·
ولكن المشاريع الثقافية التجديدية لا تموت، بل تستعاد بصورة أو بأخرى في الوقت المناسب· و''ظاهرية'' ابن حزم كانت كما رأينا من هذا النوع· ولذلك فليس غريبا أن نجدها تصبح بعد أزيد قليلا من خمسين عاما أساسا لحركة ثقافية سياسية ثورية قادها في المغرب المهدي بن تومرت (توفي سنة 524 هـ) ابتداء من عام 511 هـ ضد دولة المرابطين المغربية· لقد اتخذ المهدي بن تومرت شعار ''الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر'' سلاحا دينيا، واتخذ شعار ''ترك التقليد والرجوع إلى الأصول'' سلاحا إيديولوجيا فراح يوجه الضربات لكيان الدولة المرابطية الديني والإيديولوجي، مستعيدا، بكيفية مباشرة، المضمون الديني والأساس الإبيستيمولوجي لـ''ظاهرية'' ابن حزم، ذاهبا بها إلى غايتها، إلى تأسيس الدولة الموحدية التي ستجسم باستراتيجيتها الثقافية المشروع الإيديولوجي الذي ناضل ابن حزم من أجله· وكما أشرنا إلى ذلك قبل فلقد كان مشروع ابن حزم مزدوجا: إيديولوجيا وفلسفيا معا، فكما أنه كان في حاجة إلى سلطة سياسية تقر الجانب ''البياني/ الظاهري'' منه كإيديولوجيا أي كأساس للنظام التشريعي والعقدي للدولة، كان في حاجة أيضا إلى سلطة فكرية تعمق الجانب ''البرهاني'' منه ليتحول إلى فلسفة أي إلى نظام فكري وأخلاقي يحلم بالسعادة للفرد والمجتمع· ولقد تبنى ابن تومرت المهمة الأولى بينما تولى ابن باجة (أبوبكر بن الصائغ 475 ؟ - 533 هـ) المهمة الثانية· وهكذا فكما كان ابن تومرت يمارس السياسة في الدين بهدف تغيير الواقع السياسي القائم، كان ابن باجة يمارس السياسة في الفلسفة بهدف إنشاء ''واقع'' فكري جديد وحالم·
والواقع أن ما يلفت النظر في خطاب ابن باجة هو تحرره ليس فقط من القيود السياسية التي كانت تكبل الفلسفة قبله، بل تحرره كذلك من القيود المعرفية التي عانت منها الفلسفة داخل الثقافة العربية إلى عهده حتى اندمجت فيها تلك القيود وأصبحت عنصرا أساسيا في بنيتها· نقصد بذلك القيود أو العوائق الإبيستيمولوجية التي أورثها إياها علم الكلام من جهة، والهرمسية والأفلاطونية المحدثة من جهة أخرى· إن التحرر من علم الكلام في الأندلس والمغرب (أو بالأحرى غيابه فيهما) قد حرر خطاب ابن باجة الفلسفي من إشكالية التوفيق بين النقل والعقل، كما أن التحرر من العرفانية الهرمسية وهواجسها حرر نفس الخطاب من توظيف العلم في دمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين، ليعود -أي العلم- كما كان مع أرسطو: الأساس الذي تبني عليه الفلسفة صرحها· ومن هنا ''القطيعة'' مع الأساس ''الفلسفي'' لـ''العرفان''· لقد كان ابن باجة حقا إرهاصا حقيقيا بقدوم بابن رشد والرشدية·