مسيرة «الإخوان» من صدّام إلى رياض الترك

غسان الامام – الشرق الاوسط

 

كنت كلما نزلت من بيروت إلى دمشق أحرص على أن أزور الدكتور جمال الأتاسي. كان الأتاسي بالنسبة لي، نافذة أطل منها على اتجاهات السياسة ومتغيراتها في سورية. وأعترف بأن للرجل فضلاً عليه. فقد منحني نصراً اخبارياً كبيراً انفردت به: سرَّب إليِّ نسخة من ميثاق «الجبهة الوطنية التقدمية».

وكان الخبر ذا أهمية بالغة آنذاك. فقد لخص الميثاق، باكرا جدا، مشروع حافظ الأسد لحكم سورية، ولكيفية التعامل مع ساستها وأحزابها. بعد إذاعة الخبر عبر وكالة الأنباء التي أراسلها، شعرت بالخوف. كنت أعرف ما ينال الصحافي من عقاب، إذا سرَّب خبرا ولو تافها لا يحمل بصمة أبهام الرقابة في وزارة الإعلام. فكيف بخبر كان الرئيس الأسد يحرص على أن يعلنه بنفسه؟ لم أُسأل. ولم أُعتقل. كان الأسد المتسامح في أوائل السبعينات غير الأسد الصارم في أواخر التسعينات.

لكن الأتاسي حيَّرني. سألته كيف يقبل بشراكة مع نظام يحرم شركاءه من العمل الحزبي الحر؟ أجابني الرجل بجفاء المثقف السياسي: «لا بد من القبول مرحليا بالأمر الواقع». سكتُّ ومضيت. في زيارتي له بعد عام (1973) رأيته ساخطا. فقد أعلن سحب حزبه (الاتحاد الاشتراكي) من الجبهة احتجاجا على دستور الأسد الذي نصَّب فيه حزب البعث «قائداً للدولة والمجتمع». كان الأتاسي بعيد النظر. كان يدرك ما سيحل بسورية في ظل نظام «الحزب القائد». لكن دهاء الضابط السياسي غلب نزاهة المثقف السياسي. في قدرته العجيبة على الاختراق، استنسخ الأسد مولودا مُدَجَّنا من رحم «الاتحاد الاشتراكي». هناك اليوم توأمان حزبيان: «اتحاد اشتراكي» في المعارضة، و«اتحاد اشتراكي» في الجبهة والسلطة.

لم يكن خروج الجناح السلطوي الانشقاق الأول والأخير في حياة «الاتحاد الاشتراكي» السوري. فقد عانى من انشقاقات كبيرة. وحتى جمال الأتاسي نفسه كان قد انشق عن البعث، ليتحول الى الناصرية مع نخبة من مثقفي الحزب. كان الاتحاد منذ تأسيسه (1964) تجمعا عريضا للناصريين في سورية وخارجها. ثم انسحب «القوميون العرب» السوريون و«الوحدويون الاشتراكيون». ودخل الأتاسي في مشاحنات مع تنظيمات الخارج اللاجئة الى ليبيا ومصر، إلى أن تكرست زعامته للتنظيم منذ عام 1968.

كان الأسد يكنُّ احتراما كبيرا للدكتور جمال الذي كان أول من طعَّم البعث والقومية العربية بالاشتراكية. وفيما تحول تلامذة الأتاسي في البحث نحو التروتسكية والماركسية المراهقة، وأنجبوا نظام صلاح جديد (66 ـ 1970)، فقد ظل المعلم الأول الذي ألقوه في السجن اشتراكيا مؤمنا بعروبةٍ ديمقراطية، على أساس العدل الاجتماعي. مات جمال الأتاسي في العام الذي مات فيه الأسد (2000). ويرأس «الاتحاد الاشتراكي» و«التجمع» الآن المحامي حسن اسماعيل عبد العظيم، وهو سياسي ناصري دينامي الحركة والنشاط.

«التجمع الوطني الديمقراطي» يضم خمسة فصائل حزبية أهمها «الاتحاد الاشتراكي». والحزب الشيوعي/المكتب السياسي. كان الحزب الشيوعي من أقدم الأحزاب السورية (1924). لولا الكردي خالد بكداش لظل الحزب، على علمانيته، حزب الأقليات الدينية (المسيحيون الأرثوذكس) والعرقية (الأكراد). انضم الموظف الصغير في شركة التبغ الحكومية الى الحزب في عام 1930. بعد سنوات قليلة أصبح زعيما له، وظل كذلك ستين سنة! عندما توفي في عام 1995، نافست زوجته وصال ابنها على وراثة الزعامة، وفازت بها. من يطالب، بعد ذلك، الرؤساء المتمترسين بالسلطة بعدم توريث الأبناء؟ فقد سبقهم زعماء الأحزاب الى توريث الزوجات!

في حياتي الصحافية الطويلة، لم أعرف زعيما حزبيا بحيوية بكداش. مخلوق سياسي منتفخ الأوداج. عريض الشاربين والمنكبين. خطيب جماهيري. برلماني ممتاز. في هستيريا آيديولوجيا الخمسينات، سيطر الشيوعيون على الشارع. تسللوا إلى الجيش. احتلوا الثقافة والصحافة. وبلغ بكداش من القوة بحيث تحدى عبد الناصر. كان بكداش النائب الوحيد الذي رفض توقيع ميثاق الوحدة مع مصر.

كان بكداش يملك حاسة شم قوية. يظهر ثم يختفي. لم يُعتقل بكداش قط. لكن ستالينيته الشخصية والآيديولوجية عطلت قدرة حزبه على مراجعة التجربة الماركسية ونقدها. ثم تسببت في انشقاق حزبي خطير.

ضاق الرفاق بفردية بكداش المطلقة، فتفرقوا أيدي سبأ. انفصل جناح يوسف فيصل، وجلس نداً لند بجانب بكداش في جبهة الأسد السلطوية. كان الجناح الثالث أسوأ حظاً. فقد جلس زعيمه رياض الترك في سجن الأسد أكثر من عشرين سنة، لسببين اثنين: رفض الترك أممية الماركسية، والوصاية السوفياتية، ونادى باكرا بماركسية وطنية ديمقراطية منفتحة، ومعارضة لحكم الأسد ونظامه.

خرج رياض الترك من السجن شيخا مريضا مهدما. وبقدر ما زادت معارضته للنظام الى درجة مطالبته باستقالة بشار، وبمحاكمة دولية للمتهمين باغتيال الحريري، كان انفتاحه الماركسي المتسامح على الآخرين، من خلال عضويته في «التجمع» بعدما غير اسم حزبه الى «حزب الشعب الديمقراطي».

لديَّ إشارة سريعة الى التنظيمات الثلاثة الأخرى في «التجمع المعارض». وهي «حزب البعث الديمقراطي» بزعامة ابراهيم ماخوس الذي نجح، أكثر من فاروق الشرع، في عزل سورية عالميا ودوليا، عندما احتل منصب وزير خارجية صلاح جديد. ثم «حزب العمال الثوري» وهو أيضا تنظيم متمركس. وأخيرا «حركة الاشتراكيين العرب» التي لها ما يوازيها في جبهة الأسد السلطوية.

في تنظيمات الخارج، يبقى «الاخوان المسلمون» أقواها. وقد سبق لي هنا أن تحدثت عن انشقاقاتهم بالتفصيل. يقول علي البيانوني المقيم حاليا في رحاب لندن، إن جناحه تخلى عن الدوغمائية الإخوانية واعترف بالآخر. كان الإخوان غير منطقيين في محاربة «دكتاتورية» الأسد، ومحالفة «دكتاتورية» صدام! وصل الأمر بالبيانوني الى إيفاد نفسه على رأس وفد إخواني، لتهنئة عدي صدام حسين على سلامة النجاة من محاولة الشيعة اغتياله. عانق الشيخ البيانوني عدي، وطبع قبلاته على وجنتيه، ثم رفع يديه الى السماء داعيا له بالشفاء. وشاءت حكمة الله أن لا يستجيب لابتهالات البيانون. فقد قتل عدي بأيدي «الكفار» الأميركان.

الواقع ان إخوان سورية ساروا مسافة طويلة. بعد محالفة صدام ومعانقة عدي، توسط لهم إخوان الأردن لدى الأسد، وقالوا انهم مستعدون للعودة لشكيل حزب اسلامي والانضمام الى جبهة الأسد «التقدمية»! لكن الأسد رفض، واشترط عودتهم فرادى بلا ممارسة للسياسة.

في أزمة نظام بشار الراهنة، عاد الاخوان فانتقلوا من الحلم بعضوية «الجبهة» الى تأييد «تجمع» المعارضة! ووصل تعاطفهم معها الى حد الاقتراب من أحد أهم فصائلها، فصيل الماركسي التائب رياض الترك. وتجاوب الرجل معهم. فقد طهر عذاب السجن الطويل ما في العقل والنفس من تحفظ على اللقاء والعمل مع الجميع، بمن فيهم الإخوان المسلمون.

الطارئ على المعارضة السورية هو الأكراد. هناك اثنا عشر حزبا كرديا تتراوح بين التحالف مع النظام، ومع المعارضة، وتلك التي تنادي بإسقاط عروبة سورية، والمناداة بوطنية سورية/كردية.

ماذا عن الفصائل الأخرى؟ ماذا عن المعارضة السورية المتأمركة؟ أجيب بأنها مجرد تفاصيل. هي ترى نفسها في المرآة. ثم تنسى أن المرآة ضعيفة الذاكرة.