محاولة اغتيال سورية

د. رفعت سيد أحمد : تشرين 17/11/2005

فلنختلف، ما شئنا مع سورية؛ في قضايا الحريات، في قضايا الإصلاح، في قضايا الصراع العربي ــ الصهيوني، ولكن لا ينبغي أن يدفعنا هذا الى تجاهل حقيقة مهمة تريد واشنطن طمسها، حقيقة أن سورية أمام مؤامرة رباعية الأركان: تمثل كل من فرنسا ــ الولايات المتحدة ــ بريطانيا ــ اسرائيل أعمدتها الرئيسية، مؤامرة تستهدف سورية: الدولة والدور، فعلى مستوى الدولة تستهدف مؤامرة تفتيتها، وعلى مستوى الدور تستهدف إنهاء الدور العروبي والنضالي لسورية خاصة تجاه المقاومة العربية بأنواعها ومستوياتها المتعددة، سواء تلك الموجودة في لبنان أو العراق أو فلسطين أو غيرها من البلاد العربية، المطلوب هو تحويل سورية الى مجرد جماعة وظيفية في خدمة الاستراتيجية الأميركية ــ الاسرائيلية، مثل حال بعض الدول العربية هذه الأيام!! إن ممانعة سورية لأن تصبح مجرد جسر أو وسيط لتنفيذ المخططات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة والتي إن نجحت فإن مخططاتها تجاه العالم ستتحقق بحكم أن هذه المنطقة هي ميدان التجربة لتطبيق النموذج الأميركي في الهيمنة الدائمة على عقول ومصالح وضمائر هذا الكون.
ــ على أي حال.. سورية رفضت أن تصبح معبراً أو جماعة وظيفية وفضلت أن تستمر كدولة ودور، مع عدم تجاهلها أشكال التعاون الصحيحة والمنطقية مع الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هذا الأمر لم يعجب الاستراتيجية الأميركية في طورها الجديد، فكان الاستغلال الأمثل لحادثة اغتيال الحريري وتلك الضجة المفتعلة حول دمائه، مع ملاحظة أن دماء رشيد كرامي رئيس وزراء لبنان الأسبق، وكمال جنبلاط ودماء الشهيد المجاهد السيد عباس الموسوي الأمين العام لحزب الله الذي اغتالته اسرائيل علانية وصرحت حكومتها بذلك عام 1992 واغتيال ياسر عرفات بالسم الاسرائيلي النادر هذه الدماء جميعها لا تزال طازجة ولم تجف بعد، ومع ذلك لم تقلق الإدارة الأميركية لها. إذ يبدو أن دماء الحريري بالنسبة لأميركا وحلفها له لون وطبيعة من غير لون وطبيعة دماء من سبقه أو لحقه من الشهداء العرب والمسلمين كباراً أو صغاراً، يبدو أن دماءه دماء.. ودماء الآخرين ــ عند أميركا ــ مجرد ماء!! ‏
ــ من هنا انتدبت أميركا؛ مجلسها؛ مجلس الأمن، وبدأت تدير حربها ضد سورية: الدولة والدور، لتعديلهما أو تطويعهما وفقاً لمصلحتها واستراتيجيتها.
ــ
هذا المجلس الذي بات ــ للأسف ــ سيفاً مسلطاً على رقاب العالم، صار أداة قمع أكثر منه أداة لإحلال السلم والأمن الدوليين وفقاً لقرار إنشائه وميثاق عمله؛ لم يكفه أنه اغتصب حق التحدث باسم أكثر من 150 دولة هي تعداد دول عالمنا المعاصر ليصبح العالم في قبضة خمس دول فقط بداخله، وليصبح حق الفيتو قاصراً فقط عليهم في حين أن باقي العالم لا قيمة ولا وزن ولا حق له في الاعتراض على قرارات دولية في أغلبها ظالم ومتعسف، لم يكتف هذا المجلس بهذا الدور، وأضحى أداة قمع وإرهاب في يد دولة واحدة، تحركه كيفما تشاء ومتى تشاء!! ‏
ــ لقد تمخض عن هذا المجلس أربعة قرارات ضد سورية في أقل من عام واحد قرار 1373و1559و1595و1636، ملتحفة بقميص الحريري ومأساة اغتياله؛ وهي المأساة التي وجدت فيها أميركا ومعها فرنسا فرصة لتمرير مشروعها الكبير لضرب سورية وإنهاء دورها، وهو مشروع، بالمناسبة، سابق التمديد لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود الرجل الوطني المحترم الذي وقف الى جانب المقاومة اللبنانية منذ بداية التسعينيات ورفض وهو قائد للجيش أن ينزع سلاحها، ان الأمر سابق على هذا التمديد القانوني الذي وافق عليه الحريري ذاته الذي تبكيه اليوم أميركا وفرنسا !! بل سابق على جريمة اغتيال الحريري، وكان أن أصدر مجلس الأمن القرار 1595 الذي كُلف بمقتضاه القاضي الألماني ديتليف ميليس ومعه حوالي 20 عنصراً من جنسيات متعددة أغلبها أميركي بالتحقيق في الجريمة وملابساتها، وأنتج هذا الفريق تقريراً اتهامياً جزافياً ملىء بالثغرات ضد سورية متهماً إياها بقتل الحريري وصدر التقرير يوم 20/10/2005، الأمر الذي أنتج القرار 1636 الذي طالب سورية بالتعاون أكثر وهددها ضمناً بالتصعيد وفرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وربما بالعدوان العسكري لاحقاً، وبناء على هذا القرار بدأت لجنة ميليس تثير الحساسيات وتفرض شروطاً جديدة للتعاون، شروطاً مجحفة وباستعلاء متناه على سورية مطالبة إياها بضرورة تنفيذها حتى لو تعارضت مع مبدأ سيادة الدولة. ‏
إلاّ أن تعنت ميليس وإصراره على بيروت، مثّل إهانة وإعاقة بالغة للجهود السورية المخلصة لحل الأزمة وتحريك ملفاتها.
ــ
هنا أثيرت علامات استفهام عديدة حول الأداة المستخدمة في تعطيل تحقيق العدالة والوصول الى الحقيقة، ونقصد بها المحقق الدولي ديتليف ميليس، لماذا يصر هذا الرجل على تفسير قاصر للقرار 1636؟ ولماذا يحمل كل هذه الكراهية نحو سورية؟ وهل هو حريص ــ الى هذه الدرجة ــ على كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الحريري أم أن ثمة أهدافاً ومصالح ولاعبين آخرين خلف المشهد؟ ‏