خطاب الرئيس الأسد بين وظيفتين

محمد جمال باروت: الوطن السعودية 17/11/2005

يبدو أن جملة مستجدات مباشرة ومتسارعة قد دفعت الرئيس السوري بشار الأسد إلى تسبيق إلقاء خطابه بدلاً من الأسبوع الذي يليه. وربما لعب هذا التسبيق دوراً معيناً في إعادة بناء صيغه، أو إعادة صياغة نبرته على الأقل، بشكلٍ هيمنت فيه على مستوى الظاهر لغة "الممانعة" بل ولغة "المقاومة" التعبوية الصلبة المباشرة المؤثرة في الجمهور على اللغة "البراغماتية" اللينة السياسية الاحترافية، التي أبدتها دمشق تجاه التعاون مع ميليس، وعزمت على التكلم بها، بعيد صدور القرار 1636
في
حركة المشاورات بين مراكز وقوى وشخصيات تشكيل القرار السياسي السوري تجاه ذلك القرار، لم يكن الخلاف منصباً على تشخيص طبيعة ما يستهدفه القرار 1636 بواسطة "عكازة" ميليس و"قبعته" بقدر ما انصب على مناهج وأساليب العمل، ومن الطبيعي أن تكون كيفية التعامل مع عمل ميليس واستجوابه لـ"الشهود" محوراً أساسياً في ذلك الجدل، والذي انطوت بعض مناحيه على طروحات راديكالية، لكن من دفع إلى إبراز تلك الراديكالية في النهاية لم يكن سوى ميليس نفسه الذي تحول من الإشارة إلى دمشق بتشكيل لجنة تحقيق سورية، مبدياً استعداده للتعاون معها، وتم التوجه فوراً لتشكيلها وتحديد مجال عملها في كل ما يتعلق بعمل اللجنتين الدولية واللبنانية في ضوء تلك الإشارة نفسها، وتعزيزها بجولة وليد المعلم نائب وزير الخارجية السوري العربية، وبجملة الاتصالات السورية-العربية حول ذلك، ولاسيما الاتصالات واللقاءات مع القيادتين المصرية والسعودية ومع أمين عام الجامعة العربية، ومع الأمين العام للأمم المتحدة إلى ما يوحي بانغماسه في مخرطة ضغط غرفة العمليات الدولية المغطاة بالقرار 1636 على دمشق، وترجمة ما بات يمكن تسميته بـ"مهلة" أو بالأحرى "إنذار الستة أسابيع" في ذلك القرار بتحديد موعدٍ أخيرٍ لدمشق لتسليم القادة الأمنيين السوريين الستة إليه في مقره في المونتفيردي، من دون التبصر بعقابيل ذلك على مستوى الاحتدامات اللبنانية نفسها، ورفضه إجراء التحقيق معهم في مكان سوري تحت سلطة الأمم المتحدة وعلمها أو تحت سلطة جامعة الدول العربية في القاهرة، بل ردّ على ذلك بالسفر إلى ألمانيا إلى أن يتم" انصياع" دمشق. وهذه هي أولى الأزمات المحتملة في مرحلة ما بعد القرار 1636، التي من الأفضل أن ننتظر قليلاً لنرى كيفية تسويتها.
لم يكن ممكناً لدمشق أن تفهم ذلك إلا كنوعٍ مبطنٍ من "الإنذار" و"الإملاء" الذي سيتلو "الرضوخ " له أشياء أخرى تدخل كلها في باب الاحتمالات الأسوأ أو تفضي إليها. وقد يستطيع ميليس القول بل وقال شيئاً من قبيل أن القرار 1636 قد فرض على دمشق التعاون معه دون أية شروط، وأعطاه حق الاستجواب في أي مكانٍ يحدده، وبالتالي فإنه ليس بصدد أي تفاهمٍ مع دمشق بل بصدد استجابتها إلى ما "يقرره" كإثباتٍ لجدية تعاونها. لكن كان من الممكن له أن يوقع على مذكرة تفاهم مع دمشق أسوةً بما وقعه مع الحكومة اللبنانية في إطار "آلية سيادة لبنان ونظامه القضائي"، والتفاهم على مكانٍ آخر مقبولٍ نفسياً وسياسياً وأقل شحنةً من المونتيفردي، مثل مقر الجامعة العربية- التي هي بالمناسبة منظمة دولية إقليمية ترتبط باتفاقية مع منظمة الأمم المتحدة- وربما قطر التي ستغدو قريباً عضواً في مجلس الأمن، من دون أن يعني ذلك رضوخاً لشروط مسبقة أو انحرافاً عن نص القرار 1636 وروحه، إذ إن ما يتم الاتفاق عليه هنا ليس من قبيل الشروط السورية للتعاون بقدر ما هو من الشروط التنظيمية التي لابد منها.
إذا ما شئنا أن نقرأ ميليس خارج أسطورة ميليس، فلقد حدث شيء ما دفعه إلى ذلك التحول، وفهمت منه دمشق أنه حين "صفت" نيتها في مواصلة التعاون وتعزيزه مع ميليس "ساءت" نيته، وولدّ حتى الآن على الأقل في إصراره على المونتفيريدي انطلاقاً من فهمٍ ضيقٍ ومنكمشٍ للقرار 1636 انطباعاً قوياً على أنه يستهدف هزّ الناطور وليس جني العنب.
لقد جاء رد الرئيس السوري قاطعاً في اليوم نفسه الذي حدده ميليس كآخر مدةٍ لـ"انصياع" دمشق، ولكن ليس في صورة ردٍ مباشرٍ على ميليس بل على غرفة العمليات الدولية التي توظف مركبته لمصالح تقاسم المنطقة وإعادة هيكلتها، فألقى خطابه الراديكالي على الملأ بدلاً من أن يلقيه ربما بصيغةٍ أخرى بعد أسبوع، معلناً في هذا السياق أن "القضية سياسية، ولم تعد جنائيةً وأن علينا كسوريين أن نضع الجانب الجرمي جانباً، وألا نفكر ونضيع وقتنا بهذا الموضوع، فلا سوريا متورطة على مستوى الدولة ولا على مستوى الأفراد"، وأن "التكتيكات الصغيرة" لم تعد الآن مجديةً في زمن "اللعبة الكبيرة" التي تستهدف سوريا الدولة والنظام والمنطقة، بل إن المقاومة هي الخيار الذي تفضله سوريا - وفق منطق الخطاب -على خيار الانتحار الذاتي أو القتل، وهي في حسابات الخطابات مكلفة ابتداءً لكنها أقل كلفةً انتهاءً، وهي تنطوي على تهديد غرفة العمليات الدولية بخربطة اللعبة والتشويش الجدي عليها وإشغالها، إذا لم يكن بد من ذلك، في وقتٍ ما تزال فيه واشنطن تنتقل من تردٍ إلى تردٍ آخر في العراق، وفي وقتٍ مازال فيه يحسب حساب لسوريا في لبنان، وفي خريطة إعادة تشكيل قواه السياسية، وكما لم تفقد بعد دورها الفلسطيني.
تكمن وظيفة المستوى الراديكالي المهيمن على لغة الخطاب ونبراته وروحه العامة، في محاولة الرئيس استعادة زمام المبادرة، مستبقاً في ذلك العديد من الاحتمالات، وواضعاً ترتيب السياسة السورية في مرحلة ما بعد القرار 1636 وفق "الاحتمال الأسوأ" الذي يبيته "المخطط الأصلي"، وهو استهداف أمن الدولة والنظام اللذين يماهي الخطاب بينهما، وذلك من دون أدنى وهمٍ بنهاية الأزمة في 15 ديسمبر، بل وتوقع الانتقال بعد ذلك من أزمةٍ إلى أزمةٍ، أي إلى استفحال "الاحتمال الأسوأ" على قاعدة "مقاومته". وهو نوع من وضع ترتيب التعاطي السوري مع كل المتغيرات في ضوء الاحتمال الأسوأ، ستدفع سياسات الإصلاح الداخلي البطيئة في الأصل ثمناً انكماشياً لها.
لكن هذا يمثل مستوى واحداً من الخطاب وإن برز في صورة المستوى المهيمن الذي يحكم كافة أفكاره الأخرى فهناك المستوى البراغماتي، الذي وجه رسائل مرنة بشأن العراق وفلسطين، والذين استغرقهم الطابع الراديكالي للخطاب، إلى درجة حجبت عنهم قراءة مستويات الخطاب الأخرى المعدة رسائله المتعددة الاتجاهات والمستهدفون بدقة بغض النظر عن تقويمها الآن، أهملوا الجانب البراغماتي الآخر المبثوث هنا وهناك في العديد من مواضعه، فمن يتبصر في الخطاب لابد أن يرى لا محالة أن الرئيس لم يغلق الباب البراغماتي للتعاون الكامل مع اللجنة الدولية، بقدر ما أطلقه في إطار قاعدة "سد الذرائع" من خلال تأكيده بأن سوريا الواثقة من براءتها دولةً وأفراداً من الجريمة، ستستمر في"السير معهم في لعبتهم" وتجد نفسها ملتزمة بـ"كشف ملابسات الجريمة "لكنها" لن تسمح بأي إجراء يمس أمن واستقرار سوريا". وعلينا أن نعطف ذلك على الحكم بـ"خيانة" كل من يثبت تورطه من مسؤولين سوريين في الجريمة.
إن الوجه الآخر لراديكالية الخطاب هو ضبط تلك البراغماتية الممكنة بقواعد "الأمن والاستقرار"، للدولة والنظام معاً، والمغطاة بخطاب تهيمن عليه اللغة الراديكالية، وهو ضبط مشروع، فمن حق دمشق أن تطالب ميليس بأن يعطيها ما أعطاه للجانب اللبناني من مذكرة تفاهم تبين كافة القضايا الأساسية ولاسيما منها أسس تحويل الشهود إلى متهمين مثلاً، وتفهم الحساسية تجاه مقر المونتيفردي، كما من واجب ميليس مهنياً إذا كانت قاعدته القانونية هي براءة سوريا حتى تثبت الإدانة وليس العكس، وإذا لم تكن رغبته مقصودةً بمحاولة إهانة سوريا، وإذا لم يكن يرغب بتكرار مشابهته بسلفه باترل سيئ الصيت وحتى بهانز بليكس الذي لم يتجرأ على قول إن العراق خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، أن يوقع مثل هذه المذكرة، وأن يتفهم حساسية المكان بالنسبة إلى سوريا ولبنان معاً، واضعاً عمل لجنته تنفيذياً في إطار "السيادة السورية وآليات النظام القضائي السوري" على غرار ما فعله مع لبنان على الأقل.
إن توقيع مثل هذه المذكرة لا يمثل بأي شكلٍ من الأشكال انحرافاً عن القرار 1636، بل هو شأن تنظيمي بحت يجب أن يكون شرطاً عملياً ناظماً لعمل اللجنة، بقدر ما يمكن أن ينشط آليات النظام القضائي السوري كما فعل ميليس مع القضاء اللبناني، فليس النظام القضائي اللبناني بأحسن حالاً من مثيله السوري في كثيرٍ من حالات الجدل. إن المستوى الراديكالي وإن كانت له آلية مستقلة ذاتياً في نهاية المطاف، ويتم في ضوء الاحتمال الأسوأ، فإن من وظائفه غير الواعية أو ربما المقصودة وضع الأسس التنظيمية التدبيرية للتعاون الكامل مع اللجنة الدولية في خدمة التوصل الحقيقي إلى الحقيقة وكشف عصابة القتلة، وهو في منظور الموقف السوري مصلحة سوريا مباشرة بامتياز.