الدلالات والتساؤلات في تقرير السيد ميليس (1)

سليمان عبد المنعم - السفير

 

هناك اكثر من قراءة ممكنة لتقرير السيد ميليس بشأن كشف الحقيقة في جريمة العصر التى راح ضحيتها أحد أبرز رجال لبنان والعرب رئيس الوزراء السابق رفيق الحريرى بالاضافة الى اثنين وعشرين آخرين من الأبرياء. وعلى الرغم من اختلاف هذه القراءات المحتملة للتقرير ومع التسليم بجدوى وسلامة منطق كل منها، فلعلنا محتاجين الآن وقد مضى على صدور التقرير فترة تسمح بالتقاط الأنفاس وإعمال العقل الى قراءة متأنية تحاول استظهار الدلالات التي يبطنها التقرير من ناحية، قبل الكشف عن التساؤلات التي يزخر بها من ناحية اخرى. ولربما كان على المرء كي يكتب عن تقرير السيد ميليس ان يتحلى بقدر كبير من الامانة القانونية والفطنة السياسية، وقبل ذلك وبعده التحلي بشجاعة الضمير في مشهد أشبه ما يكون بمن يسير على حبال مشدودة! فنحن في الواقع ازاء قضية على درجة بالغة من الالتباس والتعقيد وكاشفة عن مجموعة من الدلالات المقلقة ان لم تكن المذهلة!
فالالتباس اولا مصدره ان القضية قد خلقت انفصاماً لدى الكثير من السياسيين والمثقفين العرب وحتى رجل الشارع العادي. واصبحت مواقف الناس الفكرية والسياسية تصنف بحسب موقفهم ابتداء من هذه القضية وذلك بعيداً عن أية معايير موضوعية. ثم ازداد الامر التباساً حين صاغت بعض القوى السياسية والفكرية في الشارع العربي موقفها متأثرة بالنتائج الوخيمة التي يخشى حدوثها مستقبلاً من دون ان تعطي الاهتمام الكافي منذ البداية للاسباب التي اثارت حلقة هذه التداعيات والنتائج. وهكذا وقع البعض بين مطرقة الاعتراف بالأسباب وسندان القبول بالنتائج! فهم يعترفون أخلاقياً بأسباب وحقائق ما حدث لكن قبول النتائج المترتبة على هذه الأسباب يبدو سياسيا فوق احتمالهم! وهكذا أصبحنا جميعاً نعاني بصورة أو أخرى من عاطفة قومية تتوجع ألماً وخوفاً مما يحاك للعرب ومن شتات عقلي ينفث ندماً ورفضاً لأخطاء العرب! وكأننا يا إلهي ما زلنا نمثل في القرن الحادى والعشرين نفس أسطورة الازدواجية العربية القديمة!
اما التعقيد ثانيا فمبعثه الخلط الحاصل بين معايير العدالة وحسابات السياسة. وهو ما ادى الى حالة فريدة من التناقض بين المواقف الانسانية (الضميرية) والمواقع السياسية. فهناك جانب يرى ان جريمة قتل انسان غيلة وغدرا لا سيما اذا كان هذا الانسان في قيمة وقامة شخص رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، هو امر لا ينبغي ان يمر من دون معرفة الحقيقة، وانزال العقاب بمرتكبي هذه الجريمة البشعة.. وذلك مطلب عادل لا يمكن لذي ضمير حر أن يجحده.. اما على الجانب الآخر فهناك من يرى ان التحقيق الذي يتم في هذا الشأن هو حق يراد به باطل بهدف التوظيف السياسي لقضية جنائية. ومن هنا سيبقى التساؤل وربما التحدي الذي يحيّر رجال السياسة بقدر ما يرهق رجال الفكر والقانون هو: هل يمكن الوصول الى الحقيقة دون المرور بالحتم على محطات توظيفها السياسي بما قد تحمله من مخاطر التشويش على <<بوصلة>> اتجاه الحقيقة؟ وهل نصحو قريباً على خطوة ما شجاعة يقدم فيها للعدالة الجناة الحقيقيون بأشخاصهم (وفقاً لمبدأ المسؤولية الجنائية الشخصية) دون أن يمس أحد أمن الشعب السوري ولا أراضيه أو سيادته؟ لكن كيف تتم محاكمة المتهمين بارتكاب هذه الجريمة الشنعاء في ساحات العدالة وحدها بعيدا عن دهاليز السياسة ومصائر الشعوب والاوطان بينما الامر برمته يتم على خلفية دولية تدعي اصلاح وتهذيب العرب المجرمين الأشقياء بينما هي في الواقع تزكي نار الفتنة بينهم وتحاول اشعال حروب داحس والغبراء في ديارهم؟ لعلّ هذا هو التحدي الاكبر الذي يواجهه العرب جميعا بقدر ما تواجهه سوريا ولبنان معا. وهو التحدي الذي تؤكده كل الدلالات التي يشي بها التقرير وما سبقه ولحقه من قرارات الامم المتحدة ذات الصلة.
الدلالة الاولى، انه قبل صدور التقرير كان ثمة قرار دولي ينوب عن العرب في ملاحقة الخارجين منهم على القانون وهم يقومون باغتيال بعضهم البعض لأنهم بعد فاصل طويل من المديح والنفاق تحولوا كعادتهم التاريخية منذ قرون طويلة الى ممارسة أشد انواع الهجاء متبوعاً بأبشع جرائم القتل. انه ذات الارث العربي القديم الذي يرى في خلاف الرأي سبباً مشروعا للقتل. ولا يدرك ان هناك مساحة للوعي تتوسط المديح والهجاء لكنها مساحة من العقلانية لا يفضل العرب في الغالب ارتيادها! على اي حال كانت النتيجة ان العرب الاشرار الذين يقتلون بعضهم البعض يتوجسون من الغرباء الاشرار الذين أتوا للبحث عن الجناة في مهمة تبدو في ظاهرها مشروعة وربما نبيلة لكنها بحدس المنطق وحواس التاريخ، مهمة مقرونة بأثمان لا بد ستدفع عاجلا أو آجلا من لحم ودم وثروات وكروم العرب!
الدلالة الثانية، اننا منذ البدء بصدد جريمة شنعاء يحوطها الكثير من الغموض لأن من قرروا وخططوا ونفذوا عملية الاغتيال كانوا يسعون لتنفيذ ما يعرف <<بالجريمة الكاملة>>، وهي في أدبيات الجريمة تمثل ذلك النموذج الجرمي الذي لا يترك فاعله دليلا قاطعا واحدا يمكن الاستدلال به عليه.. ولعلهم حتى الآن قد نجحوا في ذلك الى حد بعيد! ولعلهم بذلك ايضا قد زادوا مهمة ميليس تعقيداً وتركوا العالم يمارس الاستنتاجات والافتراضات ويضرب اخماسا في اسداس وسط قرائن ذات دلالة منطقية عالية وربما يقينية لكنها في ضوء احكام القانون وصرامة نظام الشرعية الجنائية ذات قيمة متواضعة! ويبدو أن من خططوا ودبروا ونفذوا عملية الاغتيال كانوا يراهنون منذ البداية على ان احكام المنطق وسلامة الحدس مهما بلغت قوتها في الاشارة اليهم لن تغني عن وجوب توافر الادلة القانونية الملموسة واتباع حرفية الاجراءات الجنائية في ظل معرفتهم السابقة أن الادانة تقوم باليقين وحده لا بالشكوك!
الدلالة الثالثة، ان تشكيل لجنة التحقيق الدولية برئاسة السيد ميليس لكشف الحقيقة وقرارات مجلس الامن والتداعيات التي لحقت ذلك وما زالت تتواصل، كل هذا يشكل تطوراً هائلا ومقلقا لمفهوم العدالة الجنائية التي أصبحت تتجاوز مجالها الوطني الداخلي الى آفاق دولية غير مسبوقة. وهو الامر الذي سيرتب نتائج خطيرة على الصعيدين السياسي والقانوني. فعلى الصعيد السياسي اولا، يعتبر هذا التطور امتحانا عسيرا لمفهوم السيادة الوطنية بقدر ما يفتح الباب واسعا لمجموعة لا تنتهي ولن تنتهي من الانتهاكات لمظاهر هذه السيادة الى حد ربما يتجاوز كل خيال! ولعل حماقتنا منذ مغامرة غزو الكويت في 1990 حتى الآن هي التي أعطت للآخرين الفرصة مجاناً ليتربصوا بنا. اما على الصعيد القانوني ثانيا، فإن مفهوم العدالة الدولية اصبح يترسخ يوما بعد يوم بديلا محتملا للعدالة الوطنية تطرحه القوى الكبرى وبالذات الولايات المتحدة حين تعجز او تتراجع هذه العدالة الجنائية الوطنية. ولن يؤثر في ذلك صراخنا الدائم وشكوانا حول ازدواجية هذه العدالة الدولية التي تطبق بكل حسم وسرعة حين تتوافق مع الاجندة الاميركية لكنها تتلكأ وتختفي تحت مبررات شتى حين تتعارض مع هذه الاجندة. تلك ظاهرة لن ينال منها اعتراضنا ولكن كان يمكن ان يؤثر فيها نضالنا القانوني والفكري حين يصبح ذكياً ومنظماً ومتواصلاً مع كل القانونيين والمثقفين الاحرار في العالم. على أية حال تلك قصة اخرى.
واللافت للنظر ان الولايات المتحدة التي ظلت لفترة طويلة ترفض اعتبار الارهاب جريمة منظمة مشمولة باتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المبرمة سنة 2001، بل كانت تعارض بشدة تسليم المتهمين بارتكاب جرائم سياسية وفقا للمبدأ القانوني العالمي بحظر تسليم المجرمين السياسيين والذي تنص عليه كل الاتفاقيات والصكوك الدولية، هي ذاتها الولايات المتحدة التي عدلت عن ذلك واصبحت من أشد المطالبين بتسليم المتهمين بارتكاب جرائم سياسية. وبهذه المناسبة ما زلت اتذكر كيف بح صوتنا في فيينا ابان مفاوضات اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية منذ سنوات عدة مطالبين باعتبار الارهاب (الذي لا يختلط بحق المقاومة المشروعة) جريمة منظمة تسري عليها كافة احكام هذه الاتفاقية، لكن عبثا لم يوافق الوفد الاميركي. وفي كل جولة تفاوضية كنا نطالب فيها بذلك كان يقال لنا تلك مسألة سياسية وليست قانونية، وبالتالي يتعين بحثها في اطار الجمعية العامة في نيويورك وليس هنا في فيينا في اطار اللجنة المخصصة لصياغة اتفاقية قانونية دولية!! ثم سرعان ما تحولت المفاهيم القانونية بتحول المصالح اعمالا للقاعدة البراغماتية الانتهازية بأن اختلاف المواقع يستتبع اختلاف المواقف!
لكن سؤال اللحظة الاهم هو ما اذا كانت العدالة الدولية تعطي شيكا على بياض للقوى الكبرى بالتدخل في ادق الشؤون التصاقا بالسيادة الوطنية للدولة ام هناك من الضوابط ما يكفل الحد من ذلك؟ في عبارة اخرى: هل اصبحت ظاهرة <<تدويل العدالة>> قدرا محتوما يستخدم فيه القانون (بضروراته الحقة تارة وذرائعه غير المستحقة تارة اخرى) مطية لتحقيق اهداف سياسية دون ادنى ضمانات او معايير؟ على الرغم من أن التساؤل قد اصبح مكروراً فهو يبقى على درجة بالغة من الاهمية لأن أحدا في هذا العالم لا يشك في أن ما يجرى الآن هو مقدمة لاثارة الفوضى السياسية في المنطقة. فالعبث بجغرافيا العرب حلم استراتيجي لدى البعض والعبث بتاريخهم حلم توراتي لدى البعض الآخر. والذاكرة القريبة ما زالت بعد شاهدة على ما يحدث في العراق. والذاكرة البعيدة ما زالت أيضا تختزن الكثير من الدروس والعظات والعبر!
على اي حال، فإن سؤال العدالة الدولية، على الأقل في شق الاجراءات القانونية، لا ينبغي ان يتم طرحه على مرجعية وحيدة يجسدها القراران 1595 و1636 بل يجب ان تتم قراءته ايضا، في ضوء مرجعيات قانونية اخرى تتمثل في صكوك واتفاقيات دولية وعلى رأسها اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المبرمة في باليرمو بإيطاليا سنة 2001. ان هذه الاتفاقية التي تمثل صكا قانونيا دوليا عالمي النطاق وبالغ الاهمية تجعل من اجراءات التعاون القضائي الدولي في ملاحقة الجرائم المنظمة عبر الوطنية امراً منوطا باحترام السيادة الوطنية. وهو المبدأ الذي تكرسه المادة الرابعة من هذه الاتفاقية التي تنص على انه <<يتعين على الدول الاطراف ان تؤدي التزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية على نحو يتفق مع مبدأي المساواة في السيادة والحرمة الاقليمية للدول، ومع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى>>. كما أن المادة 18 من نفس الاتفاقية وهى بصدد تنظيم اجراءات التعاون القضائي الدولي تنص في وضوح على ان يتم ذلك <<ضمن اطار قوانين الدولة متلقية الطلب..>>، بل ان بقية فقرات المادة 18 من الاتفاقية تجعل من احترام قوانين الدولة الطرف التي تتلقى طلب التعاون القضائي الدولي القاعدة التي تهيمن على كل ما يتعلق بأساليب وكيفيات تنفيذ هذا الطلب. صحيح ان الامر الآن يتعلق بإجراءات تحقيق دولي يتم استنادا لقراري مجلس الامن 1595 و1636 في شأن جريمة ارهابية وإعمالا ايضا لقراري مجلس الامن لمكافحة الارهاب رقم 1373 لعام 2001 و1566 لعام 2004. لكن الاحكام الواردة في اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2001 تمثل بدورها صكا دوليا يعبر عن ارادة دولية لكل المجتمع الدولي.
نحن في النهاية، وبالاقل، ازاء حالة تنازع بين صكوك دولية يتعين التوفيق بين احكامها. ربما تبدو تلك نظرة طوباوية ومثالية لكن المؤكد ان القرارت التي اصدرها ويصدرها مجلس الامن ولو استنادا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة تثير تساؤلا هاما حول مدى مشروعية تسييسها حين تتعارض، على الاقل في بنودها الاجرائية، مع ما تقرره صكوك دولية اخرى عالمية النطاق من ضمانات ومعايير يتوجب الالتزام بها في شأن مكافحة الجرائم المنظمة عبر الوطنية.
(
) كاتب مصري أستاذ زائر في جامعة بيروت العربية