لفتنة الطائفية في المجتمعات العربية

محمد السماك - الاتحاد


 

في عام 1856 وجّه القنصل الفرنسي في بيروت المسيو بلونش مذكرة إلى وزير خارجية بلاده قال فيها:''الحقيقة الكبرى والأبرز التي تحضر أثناء دراسة هذه البلدان هي المكانة التي يحتلها الفكر الديني في أذهان الناس، والسلطة العليا التي يشكلها في حياتهم فالدين يظهر حيث كان، وهو بارز في كل المجتمع الشرقي، في الأخلاق وفي اللغة والأدب وفي المؤسسات وترى أثره في كل الأبواب الشرقي لا ينتمي إلى وطن حيث ولد، الشرقي ليس له وطن، والفكرة المعبرة عن هذه الكلمة، أي عن كلمة وطن، أو بالأحرى عن الشعور الذي توقظه، غير موجودة في ذهنه، فالشرقي متعلق بدينه كتعلقنا نحن بوطننا وأمة الرجل الشرقي هي مجموعة الأفراد الذين يعتنقون المذهب الذي يعتنقه هو، والذين يمارسون الشعائر ذاتها، وكل شخص آخر بالنسبة له هو غريب''
لا تقتصر هذه الظاهرة على المسلمين وحدهم، ولكنها تشمل المسيحيين وكذلك اليهود إن هذا الشرق العربي شهد أكثر من أية منطقة أخرى في العالم سيلاً للدماء وانهماراً للدموع وارتفاعاً للصلوات فالمجتمع المتنوع معرّض لمواجهة أخطار الاحتكاك والصدام والصراع وربما خطر التفتّت، ما لم تضمن وحدته العناصر الضرورية لديمومة التنوع وازدهاره
غير أن هذه الظاهرة تخْفُتُ وتختفي حتى أنها تكاد تزول من الذاكرة الجماعية، ثم تعود وتنفجر بشكل سريع وعنيف وكأنها لم تغب أبداً عن هذه الذاكرة هذا ما حدث في لبنان مراراً لكن لبنان ليس المثل الوحيد على ذلك إن ما يجري الآن في مصر يؤكد وجود هذه الظاهرة المرضية أيضاً وهي إذا كانت خطيرة في لبنان فإنها أشد خطراً إذا وجدت في مصر أرضاً خصبة ذلك أنه إذا عطست مصر طائفياً فإن العديد من الدول العربية الأخرى سوف تصاب بزكام طائفي وعنصري حاد ففي منتصف هذا الشهر وتحديداً أيام 16 و17 و18 نوفمبر تستضيف واشنطن مؤتمراً خاصاً حول الأقباط
تتولى تنظيم المؤتمر مؤسسة تشرف عليها مجموعة من اليهود الصهاينة تعرف باسم بيت الحرية
Freedom House وهنا لابد ن الإشارة إلى أن ثمة تبايناً كبيراً بين موقف البابا شنودة الثالث ومواقف الجماعات القبطية الثلاث في الولايات المتحدة التي تشارك في هذا المؤتمر حتى أنه خلال زيارة البابا الأخيرة للاستشفاء تعرّض إلى الإساءة من هذه الجماعات التي أنكرت عليه دوره البنّاء في المحافطة على حقوق الأقباط في إطار الوحدة الوطنية للشعب المصري فالأقباط في مصر الذين يشكلون حوالي عشرة في المئة من السكان (أكثر أو أقل قليلاً حسب اختلاف مصادر المعلومات الأحصائية) يعانون كغيرهم من الملايين من المصريين من هجرة استنزافية حتى بلغ عدد المهاجرين منهم حوالي 1,5 مليون، ينتشرون في عدة دول في العالم إلا أن معظم هؤلاء المهاجرين الأقباط استوطنوا الولايات المتحدة واكتسبوا جنسيتها وقد شكلوا هناك تجمعات محلية تعنى بشؤون الوطن الأم من وجهة نظر ''الاضطهاد القبطي''، الأمر الذي سهل عملية استغلال هذه التجمعات في عمليات الضغط والابتزاز التي تتعرض لها مصر من وقت لآخر
غير أن ما يجري الآن يتعدى حدود مصر ليهدد نسيج العلاقات الإسلامية- المسيحية في العالم العربي كله فلم تكن حادثة كنيسة القديس مارجرجس في الإسكندرية (حيث قدمت مسرحية اعتبرها إسلاميون مسيئة للإسلام مما أدى إلى وقوع مظاهرات احتجاج ذهب ضحيتها عدد من القتلى والجرحى) سوى واحدة من سلسلة حوادث يجري الآن توظيفها على نطاق واسع وخاصة في المؤتمر الذي سيعقد في''بيت الحرية''في واشنطن: من الحوادث الدامية التي وقعت في صعيد مصر (الزاوية الحمراء والمرج والكشح) إلى حادث اعتناق وفاء قسطنطين للإسلام وهي زوجة أحد القساوسة الأقباط، وانتهاء بحادث الإسكندرية
لقد جرت محاولات عديدة لاستغلال هذه السقطات العابرة في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مصر، إلا أنها فشلت جميعها لأسباب عديدة من أهمها:
أولاً: الموقف الإسلامي- المسيحي الموحد الذي يعبّر عنه إمام الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي والبابا شنودة الثالث
ثانياً: مبادرة السلطات المصرية إلى اعتقال ومحاكمة ومعاقبة المشتركين في تلك الأحداث الطائفية
ثالثاً: وعي الشعب المصري الذي جنّبه في السابق ويجنّبه اليوم السقوط في شرك الفتنة الطائفية
إلا أن محاولات الاستغلال لم تتوقف، خاصة بعد أن وجدت دعماً خارجياً ولعل من أبرز مظاهر هذا الدعم ما حدث في مؤتمر عقد في مدينة زيوريخ السويسرية في العام الماضي 2004 فقد صدرت عن هذا المؤتمر توصيات تطالب بإطلاق حرية بناء الكنائس في مصر وهو مطلب يفترض وجود قيود على بنائها مع السماح ببناء المساجد، وهذا ليس صحيحاً كما تؤكد الحكومة المصرية التي تقول إنها فرضت قوانين عامة لتنظيم بناء المساجد والكنائس معاً
ومن هذه التوصيات أيضاً المطالبة باقتطاع نسبة 15 في المئة من المراكز السياسية في الحكومة والبرلمان وفي الإدارات العامة للأقباط الأمر الذي يحول النظام السياسي في مصر إلى نظام تقاسم الحصص الطائفية على غرار النظام اللبناني وهو نظام يتطلع اللبنانيون أنفسهم إلى التخلّص منه ورداً على وجود نص في الدستور المصري (المادة الثانية) يقول إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن المؤتمر طالب بإلغاء هذا النص وبإعلان مصر دولة علمانية
كان من الطبيعي أن تثير هذه المطالب ردود فعل الإسلاميين في مصر الذين ردوا عليها بالدعوة إلى إنشاء حركة ''الدفاع عن إسلام مصر''؛ فالفعل، ورد الفعل باتا يشكلان تهديداً للوحدة الوطنية المصرية التي كانت على الدوام نموذجاً تحتذي به الدول العربية الأخرى
ولعل الأسوأ من ذلك هو أن هذه التطورات السلبية تحدث في الوقت الذي تحول فيه العراق إلى بؤرة لتفجير العلاقات بين المسلمين والمسيحيين (نسف الكنائس) وبين السنة والشيعة (تفجير الحسينيات والمساجد) وبين العرب والأكراد، وبين الأكراد والتركمان؛ وكذلك في الوقت الذي بدأت فيه جهود إثارة الفتنة في لبنان تستعيد قوتها بعد أن ضمرت وتراجعت إثر إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف 1989
من هنا السؤال: هل هناك اضطهاد في مصر يستهدف المسيحيين الأقباط؟ إذا كان هناك اضطهاد أو مجرد انتقاص من حق المواطنة فلماذا لا يعالج لقطع الطريق أمام أصحاب النوايا السيئة الذين يريدون شراً بمصر وبالأمة العربية كلها؟ وإذا لم يكن هناك اضطهاد فلماذا الشكوى إذن؟ ومن الذي يروج لها؟ ومن الذي يوظفها في حسابات إعادة رسم خريطة المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وعنصرية؟
صحيح أن العلاقات الإسلامية- المسيحية في العالم العربي ليست في أزمة، إلا أنه من السخرية الادعاء بأن كل شيء على أحسن ما يكون ثم إن الاعتقاد بأن المشروع الصهيوني لتفتيت المنطقة العربية هو مشروع وهمي، هو اعتقاد ساذج فالمشروع سقط في لبنان ولكنه لم يفشل وها هو يطل برأسه البشع من العراق وربما من السودان أيضاً لقد كان فيلسوف المشروع هو المستشرق اليهودي برنارد لويس (الذي أعد في عام 1979 دراسة بتقسيم المنطقة الممتدة من باكستان حتى المغرب إلى دويلات تضمن لكل جماعة عنصرية أو طائفية أو مذهبية دولة خاصة بها) وتبنّت إسرائيل هذا المشروع وجعلت منه استراتيجيتها منذ عام 1980 (مجلة إيغونيم الإسرائيلية نشرت دراسة تحت عنوان استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات نصت فيما نصت على تقسيم مصر بين المسلمين والأقباط وتقسيم العراق بين العرب والأكراد وبين السنة والشيعة وتقسيم المغرب والجزائر بين العرب والأمازيغ -البربر- وتقسيم لبنان وسوريا إلى دويلات مسيحية ودرزية وشيعية وسنية وعلوية وتقسيم السعودية إلى نجد والحجاز، وتقسيم السودان إلى شمال وجنوب وغرب ''دارفور'' الخ وهي الاستراتيجية التي جعلها الجنرال شارون أساساً وقاعدة لحكمه في محاضرة ألقاها في جامعة حيفا وكان يومها وزيراً للدفاع) إن من المثير للدهشة والاستغراب والاستنكار معاً، أن المسلمين والمسيحيين العرب في مصر ولبنان، كما في سائر الدول العربية الأخرى، يعرفون نوايا إسرائيل، ولكنهم بدلاً من التصدي لها بتعزيز وحدتهم الوطنية، يفتحون أمامها الأبواب والنوافذ مما يمكنها من العبث بهذه الوحدة واستغلالها لتمرير مشروعها التقسيمي المدمر