من أين يأتي الخطر على سوريا اليوم؟ أجوبة 13 مثقفاً وسياسياً سورياً
نظام من مخلفات الحرب الباردة أمام تهديد العنجهية الأميركية والحل الإسلامي
- منذر مصري - السفير

 

 

لن تقدم شيئاً كبير النفع محاولة صياغة مقدمة مستفيضة لملف كهذا، فأهمية السؤال لا حاجة لتبيانها، وقد أشارت إليها عدة أجوبة. كما أنه لا مجال للتفصيل في عقد المقارنات وتفنيد ما اتفق عليه وتقارب محتواه وما اختلف وتضاربت الآراء حوله في هذه الشهادات، وذلك في تحديد أنواع الأخطار ومصادرها: خطر أو خطران أو ثلاثة أخطار أو أشباح أخطار عديدة، أو.. لا خطر على الإطلاق!! تنشطر جميعها عن، أولاً: خطر خارجي.. ماذا يعدّ لسوريا والمنطقة من قبل الولايات المتحدة، القطب الوحيد في العالم اليوم. وماذا ستكون نتائج تقرير لجنة التحقيق باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري برئاسة القاضي ديتليف ميليس، وبعده قرار مجلس الأمن 1636 المشمول بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وثانياً: خطر داخلي، هو بدوره ذو مصدرين متضاربين، الأول بعرف أغلب الآراء يأتي من نهج السلطة الاستبدادي الأحادي، فهل سيكون همها الأول والأخير هو الحفاظ على سلامة رأس النظام أم الحفاظ على سلامة جسم الوطن، أم ستربط المجتمع بها وتمضي به إلى حيث سيؤول مصيرها، مهما يكن. والثاني مصدره بنية المجتمع السوري، العضوية، المتخلفة المشروخة، العنفية بتخوفات البعض!! حيث يلوح خطر فوضى عارمة في الداخل، يصل إلى حساب احتمالات وقوع حرب أهلية طاحنة. أسئلة سمحت لنفسي باستخلاصها ولكني لن أسمح لنفسي بتبيان أجوبتها. فمن حق قارئ الملف أن يستنتج هو ما يحلو له دون مصادرة مسبقة.
ولكن ما يهمني الآن هو الإشارة إلى تلك النقطة التي يكاد الجميع يتفق عليها، بأن على النظام السوري أن يلتفت إلى الداخل، ويبدأ بخطوات صريحة فعلية لعملية الإصلاح الشامل المؤجلة، السياسي أولاً بالاستجابة للمطالب التي وردت في إعلان دمشق الصادر بتاريخ 16/10/2005 والتي لم تكن هي بذاتها، بعكس عدد من النقاط في مقدمته، مثار خلاف أو اعتراض حاد من قبل أي من أطياف المعارضة السورية وكذلك أي من أطراف معارضة الإعلان.


فايز سارة: سلوك النخبة السياسية


إنه السؤال الأهم الذي يواجه السوريين والمتابعين للوضع السوري إقليمياً ودولياً! وجوابه هو: الخطر الخارجي. خطر تبدو مؤشراته في الاتهامات والتهديدات المتواصلة من جانب الولايات المتحدة، والتي ينضم إليها بين وقت وآخر بعض حلفائها الغربيين ولا سيما بريطانيا وفرنسا، وسط تأييد ضمني أو تواطؤ من بعض البلدان العربية.
وتتأتى هذه الخطورة، من أنه يضم حشداً دولياً بدعم إقليمي أهمه قوة إسرائيل العسكرية. وباستثناء قوته السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي تبدو جاهزة للعمل بتناسق قوي وفعال، فإن له قدرة كبيرة على التحكم بالقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهذا يعني إمكانية تحويل الضغوط الخارجية على سوريا من ضغوط دول أو كتل إلى ضغط دولي يحظى ب<<الشرعية الدولية>> ويجعل العالم كله في مواجهة سوريا، التي هي بلد صغير، محدود القدرات ويعاني من مشاكل وصعوبات جوهرية في السياسة والاقتصاد وغيرهما.
وهناك خطر داخلي لا يقل أهمية عن الخطر الخارجي، وهو خطر تداعيات الأزمة التي تعيشها سوريا بفعل نتائج عهد طويل من الاستبداد والدكتاتورية، نظام الحزب الواحد <<القائد للدولة والمجتمع>> وتحكم الجهاز الأمني العسكري بالحياة العامة والخاصة للسوريين، واستئثار نخبة أقلوية بالسيطرة على الثروة والنشاط الاقتصادي. وهي ملامح أدّت إلى انشقاقات وحساسيات متعددة المضامين والمستويات في الواقع السوري، كما ظهر في أحداث القامشلي ومثلها ما حدث في مصياف والقدموس، مسّت روح المواطنة السورية، التي يهددها الفقر، والبطالة، والفساد.
وثمة خطر ثالث، ربما أكثر فداحة، وهو سلوك النخبة السياسية، سواء تلك التي في السلطة أو في المعارضة رغم تفاوت مستوى المسؤولية بين الجانبين ففي ضوء سلوك النخبة السياسية سوف يتحدد بالفعل مدى ونتائج كل من الخطرين الخارجي والداخلي على سوريا والسوريين. وهذا ما بات يتطلب، بإلحاح، خروج هذه النخبة السياسية من استراتيجياتها وسلوكياتها السابقة. لكن الأساسي في ذلك هو تغيير سلوك النخبة الحاكمة ذاتها، من خلال إعادة النظر بسلم أولوياتها، كالانتقال من أولوية الحفاظ على السلطة والنظام إلى أولوية الحفاظ على الوطن ومصالح الشعب، مع ما يتطلب ذلك من تبدلات في الاستراتيجيات والسياسات في المستويات كلها.


إبراهيم الجبين: الاحتماء بالشارع


لا أعرف ما إذا كانت سوريا تواجه الخطر أم هو الذي يواجهها هذه المرة؟! ولا أعرف أيضاً ما هو مقياس ريختر السوري الذي يقيسون به الخطر هذه الأيام؟! فسوريا على الأرض... كجبل <<أحد>> قبل المعركة وبعدها... لا شيء يتغير، لا شيء ينتقل من مكانه، ولن يحدث أي شيء، لا بتقرير لجنة ميليس ولا دونه.
ولعل النظام الذي تسير وفقه الأمور في البلاد، أبعد ما يكون الآن، عن الإحساس بالخطر.. ولماذا يكون هناك خطر؟! فقد مر ما هو أسوأ... ولم يهزّ السوريون أبدانهم. واليوم من المفترض، كما يشعر أكثر المراقبين تشاؤماً، أن السلطة ستحتمي بالشارع، وتحاول إظهار الأمر وكأن الملايين بقضّها وقضيضها، بموالاتها ومعارضتها، ترفض الحصار الدولي والعزلة والحرب الدبلوماسية الأميركية التي توجه فوهات مدافعها نحو الأراضي السورية.
ولكن المدهش والمثير والأكثر سواداً من يأس (أكثر المراقبين تشاؤماً) هو أنهم لا يفكرون بذلك أيضاً، وأنهم ما زالوا يعتقدون أن كل ما يحدث هو مجرد أفلام أميركية وترهات قادمة من العالم الغربي الذي يظنون أنهم قاموا بترتيب أمورهم معه ببعض الصفقات والاتفاقيات...
وربما لا يصدّق أحد، أن المحللين السوريين يظهرون على المحطات ويسخرون من ميليس، وأن شيخهم الحداثي الدكتور محمد حبش، المقرّب من القيادة السورية، يقول على الهواء مباشرة في حوار أجرته إحدى الفضائيات: من هذا ميلس حلس؟! هل يمكن أن نتخيل إلى أي درجة يستشعر السوريون بالخطر؟! وخاصة أولئك الذين يشخصون الأمر ويزنونه بميزان الدقّة السورية... إنهم يتحدثون باسترخاء... ويقومون باختراع النكات والطرائف!!


عبد الله هوشة: نظام من مخلفات الحرب الباردة


ليس أمراً بعيداً عن الدلالة حين يوجه هذا السؤال بصيغة تستدعي تحديد مصدر واحد للخطر، هل هو داخلي أم خارجي؟ فهو بهذا يصير سؤال السلطة، ومن هم في منزلتها. لأنه يحمل في دواخله شيئاً من التضليل وآخر من الابتزاز ليس أقل منه. فعلى ضوء تحديدك مصدر ذلك الخطر، بموجب هذه الثنائية، يتحدد بالتالي موقعك، وتتحدد جهة اصطفافك.. وهويتك أيضاً (فإمّا أنت وطني وإمّا مطعون بوطنيتك!؟).
بعيداً عن هذا المنزلق، وفي المساحة التي طلبت أن يكون الجواب في حدودها، أريد أن أقول لك إن الخطر الذي يهدد سوريا اليوم، وشعبها أيضا، ليس الخارج هو مصدره الأول. مصدره الأول يتحدد بنهج السلطة وبسياساتها، بنهجها المتسلط وبسياساتها الاستبدادية، التي لا هدف لها سوى ديمومتها وديمومة تسلطها واستبدادها. الأخطار الخارجية كانت موجودة دائماً عبر التاريخ. وهي ستظل قائمة أيضاً في المستقبل. وعلى الكيفية التي نواجه بها هذه الأخطار يتوقف نجاحنا في ردها أو في الحد من آثارها ومفاعيلها، أو العكس.
مشكلتنا في سوريا أن النظام القائم لدينا عاجز عن تمثل دروس التاريخ والاستفادة من عبره. فهو قد أصبح منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، نظاماً من مخلفات الزمن البائد وخارج سياق العصر الذي نعيش فيه. ولقد دلل، بصورة خاصة بعد الحادي عشر من أيلول 2001، على أنه عاجز أيضاً عن التكيف مع معطيات العالم الجديد ومع المنطق الذي أخذ يحكمه. فهو لليوم لم يستوعب أنه لم يعد من الممكن التعامل مع هذا العالم بنفس المنطق الذي كان يتعامل به معه أيام الحرب الباردة، ذلك المنطق القائم على مقايضة الخارج على حساب الداخل ومن أجل استباحته أيضا. لقد أتيحت لهذا النظام، على امتداد السنوات الماضية، فرص تاريخية لتجديد نفسه عبر الانفتاح على شعبه. غير أنه عجز عن تغيير طبيعته وحتى عن تبديل جلده. فأوصل سوريا إلى ما هي عليه الآن.


كمال اللبواني: تعنّت السلطة


الخطر الذي يواجه سوريا اليوم هو تعنت السلطة، برفضها لأبسط مبادئ وقيم العصر: ألا وهو تبادل السلطة، وعدم إعطاء الشعب حقوقه المدنية والسياسية، وفرضها لسياسة القمع والتجهيل والديماغوجية والفساد والإفقار، التي تتبعها منذ عقود ولليوم. ولن يفيدها ما تفعله لتجنب السقوط، فقد وقعت في شر أعمالها وسوف لا ريب ترحل.. فكل من في الداخل ومن في الخارج يعلم حقيقتها، وهي تعلم أيضاً أن من أتى بها يستطيع إطاحتها.. لذا فإن كل حديث عن خطر آخر واستهداف آخر هو دعاية يبثها النظام الذي يجعل من بقائه على الكرسي، شرطاً لبقاء للوطن برمته.


ميشيل كيلو: عجز عن فهم ما يحدث في العالم


هناك خطران مترابطان جداً يواجهان سوريا اليوم أولهما: خطر خارجي يتمثل في دخول أميركا إلى المنطقة لسد فراغ نشأ فيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحركة التحرر القومي العربية، مع ما يعنيه ذلك من تبدل في معطيات المنطقة العامة وشروط إعادة إنتاج السياسة فيها. وثانيهما، بغض النظر عن الترتيب، خطر داخلي تمثله نظم تقادمت وصارت عاجزة عن فهم ما يحدث في العالم وفي المنطقة وفي بلدانها أيضاً. عجزها عن إيجاد ردود ملائمة عليه تختلف في طبيعتها عن الردود الجزئية: الحزبية والسلطوية، التي عرفتها مرحلة الخمسينيات والستينيات، ودامت في بعض الدول، كسوريا، إلى اليوم، بقوة القهر والقمع.
وبما أن الخطر الخارجي داهم وقوي، فإن الحلقة الرئيسة تتمثل اليوم، إما في قيام أصحابه بتغيير اتجاهه وطابعه، أو في قيامنا نحن بصنع أوضاع جديدة وتطوير أساليب فاعلة قادرة على حماية بلداننا ومجتمعاتنا منه. ليس هناك في رأيي حل ثالث. وعلينا، ما دمنا لا نستطيع إقناع العدو بتغيير خططه واستراتيجياته، أن نغير نحن أوضاعنا كي نجبره على رفع ضرره وكف أذاه عنا. الأولوية اليوم للداخل، حيث لدينا قدر معقول من الاستقلالية النسبية، التي تمكننا من مساعدة أنفسنا. أما البعبعة عن الخارج، فهي لا تسمن ولا تغني، لأن الهدف منها الحفاظ على أوضاعنا المهلهلة، التي تغري الخارج بنا، وتظهر كم نحن ضعفاء، و كم نحن جاهزون للسقوط.


موفق نيربية: استمرار الاستبداد


هناك أشباح أخطار عديدة تواجه سوريا اليوم. منها، خطر الوقوع تحت الاحتلال، أو خطر الوقوع في الفوضى والتفكّك بفعل انفلات الطائفية أو أشكال ما قبل الوطنية الأخرى من عقالها، أو خطر العزلة والحصار والأزمة التي تتعقّد حتى الخراب الاقتصادي وانسداد سبل العيش أمام الناس. ولا منفذ إلا من خلال إنهاء زمن للاستبداد والفساد، وابتداء زمن للديموقراطية والتقدم.
لذلك، يبدو الخطر الداهم الحقيقي شيئاً آخر: هو الاستمرار.
استمرار نظام الاستبداد والقمع والكبح والتعويق، والفساد والنهب، والكذب والتمييز والانعزال والتأخر. وهو استمرار في عالم يتغير بوتائر متزايدة، أنهت مرتكزات سياسات النظام ودعائمه: منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى الحادي عشر من أيلول وصولاً إلى حرب العراق وعقابيل اغتيال الحريري. كلّ يوم يمرّ على الحال المتخلفة القديمة خسارة وتهديد بآثار سلبية في المستقبل.
هذه الاستمرارية هي ذاتها سبب عميق لوقوع البلاد تحت الاحتلال، أو للعجز عن درء احتماله وإمكانيته. بل إنها تكاد تكون دعوة للاحتلال، لو لم يكن مشروع الاحتلال نفسه يعاني من صعوبات مختلفة، لا دخل لنا فيها، وتتعلق بأحوال الأميركيين في العراق، وأحوالهم في أميركا.. وبأشياء أخرى.
والاستمرارية أيضاً سبب مباشر لاستفحال خطر التفكك والصدام الطائفي إن حدث. فالسلطة هي صاحبة المصلحة في تضخيم هذا الخطر وتطوير احتمالاته، لأنها تحاول بذلك أن تخيف العالم، وترهب الشعب، وتشلّ طموح الجميع إلى التغيير. هي وحدها، بسلوكها الثابت ونهجها القائم واستعدادها لأي شيء للحفاظ على مكاسبها وامتيازاتها، تجعل من هذا الخطر واقعاً.
هي أيضاً بيئة الفساد والنهب المناسبة، بل هي الفساد والنهب عينهما. فلا يستطيع من يكون من رؤوس الفساد وأركان تنظيمه ورعايته، أن ينهي الفساد بشكل من الأشكال. لا يستطيع أيضاً أن ينفّذ إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً، متكاملاً وفعّالاً، لأنه لا يملك الأدوات لذلك، ولا يهتم فعلاً بها. مع الاستمرار أكثر، يشعر الفاسدون بأن العالم يتحرك، وأن الغد قد يختلف، ولا بدّ من تفريغ الخزائن فبل فوات الأوان. لذلك تحمل الاستمرارية نذير تعقيد الأمل بمستقبل مختلف حقاً، للاقتصاد الوطني أو لمعيشة الناس وحياتهم.
<<الوطن في خطر>>؟! بل الخطر في الوطن. ولا بدّ من التغيير.

 

ياسين حاج صالح: الخطر هو الأمن!


أعتقد أن أكبر المخاطر التي تتهدد سوريا هو <<أمنها>>، أعني مركب الأجهزة والوظائف الأمنية المكلفة بتحديد الأخطار والتغلب عليها أو تفاديها. ويبقى هذا صحيحاً حتى لو كانت سوريا بريئة من دم المرحوم رفيق الحريري. لكن إن ثبت تورط جهات سورية في الجريمة فإن البلد ككل قد يدفع الثمن. هذا أخطر من خطير، وقد يكون مميتا.
طوال ربع قرن على الأقل كانت هذه الأجهزة في خدمة النظام الذي رعاها ودللها وكبرها إلى درجة أنها تريد اليوم أن يكون النظام في خدمتها. لقد دفع الشعب السوري كلفة باهظة ثمناً لهذا الغول الذي يوشك أن يفتك به. ثمناً مادياً (ميزانيات وامتيازات وفساد..) وثمناً بشرياً (سجناء ومعذبون وضحايا ومشوّهون..)، واليوم صار التهديد كيانياً يمس وحدة البلد والشعب وسلامة الدولة.
على أنه ليس من الإنصاف تحميل الأجهزة الأمنية وحدها المسؤولية عن مأزق سوريا. فقد كانت يد النظام الذي لم يكف عن صفع المجتمع السوري وضربه بها. حتى بات متجمعاً على نفسه مثل أحدب ابن الرومي، متوقعاً كل لحظة صفعة جديدة. والأصح والأخطر في الواقع أن نقول إنه متجمع على نفوس كثيرة، متراغمة، ومتفرقة بعضها عن بعض.
وليس أقل وجوه الخطر الأمني هو الوجه الفكري، أعني غياب المفهوم أو المذهب للأمن الوطني السوري. فلدينا اليوم بُعد متضخم لحهاز الأمن الوطني يقابله بُعد فكري ضامر. هذا خطير. مثلاً هناك التباس خطير في مفهوم الوطنية السورية، وهناك أزمة هوية يغذي استمرارها نمو المشاعر والمخاوف الطائفية، ونفتقر إلى مفهوم واضح للمصلحة الوطنية السورية. والأسوأ في جميع الحالات انه ليس هناك أي نوع من النقاش حول هذه القضايا الأساسية.
هناك في الواقع نظريتان أمنيتان في سوريا، واحدة ضمنية وحقيقية، وثانية معلنة ومعطلة. الأولى تطابق بين امن سوريا وأمن النظام، فيما الثانية تطابق بين أمن سوريا والأمن القومي العربي. وفقاً للثانية الموروثة من خمسينيات وستينيات القرن العشرين، والتي لم تخضع لأية مراجعة أو تطوير، لأن وظيفتها تحولت نحو تشريع النظام بدلاً من توجيه سياساته ورسم استراتيجياته، فإن عدو سوريا هو إسرائيل والامبريالية والدول العربية التي لا تتفق مع توجهات الحكم البعثي أو تنافسه. ميزة هذه النظرية أنها تحدد بوضوح معنى الوطنية السورية والمصلحة الوطنية السورية وتحل أزمة الهوية. أما في النظرية الأولى فعدو سوريا هو خصم النظام، من هنا تجريم المعارضة قانونياً وتخوينها إيديولوجياً وقمعها أمنياً وعدم الاعتراف بوجودها سياسياً. من هنا التوسع في وضع المواطنين دوماً في دائرة الشبهة. لذلك تسببت كلمة الأمن باغتراب عام عند المواطنين، وحتى المثقفين والسياسيين، عن الأبعاد الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحتى العسكرية، للأمن الوطني.
بالجملة، أعتقد أن أكبر خطر يواجه سوريا اليوم، هو النظام الأمني ومصادرة أمن سوريا لمصلحة أمن النظام.


منذر خدام: السياسات الأميركية والغربية


أصبح من كلاسيكيات الخطاب المعارض في سوريا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وما حولهما من تلوينات ثقافية ومثاقفاتية، أن يصب جام غضبه على النظام الاستبدادي، وتحميله كامل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد، من ضعف وتخلف، وفي ذلك الكثير من الصواب. غير أن الصواب كله لا يكتمل إلا برؤية مفاعيل السياسات الأميركية والغربية عموما، تجاه قضايا المنطقة، خصوصاً لجهة دعم الأنظمة الاستبدادية على مدى العقود الستة الماضية بذريعة المحافظة على استقرار المنطقة.
من المحزن حقاً، إلى درجة البؤس السياسي، عدم رؤية أن سوريا وشعبها على أبواب خطر داهم يحمله تقرير ديتلف ميلتس، المحقق المفوّض بجريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري. هنا أود أن أقول خصوصاً للطيف الوطني الديمقراطي المعارض، إن الشعب السوري، منذ سنوات، لديه ما يكفي من وقائع وأدلة لتجريم النظام الأمني في سوريا، غير أن تجريمه باغتيال الراحل رفيق الحريري يحتاج إلى أدلة قاطعة جازمة. نحن هنا أمام تحقيق يمكن أن يضع سوريا ولبنان والمنطقة عموما، في مهب الريح، إذا ما خرج عن نطاقه الجنائي، وعندئذ لن يكون هناك رابح محلي، بل خاسرون.
لا يجوز، بذريعة الهروب من وضعية خدمة النظام المفترضة، أن لا نرى الخطر الذي يحمله لنا التحقيق الدولي الذي سوف يتجاوز في شموله العناصر الإجرامية إذا ثبت وجودها، ليطال الشعب السوري والكيان السياسي السوري.
نحن ندرك جيداً أن الكثير يتوقف على سلوك النظام السوري، لدرء الكارثة المحتملة، خصوصاً لجهة التعاون الجدي والحقيقي مع لجنة التحقيق، وعدم التستر على المتورطين بالجريمة في حال وجودهم، مهما علت مراتبهم، لأن الوطن والدولة والشعب أكبر منهم جميعاً، وينبغي تفويت الفرصة على من يستهدفنا في وجودنا بعدم تقديم الذرائع له.
من جهة أخرى على قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية أن تظل أمينة لرؤيتها المعلنة للتغيير المتدرج والسلمي والآمن، ولرفضها لأي تغيير يأتي محمولاً من الخارج، وأن توحد كلمتها في رفض أي تسييس للتحقيق الدولي بجريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري، لإلحاق الأذى بالشعب السوري وبمصالحه، أو بمصالح سوريا.


منير شحود: خلط القبضة الأمنية والوحدة الوطنية


خلال عقود عدة أتقن النظام السوري لعبة البهلوان على حبل قطبي الحرب الباردة. وحتى عندما أصبح الحبل واحداً تعلق به ولم يسقط، برغم العواصف التي كانت تهب بين الفينة والأخرى. وفجأة اغتيل الحريري، وبدا كأن تاريخ سوريا ولبنان قد استفاق من رقدته، وتوجهت أصابع الاتهام نحو النظامين الأمنيين السوري واللبناني، واجتمعت الإرادات الخارجية في لحظة تبدلت فيها الكثير من القناعات والثوابت. وفي خضم مواجهة غير محسوبة، فقد النظام السوري بوصلته، وبدأ التخبط السياسي والتجاهل والإنكار.
وظهر أثر الضغوط الخارجية جلياً على النظام، فتم الانسحاب من لبنان، وتشكلت مؤخراً لجنة سورية خاصة للتحقيق في اغتيال الحريري، بعد تأخير أفقد هذه الخطوة الهامة معناها. لكن هذه الضغوط الخارجية لم تترافق بتحرك سلمي في الداخل تنسقه المعارضة، إذ تأخرت المعارضة بدورها عن استغلال الظرف السياسي الجديد للضغط داخلياً من أجل فكفكة النظام الأمني. كما انعكس غياب السياسة المديد عن المجتمع في عدم ظهور حركات احتجاج شعبية ولو محدودة. فظل الداخل السوري ساكناً، إلا من أصوات منفردة هنا وهناك.
وكان رد النظام على الضغوط الخارجية بتشديد القبض على المجتمع أمنياً، فأعاق هذا بدوره إمكانية حدوث تحول تدريجي للنظام الاستبدادي نحو الديمقراطية. وبدا أن لا مجال لإدراك أن <<المياه تجري في النهر>> وأن حواسنا المتيبسة من الحجر المديد بدأت تتبرعم بعدما لفحتها رياح الحرية المتدفقة من صدوع السجن الكبير. وبقي النظام يخلط بين القبضة الأمنية والوحدة الوطنية.
محظوظ شعب سوريا لأنه استفاد كثيراً من التجربة العراقية، فلا أحد على ما يبدو يرغب في تطبيق عقوبات اقتصادية عليه. كما استفاد أيضاً من مخاطر اندلاع الفوضى عند إسقاط النظام دون وجود بديل مقنع. وهكذا فقد دفع الشعب العراقي ضريبة التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية دماً غالياً عن شعوب المنطقة كلها وعن الشعب السوري، بسبب تشابه الظروف، بصورة خاصة. ومع أن استشراف آفاق التطورات الحالية ما زال صعباً، فإنها في المجمل تعدُّ إيجابية وتاريخية.


فاتح جاموس: صراع واستقطاب استراتيجيتين


يتجسد الخطر الرئيسي الذي يواجهه الوطن السوري الآن، في الصراع القائم والاستقطاب والوسائل المستخدمة والنتائج الخطرة التي حصلت والمحتملة الحصول في كل لحظة. وذلك بين الإستراتيجية المتشددة للإدارة الأميركية في صياغة المنطقة، وسوريا بشكل خاص، بل هي على قائمة الأولويات للتنفيذ الساخن والسريع. إدارة تعرف بدقة عالية المستوى المتدهور للوحدة الوطنية، بسبب ما فعله النظام على مدى عقود. إدارة تعرف أن النظام دمر المجتمع والمعارضة وعزلهما وقطع الطريق على أي حراك سياسي مستقل وفعال، ليخلق بذلك فجوة يصعب ردمها إن لم يكن مستحيلا بينه وبين المجتمع والمعارضة. مجتمع مفكك بسبب تقدم العصبيات المتخلفة والاحتقانات، مجتمع جاهز للانفجار. إدارة قررت تصفية النظام وترفض أي خيار من داخله، ولا تلحظ له أية مصالح في خياراتها. دافعة به إلى الحائط، إلى حافة الهاوية. إدارة تستغل نهج النظام وممارساته وأخطاءه، خاصة الأخيرة منها في لبنان، بحيث تمكنت من تعبئة رأي عام دولي ضده، وصل حد تدويل الوضع السوري، وها هو يتصاعد التدويل بحسب استراتيجية هذه الإدارة ومنطقها.
ومن جهة أخرى، استراتيجية نظام شمولي، وعطالة قمع شديد، وجهاز بيروقراطي (حزبي وأمني وعسكري) مترهل وفاسد، فقد مرونته وقدرته ولياقته للاستجابة لأية تطورات ضرورية حتى من منظور مصالح السلطة التكيفية والضرورية لها جداً في هذه اللحظات. بل تسبّب ذلك الجهاز ويتسبب بصورة متسارعة بالمزيد من الأزمات. لا يزال النظام يصر على إدارة الأزمة متفرداً، وعلى أساس نهج احتكار السلطة والتفكير الضيق من هذا المنظور فحسب. يصر على عزل المجتمع والمعارضة، يبدو عاجزاً حتى عن إدارة مصالحه بصورة فعالة وذكية، يكاد يفقد أي قدرة على التكيف الأخير، ولو بالاستقواء بالمجتمع والمعارضة، يقدم التنازل تلو التنازل للإدارة الأميركية، دون أي تنازل مفيد وهام للمجتمع والمعارضة. تصر هذه الإدارة على متابعة الضغوط بتكتيكات مختلفة (قد تصل قريباً حدود الضربات العسكرية بغاية إضعاف هيبة الدولة والسلطة والتشجيع على الفلتان وخلق ما يشبه ازدواجية سلطة) بسبب شروطها في العراق، وبسبب عدم جهوزية الساحة السورية داخلياً أيضا. فالنظام يأخذ الوطن والمجتمع معه إلى الهاوية، بينما يقوم بإجراءات غير فعالة وبطيئة. وهو في محاولته المقاومة وحيداً، أي الانتحار، يخلق استقطاباً وانقساماً شديدين في وسط النخبة وقوى المعارضة، ويبدد الطاقة الوطنية، ويهيئ الوطن لحرب الجميع ضد الجميع، ووضعه في أيدي العامل الخارجي الأميركي وإلى مدى بعيد. وفي أحسن الحالات لن يخلق هذا إلا حرباً أهلية إضافية وتدميراً مجتمعياً ووطنياً، وقد يتوّج بتقنيات ديموقراطية <<راقية>> وتوافقات طائفية وعصبية، قابلة للانفجار كلما اقتضى الأمر. إن كل ما ذكر بخصوص النظام، يجعله عاجزاً، إن لم يكن رافضاً حتى في هذه الشروط الحرجة والخطرة جداً، عن طرح حلول إنقاذية، تتجسّد جوهرياً في ضرورة تشكيل هيئة إنقاذ وطني مهمتها المركزية إلغاء احتكار السلطة، بصورة آمنة وتدريجية.

 
أكثم نعيسة: لا خطر على سوريا


لا خطر مباشرا على سوريا، شعباً ونظاماً. وأجد أن من السذاجة القول إن النظام قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وبالتالي المراهنة بأي معنى على هذا الاحتمال، كصياغة برامج وطرح إعلانات وبيانات. حيث إن كل هذا سابق جداً لأوانه، حتى بالنسبة للذين يراهنون على وصول تقرير لجنة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري إلى نتائج تدين مناصب عالية في النظام السوري، فأنا أرى أن النظام قد نجح في الوصول إلى عقد صفقة مع تلك الدول التي تشكل مصدر التهديد بالنسبة له. ونستطيع أن نرى ملامح هذه الصفقة من جهة النظام في استجابته لكل شروط مجلس الأمن في القرار 1636 وما قبله، كقبوله الآن بتسليم كل المشتبه فيهم بدون استثناء، بعد استثناء ذينك الاسمين! في المرحلة الأولى على الأقل.
أقول في المرحلة الأولى، لأن هذه الصفقة في اعتقادي ستكون قصيرة الأمد. ذلك لأن الأمر، في اعتقادي أيضاً، لا يتوقف عند تقرير ميليس بل سوف يستمر حتى يصل إلى إعادة صياغة سوريا سياسياً في إطار الوضع الإقليمي الجديد. حيث سيبدأ بتفريغ مراكز القوى الاستبدادية التي تمانع عملية الإصلاح والتغيير لملئها مجدداً بقوى جديدة، من داخل النظام ومن محيطه ومن مكوّنات المجتمع السوري المدني خارج دائرته. وهذا يخالف أي تصور لتغييرات عنيفة ودراماتيكية قد تؤدي إلى تلك الأخطار المباشرة التي يتحسب لها البعض.
أما الأخطار غير المباشرة، فهي ما يمكن أن ينتج عن فشل هذا الانتقال التدريجي والسلمي للسلطة في سوريا، مثل أن تلجأ قوى الخارج إلى سيناريوهات أخرى مختلفة قد تؤدي لمواجهات غير محددة الملامح ولا النتائج بين مختلف أطراف المعادلة، بين النظام والخارج أو بين النظام والداخل أو بين الداخل والخارج أو بين.. الداخل والداخل.


لؤي حسين: الحل الإسلامي والعنجهية الأميركية


أعتقد أن الخطر الأساسي كامن دوماً في إمكانية انفراط البنيان المجتمعي السوري. وبالتالي فإن أي حدث أو تهديد يمكن له أن يأخذ البلاد في هذا الاتجاه قد يشكل خطراً على سوريا أكثر من سواه.
وفي الوقت الراهن أرى أن هذا الخطر بات جاثماً أمامنا ويبدو كأن كل الدروب أو كل المآسي تؤدي إليه. فالسلطة السورية العاجزة عن المحافظة على تسلطها، تشكل بضعفها هذا طريقاً ممهداً إلى انفراط الاجتماع السوري، إن كان من خلال سقوطها أو من خلال تفاقم عجزها، إذ ليس في البلاد قوى سياسية جامعة يمكنها أن تحل بديلاً منها إن سقطت، وليس هناك مجتمع مدني يمكنه التعويض عن ضعف مركزية السلطة.
هذا التصور، إن كان صحيحاً، يضعنا أمام إحراجٍ أخلاقيٍ كبير. فإن كان من واجبنا أن ندرأ عن البلاد أي خطر نعتقده ونراه وشيكاً، فهذا سيتطلب منا (إن اعتمدنا السطحية) الدفاع عن السلطة أو الحيلولة دون سقوطها أو تفاقم عجزها. هذه السلطة التي اعتبرناها دوماً المسبب الرئيسي لكل مصائبنا (وهذا صحيح)، والتي ما زالت، إلى اليوم، تقوم بأدوارها القمعية والتخريبية، بل إنها صارت مستهترة بمستقبل البلاد الذي يرتبط به مستقبلها هي نفسها.
وما يُشعرني بهذا الخطر أكثر هو قبول غالبية القوى السياسية بحل إسلاموي للدولة ينسف كل إرث البلاد العلماني الذي كان، وما زال، أحد أهم الجوامع السورية، ولا يمكن للإسلاموية أو للإسلام أن يشكلا جامعاً سورياً. بل يمكنني القول إن أي تصور للدولة السورية، بعيداً عن الإطار العلماني، هو تصور تفتيتي وانقسامي.
إذن، لأقل الآن إن الخطر الأكثر مباشرة على سوريا في اللحظة الراهنة هو العنجهية الأميركية العمياء التي لا يمكنها أن تدرك عند أي درجة، خلافاً لتوقعاتها وأجندتها، سيفقد النظام السوري توازنه وينهار لتذهب البلاد بعدها إلى حالة من الخراب أسوأ بكثير من حال العراق الحالي. وما يجعل هذا الخطر حسياً أكثر في هذه اللحظة هو موقف القوى المعارضة السورية التي تنتظر باستهتار هذه اللحظة بفارغ الصبر، ظانةً أنها ستتمكن بعدها من امتطاء عنق التاريخ فارضةً عليه إرادتها التأملية.


وائل سواح: الاستبداد وانقسام المجتمع


تواجه سوريا الآن خطرين متشابكين ومتراكبين: الاستبداد وانقسام المجتمع. أما الخطر الأول فهو خطر مقيم منذ أكثر من أربعة عقود. وهو يحمل بذور كل الأخطار الأخرى التي تتهدد البلد، نظراً لتمكنه من بنية سوريا الاجتماعية والسياسية، ولطول أمده ولانسداد آفاقه الاقتصادية والتنموية ولإفلاسه من إمكانية تطوير المجتمع ولكونه يقوم على انتهاك الحقوق الفردية كما الاجتماعية، ولكونه العائق الأساسي أمام تطور مجتمعنا وأمام تملكنا لحقوقنا الفردية التي نتمسك بها جميعها.
أما الخطر الثاني فهو خطر انقسام المجتمع على نفسه. وهذا الخطر نراه في مظاهر الحسابات القومية والدينية والطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة. وهو خطر ربما كانت له أرضيته القديمة، وربما كان على الأرجح وليداً لسياسات النظام الطائفية، إلاّ أننا لا نستطيع أن ننكر التأثيرات الخارجية وخاصة الحدث العراقي الذي أظهر أسوأ ما في بنية المجتمع العراقي من انغلاق وتعصب وتمحور قومي وطائفي بغيض.
وأخطر أشكال التعصب الديني والطائفي هو تعصب الأغلبية العددية الذي يدفع الفئات القومية والدينية الأخرى إلى القلق والتخوف مما يؤدي إلى انغلاقها وانكماشها وابتعادها عن الانخراط في الشان العام وإخلاء الساحة للأغلبية باعتبارها <<صاحبة السيادة>> بالمعنى العددي.
إن إنهاء الاستبداد وتجنب الانزلاق في هاوية الانقسام المجتمعي مهمة مركبة لا يقدر عليها سوى برنامج ديموقراطي قائم على أساس مدني علماني يفصل الدين عن مؤسسات الدولة وعن السلطة، ويعيد سوريا إلى شعارها القديم: الدين لله والوطن للجميع.
تم تسلسل الأجوبة حسب تاريخ وصولها لمعد الملف.