السلطات السورية ومواطنوها: تهم تدعو إلي الرثاء

ميشيل كيلو القدس العربي

 


ما أن صدر إعلان دمشق، حتي سارع صوت ليبرالي الي اتهام بعض موقعيه في وطنيتهم، ولفت الأنظار الي توافق صدوره مع تقرير لجنة ميليس.
كالعادة، لا يقول لنا هذا الصوت أي معلومات حول من يشكك فيهم. ولا يذكر وقائع تؤكد صحة مزاعمه، بل يسير علي خطي السلطة، التي دأبت طيلة السنوات الثلاثين الماضية علي اتهام الجميع، دون أن تكلف خاطرها وتقدم ما لديها من أدلة ضد أحد منهم. وقد تعاظم سلوكها هذا في الأعوام الخمسة الماضية، بعد ذلك اليوم المشؤوم، الذي التقي فيه مسؤول كبير مع أساتذة وطلبة جامعة دمشق، واتهم لجان إحياء المجتمع المدني بالتحرك من أجل تمكين اليمين الإسرائيلي من شن ضربة عسكرية ضد سورية، بعد ستة أشهر، عقب الانتخابات التي ستطيح حزب العمل وستأتي باليمين الي الحكم. كانت اللجان تتبني آنذاك برنامج مصالحة وطنية وتطالب بتغيير ديمقراطي وإصلاح ينجزه النظام، وبما أن السلطة كانت ترفض التغيير والإصلاح ـ كما اتضح خلال الحقبة التالية ـ فإنها لم تناقش هذا البرنامج، ولم تتخذ موقفاً رسمياً منه، بل سارعت الي خطابها الاتهامي المألوف، الذي فبرك مسألة توقيت واستنتج منها أن هناك اتفاقاً بين اللجان وبين حكومة إسرائيل القادمة. لم يفهم أحد آنذاك منطق المسؤول: إذا كان للجان علاقة بالعدو، فلماذا لا تتفق مع حكومته الراهنة، وما الحكمة من انتظار نجاح اليمين في الانتخابات، إذا كان غير مؤكد؟ حين سأل أستاذ جامعي عن هذه المسألة، هرب المسؤول من الجواب الي حديث عن جزأرة سورية، الذي ستنجزه اللجان، وحين استفسر أحدهم عن الطريقة التي سيتم بها ذلك، وذكره بأن اللجان تدعو الي مصالحة وطنية يسهم فيها النظام، وإلا فإنها لن تتم، رد عليه بحديث طويل عن الخطر الصهيوني!
واليوم يتكرر السخف ذاته، وتتكرر التهم عينها، لكنها لا تشمل جميع موقعي إعلان دمشق، لأن تجربة السنوات الخمس الماضية نزهتهم عن تهمة التلاعب بالوطن ووحدته ومصالحه، وإنما تقتصر علي بعض من وقعوا الإعلان، وعلي توقيت إصداره بالتوافق مع تقرير ميليس هذه المرة.
إذا كانت السلطات السورية تملك أدلة تتصل بوطنية بعض مواطنيها، فلماذا لا تصدر مذكرات قضائية ضدهم وتحاكمهم؟ لماذا تكتفي بالتهم ولا تحاسبهم قانونياً، كما يحدث في جميع بلدان ودول العالم؟ إذا كانت سورية مستهدفة، وهي مستهدفة، وكان بعض مواطنيها يتواصلون مع الأجنبي الذي يستهدفها، ألا تكون سلطتها عديمة الوطنية، إن قصرت في فضح هؤلاء ومعاقبتهم؟ يجب أن تضع السلطة الأمور في نصابها بصورة رسمية وعلنية، وإلا كان عليها الامتناع عن دفع أتباعها الي النيل من سمعة مواطنيها، الذين سجلوا في إعلان دمشق تصميمهم علي مقاومة أي تدخل أجنبي في وطنهم، ورفضهم إدخال أي عنصر أجنبي الي الحقل السياسي الوطني، أو الي علاقات أطرافه.
يطلع علينا المسؤولون بإعلانات تؤكد براءتهم من قتل الحريري، ثم ترتعد فرائصهم كلما ذكر أحد لجنة ميليس، رغم أنهم يؤكدون أنه لم يصل الي شيء وتبهدل بقصة زهير الصديق. كيف نفسر هذه التناقضات، ولماذا يخشي سادتنا تحقيقاً يزعمون أن بوسعهم دحضه لأنه فارغ وملفق؟ سيقولون: إنه تقرير مسيس. فهل يعني تسييسه أن من حقهم اتهام مواطنيهم بالتآمر عليهم، مع أن ميليس لم يخبر بعد أحداً بما فيه، ومع أن المعارضة الداخلية أحجمت حتي اللحظة عن اتهام أي مسؤول سوري في قضية الحريري؟ لو كان المعارضون متآمرين مع ميليس، لكانت اتهاماتهم جزءاً من تسييس تحقيقه، ولما نأوا بأنفسهم عن أخذ أي موقف من موضوع الحريري غير الموقف العام، الذي يدين قتله. يقول واحد من أصوات نادرة رفضت الإعلان، إنه صدر في توقيت مشبوه هو قرب صدور تقرير ميليس، ويتجاهل حقيقة معروفة هي أن الحوارات حول الإعلان تجري منذ ستة أشهر. ماذا كان صاحب الصوت سيقول، لو أن الإعلان صدر يوم بدأت الحوارات، قبل ميليس ولجنته الدولية؟. يقيناً إنه كان سيتهم مصدريه بإعلانه في توقيت مشبوه هو خروج الجيش السوري من لبنان، أو مقتل الحريري، أو الهجوم الامريكي علي الفلوجة، أو هجمات إسرائيل علي قادة حماس، أو كارثة تسونامي أو عدم وجود أي مناسبة!
ثمة تناقض يسم موقف محبي الوطن هؤلاء: أكانوا داخل السلطة أم خارجها. إنهم يتذرعون بوجود خطر علي الوطن كي يدعوا مواطنيهم الي الامتناع عن المشاركة في حمايته، بدل أن يدعوهم الي المشاركة في الدفاع عنه. يقول هؤلاء: إن للسلطة وحدها حق حماية البلد، فإن أراد أحد مشاركتها فيه، كان مشبوهاً ومتآمراً علي السلطة وعليه. وبما أن إعلان دمشق يري أن التحدي الخارجي أكبر من قدرات السلطة، وأن رده يتطلب مشاركة المجتمع في الدفاع عن وطنه، فإن أصوات المكلفين بحب الوطن تتهم بعض موقعيه بانعدام الوطنية والذين أصدروه باختيار توقيت مشبوه هو وجود خطر يحدق به!
هل يحق لأحد إدانة مواطن سوري لأنه يريد الدفاع عن بلده؟ وهل من الوطنية في شيء تخويفه وإجباره علي الوقوف جانباً، بينما جزء من وطنه تحت الاحتلال منذ قرابة أربعين عاماً، وأجزاء أخري عرضة لخطر أكيد؟