بكائية من أجل السوريين واللبنانيين  

 حسين العودات - البيان

تصاعدت تصريحات بعض السياسيين في لبنان وسوريا مطالبة بإنشاء سفارة لكل بلد في البلد الآخر، وغالى بعض هذه التصريحات فلمّح إلى ضرورة حصول المواطن السوري أو اللبناني على سمة دخول إذا أراد زيارة البلد الآخر، إضافة إلى أن مسألة إعادة ترسيم الحدود وضعت بين يدي مجلس الأمن الذي أخذ يصر عليها بدوره،

ووصل الأمر بالبعض أن طالب بمرابطة قوات دولية على حدود البلدين، ومع أن هذه التصريحات (المطالب) تبدو عادية بين أي بلدين لكنها ليست كذلك بين سوريا ولبنان، ولعلها من غرائب آخر الزمن.

لم تكن دولتا سوريا الحالية ولبنان الحالي موجودتين على الخارطة حتى اتفاقية سايكس بيكو التي بدأ تطبيقها عام 1920 وقسمت بموجبها بلاد الشام إلى عدة كيانات سياسية،

وحتى بعد قدوم الانتداب الفرنسي فعلياً لم تكونا كذلك إلى أن قرر الفرنسيون إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1926 وضموا بموجب هذا القرار أربعة أقضية من سوريا إلى لبنان وجعلوه دولة ذات كيان سياسي مستقل، ورفض سكان هذه الأقضية وغيرهم من سكان لبنان عملية الضم هذه وطالبوا بالوحدة مع سوريا،

ثم حصل اتفاق (صفقة) بين اللبنانيين مفادها أن يقبل المنادون بالوحدة مع سوريا بالكيان الجديد مقابل المحافظة على انتماء لبنان العربي والعمل على استقلاله عن فرنسا (الأم الحنون)،

وبقيت الجمارك موحدة والنقد كذلك حتى مطلع خمسينات القرن الماضي، حيث قررت الحكومة السورية القطيعة الاقتصادية بين البلدين لأسباب عديدة تتعلق بالتطور الاقتصادي المنفصل في لبنان وسوريا وتأسيس مصرفين مركزيين وجمارك لكل منهما،

ومع ذلك بقي التنقل بينهما لايحتاج سوى للبطاقة الشخصية كما بقيت العلاقات بين الأسر قائمة بين جانبي الحدود التي قسمت هذه الأسر إلى قسمين، واستمر الناس فعلاً شعباً واحداً في بلدين.

وظلت دمشق والمدن السورية الأخرى المجاورة تشهد تدفق آلاف اللبنانيين عليها أيام الآحاد كما استمرت بيروت وشتورا تشهدان تدفق آلاف السوريين أيام الجمع حتى مطلع العام الحالي حيث اغتيل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وبدأت بذور الشك والخوف تزرع هنا وهناك، وتنتشر الإشاعات بفعل فاعل عن مزاعم الاعتداءات التي يتعرض لها الزائر للبنان ولسوريا،

ولم يكن الأمر صحيحاً البتة، فالناس هم الناس، هم الأهل والأقرباء وأبناء الشعب الواحد، وطويت صفحة (شعب واحد في بلدين) و(سوا ربينا) والشعارات الأخرى المماثلة التي كانت محط نفاق السياسيين وبعض الصحافيين، الذين جردوها من محتواها الحقيقي ووظفوها طوال ثلاثة عقود لمصالح سياسية (وتكتيكية) حتى غدت بلا طعم ولا هدف لها سوى تبرير ما لا يبرر، وانقلبوا عليها الآن ليستبدلوا بها التشكيك والتحريض والإشاعات، ومن يعلم فقد يكون لهم دور في الممارسات السلبية أيضاً؟.

بين النظامين السوري واللبناني الآن ما صنع الحداد، وكل يستغل أية مناسبة ليدين الآخر أو بعضه، ويتربص بالآخر أو بعضه، ويتحفز للانتقام عندما تلوح الفرصة ومطلوب من الناس في هذا الطرف أو ذاك أن ينقسموا بعضهم على البعض الآخر، وأن يتهيأ كل منهم لعداء الآخر، حتى خلت بوابات الحدود بين البلدين أو كادت من المسافرين بعد أن كانت تزدحم بآلاف منهم،

وخلت شوارع المدن السورية من السيارات اللبنانية والمدن اللبنانية من السيارات السورية، وصار كل من له حاجة في البلد الآخر يسأل مسبقاً عن أمان الزيارة قبل تنفيذها، ويندهش الزائر إذا ما زار البلد الآخر من أن الحال مازال هو الحال رغم اختلاف الحكام

وأنه مرحب به في كل مكان وأن اختلاف الحكام والسلاطين هذا لن يفسد علاقات الناس الودية وتشابك مصالحهم، وبدأ كل من الشعبين يدرك أن العلاقات الشعبية والعائلية مازالت كما هي رغم إلحاح بعض السياسيين على صب الزيت على النار ورش السكر فوق الموت، ومازال الذين يؤسسون لقطيعة جديدة يصرون على تحقيقها بدأب ويسعون لنقل خلافات القيادات السياسية والحكومات إلى الناس الذين لا يريدون أن يختلفوا.

إن قسماً كبيراً من العائلات اللبنانية هو من أصول سورية ومازال نصفه الثاني يقيم فيها، وهناك عدد كبير من العائلات السورية من أصول لبنانية مازال نصفهم الثاني يقيم هناك، حتى أن بعض العائلات لها مقابر مشتركة تقع في هذا البلد أو ذاك،

ويقيم اللبناني في سوريا دون الحاجة لوثيقة إقامة كما يقيم السوري في لبنان متى أراد دون موافقة أحد، فكيف يمكن للسياسيين ضيقي الأفق شديدي التمسك بمصالحهم أن يفرقوا ما جمعه الله والتاريخ، وان يعيدوا فصل الأملاك والمقابر وتقسيم ما لا يقسم؟‍.

اتفق سايكس الإنجليزي وبيكو الفرنسي على تقسيم بلاد الشام إلى مزق أسسوا عليها دولا ًقبل أكثر من ثمانية عقود، ومنذ ذلك الوقت يحتج شعب هذه البلدان على نتائج تلك الاتفاقية ويشجبها ويحمّلها بحق معظم المشاكل والصعوبات القديمة والحديثة،

ولا يرى في حدود هذه الدول سوى خطوط ورقية اصطلاحية لا تستحق الاعتراف بها، فلا هي خطوط جبال مثلاً وليست ودياناً أو بحاراً، ونتائجها مبكية مضحكة إذ فصلت بعض القرى عن أراضيها الزراعية وقسمت العائلات بل والأسر إلى قسمين كل منهما في دولة.

وقد أخذت الأحزاب والتيارات السياسية في بلاد الشام مشروعيتها ليس فقط من رفض هذه الاتفاقية بل أيضاً من طرح شعار الوحدة العربية (والقومية العربية) كخشبة خلاص لقضايا الأمة وتحقيق وحدتها وتطورها وأخذت تعتبر سيادة الدول المنبثقة عن سايكس بيكو مطلقة،

وبدلاً من أن توحد المجزأ أخذت تقسم المقسم وتتجاهل الواقع التاريخي والموضوعي بل ومعطيات عصرنا الذي لا عيش فيه إلا للأمم الكبرى أو التجمعات الإقليمية، وأخيراً صار الدمشقي يرى بيروت التي لا تبعد أكثر من مئة كيلو متر وكأنها في آخر الدنيا وكذا الأمر بالنسبة للبيروتي،

وتصبح الملهاة ـــ المأساة أكثر فجاجة إذا ما تقرر في نهاية الأمر فرض سمة دخول مسبقة بين البلدين أو تمركزت قوات دولية على حدودهما المشتركة تفصل بين الشعوب والعائلات والأسر، يبدو أننا فعلاً على أبواب يوم القيامة.

هل نحن مضطرون للأسف على الإمبراطورية العثمانية والسلطان عبد الحميد عندما لم تكن حدود قائمة بين الولايات؟ أم نحن مخدوعون بشعارات الاستقلال والتحرر والوحدة والقومية والأقطار الشقيقة والأخوة... حيث أصبح دون كل ذلك خرط القتاد؟!.