خيارات عربية إزاء الحالة السورية

د. محمد السيد سعيد - الاتحاد

لا أحد يعرف كيف تنتهي الأزمة السورية التي تفجرت بإعلان تقرير ميليس ولكن أحد السيناريوهات مفزع بالفعل السيناريو الذي نتحدث عنه يبدأ بدعوة مجلس الأمن لتسليم المتهمين الذين يشتبه التقرير في قيامهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، لمحكمة دولية خاصة تعقد في جنيف أو لاهاي أو إحدى العواصم الأوروبية الأخرى وفي غضون التحقيقات أو المحاكمة الفعلية للمتهمين المباشرين، يورط بعضهم الرئيس بشار ذاته في العملية، فتطلب المحكمة مثوله أمامها ومن ثم محاكمته!
هذا السيناريو يمثل أقصى أحلام الصهاينة والعنصريين المعادين للعرب في أميركا وكثرة من الدول الغربية أيضا، وسوف يمثل نكسة وإهانة أشد خطراً من كل ما سبقها من نكسات وإهانات ومحن للهوية العربية، بل وسيقود حتما إلى نتائج مرعبة بالنسبة للعلاقات العربية مع العالم ومع أميركا وأوروبا بعض هذه النتائج تضاعف الكراهية والرفض للحضارة الغربية، وللنظام العالمي ومضاعفة التطرف العربي في مواجهتهما سواء عبر إيديولوجيات دينية أو قومية وبعض هذه النتائج ستتجسد في مزيد من النكسات للقضية الفلسطينية، ولقضايا العرب السياسية الأخرى
ولهذه الأسباب لا يملك أي بلد عربي أن يتجاهل القضية أو أن يتعامل معها وكأنها قضية سورية أو مجرد قضية دولة أخرى صحيح أن النظام العربي وصل إلى مستوى غير مسبوق من التهافت، وأن الأجندة الداخلية والدولية لكل دولة على حدة مثقلة بالأعباء والمشكلات التي تستنفد طاقتها وتتجاوز قدراتها وما قد يكون لديها من الأوراق العملية الضاغطة، ولكن نجاح السيناريو الذي يضغط لتطبيقه الاستعماريون الجدد في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية سينتج إغراءً لا يقاوم لتطبيقه على سوريا وربما كل الدول العربية الأخرى بتنويعات متباينة هذا هو ما أخفقت سوريا ذاتها في فهمه عبر إدارتها العجيبة للصراع وللأزمة وخاصة في سياق علاقتها بلبنان منذ اتخذت قرار التجديد للرئيس لحود ضد كافة النصائح بعكس ذلك
وأمام الدول العربية أكثر من اختيار للقيام بعمل سريع لإجهاض سيناريو الاصطياد الزاحف لسوريا وصولا إلى الاحتمال الأسوأ، والاختيار القائم الآن هو تنشيط دبلوماسية الوساطة التي بدأتها مصر والمملكة السعودية دون أن تحقق الكثير حتى الآن ويعني التنشيط أن تحصل مصر وسوريا على ترخيص صريح من عدد كبير من الدول العربية الأخرى بالتحدث مع واشنطن وباريس حول القضية بقصد حلها أو على الأقل وضع ''سقوف'' واضحة ونهائية للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في الضغط على سوريا وإهانتها أما الاختيار الثاني التقليدي وهو عقد قمة عربية جماعية، فلا يبدو واعدا بأكثر من الخطب التقليدية التي تجمع بين البلاغة والتحريض فيما يتعلق بواشنطن وهناك اختيار أكثر عملية وهو عقد ''قمة للراغبين'' أو قمة مصغرة وقد يكون من الأنسب أيضا أن تعقد قمة عربية مصغرة يتم فيها وضع تصور لإدارة الأزمة ثم الحصول على مباركة الدول العربية الأخرى، أو الحصول على ترخيص عربي عام لمصر والسعودية وربما دولة أو دولتين أخريين مثل الإمارات والجزائر بالتفاوض مع الأميركيين لإنهاء الأزمة
أما المشكلة الأهم فهي ماذا يمكن أن يكون المخرج من الأزمة الراهنة يتعلق هذا السؤال بجانبين للموضوع: راهني وعام؛ فبغض النظر عن النوايا الأميركية التي نعرف أنها تتمثل في اصطياد سوريا وإطاحة نظامها السياسي وإضعافها في مواجهة إسرائيل، فالصعوبة الحقيقية في الأزمة بمستواها الراهن هي أنها تتعلق بتحريك آلية ما للعدالة في التعامل مع قضية اغتيال رئيس وزراء وقيادة عربية مرموقة ولا يمكن لأي عربي مسؤول أن يتجاهل أو يتعالى أو يجاهر بالاعتراض على آلية من آليات العدالة حتى لو كانت آلية دولية فالادعاء المتضمن في تقرير ميليس يجعل القضية داخلية لبنانية، ودولية أيضا ولكن ما أن تتحرك هذه الآلية، والمرجح أن تكون محكمة دولية خاصة -حيث إن الأميركيين يعترضون من حيث المبدأ على المحكمة الجنائية الدولية- فلا يمكن التحكم أو مجرد التنبؤ بمسارها لأنها ستكون بيد قضاة، بغض النظر عن جنسياتهم أو مهنيتهم أو حيادهم السياسي ولكن مهما كانت ضرورات العدالة بمعناها الجنائي فهي قد تنتهي إلى ''كارثة سياسية'' بالمعنى الذي أشرنا إليه من قبل ولو أن هذا المسار انتهى إلى طلب محاكمة الرئيس السوري فلن يصدق أي عربي أن المحاكمة كانت مهنية أو نزيهة ولن يكون من الممكن نسيان ما تمثله من إهانة قومية لعقود مقبلة المصالح السياسية للعرب والعالم لا تقل أهمية عن العدالة الجنائية بذاتها حتى لو طبقت كل معايير العدالة ومن ثم فالمعضلة الحقيقية هي أن ثمة قدرا من التعارض بين ضمانات العدالة فيما يتعلق بقضية اغتيال رئيس وزراء عربي متهم فيها - وفقا لتقرير دولي تعتمده الأمم المتحدة- مسؤولون عرب في دولة أخرى، وبين المصلحة السياسية الجماعية للعرب بل وللعالم، وهي مصلحة تحتم إيجاد حل سياسي للقضية وليس حلا قانونيا فالعرب سيشعرون حتما بالظلم والإهانة، ويرجح أن تنتهي المسألة بنبوءة صراع الثقافات أو الحضارات، وهو أمر يتعارض مع مصالح الإنسانية كلها
ماذا يمكن أن يكون الحل السليم لهذه المعضلة أو هذا التناقض بين العدالة القانونية والحكمة السياسية والثقافية؟ أعتقد أن الحل السليم على المدى المباشر والذي يمكن أن تتبناه وساطة عربية هو أن تتم محاكمة المتهمين بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس الحريري أمام محكمة سورية يحضرها مراقبون دوليون فعلى الأقل يمكن إبعاد الرئيس - الذي هو رمز الدولة السورية- عن المحاكمة الدولية المحتملة وحتى لو لم تكن معايير المحاكمة في هذه الحالة مقبولة دوليا بصورة كاملة ستكون قد منحت العالم فرصة للتفكير وفرصة لإنقاذ العلاقات العربية الدولية من نكسة ثقافية وسياسية مروعة قد تستمر ذكراها ونتائجها السلبية لعقود مقبلة من الزمن
هناك جانب أبعد غورا للأزمة وهي تخضع لمناهج التحليل المتباينة والمتصارعة، ولكنها تتعلق بمبدأ حكم القانون على المستويين الدولي والداخلي في العالم العربي فالعدالة الدولية محجوبة عن كل سوريا باستمرار احتلال أراضيها ومحجوبة عن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية كافة بالاستمرار في التحيز لإسرائيل ومنحها استثناءً من ضرورة الامتثال للقانون الدولي وفي نفس الوقت فحقوق المواطنين السوريين لا زالت محجوبة بـ''القانون وخارج القانون'' كما هي في معظم البلاد العربية الأخرى وهناك علاقة وطيدة بين إهدار العدالة الدولية وإهدار حكم القانون وحقوق الإنسان في الداخل العربي ولا يتوقع أحد تقريبا أن تبادر أية قمة أو أية حكومات عربية باتخاذ قرار قوي وجازم بإنهاء هذا الوضع الاستثنائي الذي يعيش معظم العرب في ظله ويبدو أن إهانة العرب دوليا لن تنتهي قبل أن توضع نهاية حقيقية لإهانة العرب داخليا وعلى يد حكوماتهم ولكن هذه عقدة أخرى من بين عقد كثيرة في حياتنا العربية المعاصرة أو البعيدة تماما عن روح العصر