الأبعاد القانونية والسياسية للقرار 1636

خليل حسين- السفير

 

لقد بات واضحا ان صدور القرار 1636 بهذا الشكل والمضمون لم يكن سوى قيمة اضافية للبيئة القانونية والسياسية التي رسمتها مجموعة القرارات الصادرة قبلا، بدءا بالقرار 1373 و1566 مرورا بال 1559 و1595 وصولا الى 1614. كما أصبح من باب اولى تفسير صيغة القرار الاخير على انه مقدمة لسلسلة قرارات آتية تترجم الصيغة التنفيذية لخارطة الطريق الاميركية التي رسمتها للمنطقة بعد احتلال كل من افغانستان والعراق بحيث لم يعد سوى سوريا ولبنان والملف النووي الايراني خارج اطار النفوذ الفعلي لمشروع الشرق الاوسط الكبير. وعليه فإن القرار 1636 يبدو مشروعا متطابقا للعديد من المحاولات الاميركية السابقة كقانون العقوبات على سوريا وصولا الى مشروع القانون الاميركي لتحرير لبنان وسوريا الذي طرح في الكونغرس الاميركي في نيسان الماضي. وعلى الرغم من ان الاهداف المعلنة للقرار هي جلاء الحقيقة لجريمة العصر، وهو مطلب يُجمع اللبنانيون عليه كما العالم بأسره، فإن خلفياته ومراميه البعيدة المدى من الصعب فصلها عما يؤسس للمنطقة بوتيرة متسارعة. فما هي المعطيات التي ساهمت في صدور القرار بهذا الشكل؟ وما هي الصيغ الواردة فيه شكلا ومضمونا؟ والى اي مدى يمكن ان يساعد في كشف الحقيقة وبالتالي الى أين تسير المنطقة؟
ثمة جملة اعتبارات وعوامل مختلفة ومتنوعة أسهمت في إيصال الامور الى ما وصلت اليه، بدءا بالضغوط المتواترة على المنطقة مرورا بالسياسات السورية المعتمدة في بعض الملفات الاساسية والفرعية وصولا الى اثر هذه السياسات واسقاطاتها في الساحة اللبنانية وما نتج عنها لاحقا بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفي هذا الاطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات منها:
لم تعد أهداف وثيقة الأمن القومي الاميركي خافية على احد فهي وان بوشر في تنفيذها علنا بعد 11 ايلول 2001 الا ان جذورها تعود الى ما قبل ولاية جورج بوش الابن، وبهذا المعنى ان الضغوط التي تراكمت على المنطقة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي تعبّر بشكل او بآخر عن فشل مشروع الشرق اوسطية الداعي الى ادخال اسرائيل ضمن نظام اقليمي ينهي النظام الاقليمي العربي، وبهذا المعنى ايضا اتى المشروع الاميركي للاصلاح ونشر الديموقراطية في اطار مسعى مواز لمشروع الشرق الاوسط الكبير الذي مانعته كل من سوريا وايران ولبنان، الامر الذي دفع واشنطن للعمل بقوة لازالة العقبات بدءا بالضغوط السياسية والاقتصادية وصولا الى التلميح بقلب الانظمة ولو عسكريا اذا اقتضى الامر كما حدث في افغانستان والعراق.
على الرغم من وضوح السياسات الاميركية في المنطقة ظلت القوى الرئيسية في المنطقة تعمل في نفس عدة الشغل اذا جاز التعبير رغم تغير الظروف والموازين. ومن تلك القوى سوريا. وبصرف النظر عن القدرة او الرغبة في تحسين وتطوير اساليب العمل في العلاقات الدولية والاقليمية وبخاصة في الساحة اللبنانية فإن دمشق استمرت في تعاطيها مع الملفات اللبنانية بطريقة يسهل استغلالها لغير مصلحتها، اي بمعنى ان الكثير من الملفات التي تضررت منها ولم تكن مستفيدة ايضا منها ألصقت نتائجها بها وفي مقدمها جريمة الاغتيال وتداعياتها المختلفة كخسارة الورقة اللبنانية وما لها من ثقل استراتيجي في السياسة الخارجية السورية.
في لبنان المعني الرئيسي بنتائج هذه السياسات وآثارها، فقد تجمعت على مدى ثلاثة عقود أخطاء بما يكفي لايجاد بيئة قوية لقلب موازين قوى حاولت دمشق جاهدة فرضها منذ العام 1991، حتى أتت جريمة الاغتيال لتكون الشعرة التي قسمت ظهر البعير. ورغم التموضع السياسي الناشئ فقد اجتمع اللبنانيون على وجوب كشف حقيقة الاغتيال وربما سيفترقون حول خلفيات الاغتيال ومن بينها المواقف من القرار 1636.
وفي المقلب الآخر حيث اسرائيل المعتادة على استثمار أخطاء العرب، تمكنت هذه المرة ايضا من استثمار فرصة العمر بوضع نفسها فوق الشبهات في جريمة الاغتيال بل باتت مصدرا موثوقا للمعلومات ومكانا لا تحوم حوله الشبهات.
وإذا كانت هذه المعطيات التي أسهمت في صدور القرار فما هي حيثياته شكلا ومضمونا، وما هي آثارها العملية في كل سوريا ولبنان. في هذا الاطار يمكن ادراج بعض النقاط، ابرزها:
بعد سلسلة مشاورات اقليمية ودولية منها العربي ومنها الروسي والصيني وربما الايراني مع بكين لما لها من عقود نفطية تقدر بسبعين مليار دولار، تجاوز مجلس الامن صيغة القرار الاصلي، وتوصل الى قرار لم يصل الى حد فرض العقوبات على دمشق وانما أبقى السيف مصلتا ومرهونا بمدى التعاون السوري الذي يجب ان يكون غير مشروط وفقا لمتطلبات قرار مجلس الأمن.
ورغم ان العقوبات لم ترد في نص القرار الا ان الصياغة التي اتت بها بعض البنود تشير الى تهديد يُستشف منه ان المتابعة اللاحقة ستكون اشد قسوة واكثر فعالية. فالقرار وفقا لمنطوقه اتى ضمن الفصل السابع من الميثاق الذي يستوجب تطبيقه بالقوة اذا لزم الامر ولا يتطلب موافقة الدولة صاحبة العلاقة به. وعلى الرغم من ان الصيغة الاساسية كانت قد استندت في الفقرة الأخيرة الى ان هذا القرار يستند الى المادة 41 من الميثاق، اي التدرج في العقوبات بدءا من الاقتصادية مرورا بقطع الاتصالات البرية والبحرية والجوية وصولا الى قطع العلاقات الدبلوماسية، فإن الصيغة الاصلية ايضا والتي صُرف النظر عنها كانت ترمي بشكل او بآخر الى المادة 42 من الميثاق، اي استعمال القوة للتنفيذ وهي اشد انواع التنفيذ ضد اي دولة تهدد السلم والامن الدوليين كما جاء في العديد من فقرات القرار.
وللتأكيد على ما سبق لجهة نية مجلس الامن التشدد في هذا المجال، ما استند اليه القرار كذلك في ديباجته من الاشارة الى القرارين 1373 لعام 2001 و1566 لعام 2004 المتعلقين بالاعمال الارهابية وتهديد الامن والسلم الدوليين، واللذين يجبران جميع الدول المنضمة الى الامم المتحدة كما التي خارجها بوجوب تقديم كل التسهيلات الممكنة لتطبيق اي عقوبات يمكن ان تُفرض استنادا الى هذين القرارين.
لقد صدر القرار بإجماع اصوات الدول الخمس عشرة رغم ما حكي عن معارضة كل من بكين وموسكو لمشروع القرار الأساسي. وعلى الرغم من موافقة هاتين الاخيرتين في التصويت الا ان الامر كان مشروطا بوجوب التعاون السوري مع لجنة التحقيق ودون شروط، ما يشير الى عدم امكانية استمرار الدعم الروسي والصيني لسوريا لاحقا.
ان المدة الممنوحة عمليا لدمشق في هذا السياق هي مهلة وجيزة لا تتجاوز الخامس عشر من كانون الاول القادم، وهي مهلة ضاغطة بحيث يصعب تصور اي تضييع للوقت وسط ضغوط البنود الباقية ومطالبتها الدقيقة التي لا تحتمل التأويل او التفسير، كما ان المهلة نفسها ربما تكون أقصر من ذلك في حال كان تقييم سلوك سوريا سلبيا من قبل اللجنة. وعلى اي حال فهو بمثابة إنذار أخير.
لقد وضع هذا القرار سوريا في عين العاصفة بعدما تبنى مجلس الامن تقرير لجنة التحقيق الدولية وما أتى به، لجهة الاشتباه الذي يصل الى حد الاتهام وبذلك يعتبر القرار بمثابة القرار الظني الذي يستوجب المتابعة من اجراءات تحقيق وغيره كما ورد في المادة الثانية. ورغم ذلك فالقرار اشار في الفقرة الرابعة من الديباجه الى <<ان التحقيق لم يتم الانتهاء منه بعد>>.
ان اخطر ما ورد في القرار وضع سوريا في طريق التدويل المتقاطع مع مظاهر نزع السيادة، ذلك ما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثالثة عبر اقامة شكل من اشكال الانتداب اللبناني على سوريا، فهو إذ يطالب بمنع سفر اشخاص او تجميد اموالهم يحيل تحديد هوية هؤلاء على <<اللجنة>> او <<الحكومة اللبنانية>> وهو ما يعتبر ايضا ربط نزاع يضاف الى سلسلة مشاريع الاشكالات في العلاقات اللبنانية السورية القائمة حاليا.
ومن مظاهر امكانية اختراق السيادة او الأماكن ذات الطابع السيادي، ما ورد في المادة الحادية عشرة لا سيما الفقرة (ب): <<يكون للجنة، في علاقاتها بسوريا، نفس الحقوق والسلطات المذكورة في الفقرة 3 من القرار 1595 2005>>، اي <<في سبيل ضمان فاعلية اللجنة خلال اضطلاعها بمهماتها، يجب ان تحظى اللجنة بالتعاون الكامل من السلطات السورية، بما في ذلك الوصول الكامل الى كل المعلومات والأدلة من وثائق وافادات ومعلومات وأدلة حسية متوافرة في حوزتها وتعتبرها اللجنة ذات صلة بالتحقيق>>. و<<تملك اللجنة سلطة جمع اي معلومات وأدلة اضافية، من وثائق ومعلومات وأدلة حسية على حد سواء، ذات صلة بهذا العمل الارهابي، وكذلك مقابلة كل المسؤولين والاشخاص الآخرين في سوريا، عندما ترى اللجنة ان المقابلة ذات صلة بالتحقيق>>. و<<تتمتع اللجنة بحرية التنقل في كامل الاراضي السورية، بما في ذلك الوصول الى كل الاماكن والمنشآت التي ترتئي اللجنة انها ذات صلة بالتحقيق>>.
ان مقاربة النصوص الواردة في القرارين 1595 و1636 تظهر التشدد الواضح في الثاني مقارنة بالاول، علاوة على ان الاول قد حفظ ولو شكليا احترام السيادة اللبنانية في معرض تنظيم عمل اللجنة، فيما الثاني لم يشر الى هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، بل اكتفى بتحديد كيفية التعاون من قبل سوريا مع اللجنة عبر الاحالة على المادة الثالثة من القرار 1595 مع إسقاط اي اعتبار للسيادة.
ومن حيث الصلاحيات التي تعتبر استثنائية على حساب السيادة السورية ما أعطي للجنة، وهي بوصفها لجنة لا نظام داخليا لها ولا آلية عمل محددة بل فريق عمل اشهرهم رئيسه، ما يعزز الانطباع بأن سلوك اللجنة ربما يكون مرتبطا بأمور اخرى وربما تخرج ايضا عن نطاق تحكمها او التأثير فيها.
لقد رتب القرار سندا هاما للبنان في تغيير البيئة الامنية والقضائية التي سادت قبلا، فقد اقر في الفقرة السادسة من الديباجة توصية لجنة التحقيق لجهة <<الحاجة الى استمرار تقديم المساعدة الدولية الى السلطات اللبنانية ومعاونتها على كشف كل خفايا هذا العمل الارهابي>>. وتضيف نفس الفقرة: <<بأنه من الضروري ان يقوم المجتمع الدولي بجهد متواصل لاقامة برنامج للمساعدة والتعاون مع السلطات اللبنانية في ميدان الأمن والعدالة>>.
لقد اتى القرار بصيغ مُحكمة ومتشددة بحيث يصعب التفلت من الالتزامات المفروضة فيه لجهة التعاون والمدة، وعليه فإن التعاطي مع كيفية التنفيذ ونوعية التعاون يتطلب حكمة وتبصرا بالغين باعتبار ان مرامي القرار ربما تكون له أبعاد كثيرة غير معلنة، واذا كان هناك ثمة وجهة نظر سورية تتوافق مع التوجس من هذه الخلفيات، فإن أبعاد الاخطار تستوجب التعامل بطرائق مختلفة عما اعتادت عليه دمشق سابقا، فلا الظروف الاقليمية ولا الدولية مهيأة لتقديم المزيد من الفرص، كما ان الوضع السوري ليس بموقع قادر على تغيير موازين قوى او فرض تسويات. وفي الجانب اللبناني المعني الأساس بالأهداف الحقيقية للقرار وهي كشف ملابسات الجريمة، يبدو ان الأمر يستلزم دقة متناهية في التعاطي مع مندرجات القرار، بحيث لا يُسمح للاستثمار السياسي ان يكون فاعلا في الاستفادة من تقاطع النية في كشف الجريمة مع المطالبة في الاقتصاص من سوريا على مواقفها وسياساتها الاقليمية، فالدول الصغيرة غالبا ما تدفع الثمن في حسابات الكبار دون الالتفات الى مصالحها الخاصة حتى وان كانت بمستوى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما له من وزن دولي فاق حجم لبنان والمنطقة.
ان سياسة حافة الهاوية المعتمدة في المنطقة منذ زمن بعيد مرشحة للاستمرار بمزيد من الضغوط المترجمة بقرارات دولية كالقرار 1636 وما سيستتبعه لاحقا، وحتى لا يصبح هذا القرار مدخلا لفوضى بناءة في العديد من دول المنطقة على المعنيين به وجوب قراءته بتأن، وترجمة هذه القراءة بمواقف مدروسة توصل الى حقيقة الاغتيال وتبعد فتن الاقتتال.
(
) أستاذ جامعي