خطاب الأسد: سلوك إنتحاري وذرّ للرماد في العيون

صبحي حديدي

القدس العربي

 


لا نعرف مَن الذي خدع الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسي، فأطلق نبوءة ثقيلة حول خطاب الرئيس السوري بشار الأسد علي مدرج جامعة دمشق ظهر أمس، وقال إنّ أمراً في غاية الأهمية سيحصل غداً . ذلك لانّ الأهمية الوحيدة الفارقة في الخطاب المذكور كانت تذكير الشعب السوري بأنّ الأمور علي حالها أو أسوأ في كلّ ما يخصّ مفردات وروحية ومنهجية خطاب الرئاسة من جهة أولي، ثمّ تذكيرهم من جهة ثانية ـ وتماماً كما قال الأسد نفسه ـ بأنّ الله وحده قد يكون حامي سورية من الأخطار الجسام التي تحدق بها، لا لسبب جوهري آخر يفوق ذاك الذي يشير إلي أنّ حكامها ليسوا البتة حماتها بل صنّاع الكوارث التي تصيبها، وقد لا يصحّ فيهم سجع مناسب آخر سوي: حاميها حراميها!
من جانبي أري أمراً بالغ الأهمية لا يقوله الخطاب مباشرة، ولا حتي مواربة أو تلميحاً، هو أنّ الكتلة العائلية الحاكمة التي تخوض معركة البقاء لم تتوصّل إلي تفاهمات في العمق حول أيّة صيغة ممكنة لتطبيق مبدأ الإنحناء أمام العاصفة القادمة، لكي لا نتحدّث عن تقديم تنازلات وأكباش فداء وأضحيات، بغية درء الزلزال. في عبارة أوضح، ولكي لا يبدو عمرو موسي وكأنه استُغفل تماماً، لعلّ الرجل سمع (ربما من الأسد نفسه) أنّ حجم مفهوم التعاون السوري الكامل مع المحقق الدولي ديتليف ميليس يمكن وسوف يشمل تسفير الضباط السوريين الستة المطلوبين إلي المونتيفردي ثمّ سجن رومية في لبنان. ولعلّ آخر جولات التفاوض داخل العائلة الحاكمة كانت قد انقطعت أو انهارت أو توصّلت إلي تقديرات أخري حول نطاق الأضرار، الأمنية والسياسية الداخلية أوّلاً، التي يمكن أن تنجم عن تسفير أحد أبرز أفرادها: اللواء آصف شوكت، صهر الرئاسة ورئيس جهاز الإستخبارات العسكرية.
وحين يرتجل الأسد، أو أيّ مرتجل آخر في الواقع، لا يكون للقاموس في الإرتجال ذات الدلالات التي يمكن أن ينقلها القاموس إياه في النصّ المكتوب مسبقاً، وإلا فكيف يمكن أن نقرأ هذه العبارة المدهشة التي جاءت في خطبة الرئاسة: لن نذهب لقتل أنفسنا، سنعيش هنا ونموت هنا ؟ مَن الطرف الذي لا يزمع الذهاب لقتل نفسه: سورية البلد والشعب أو حتي الدولة بالمعني التقني البيروقراطي للمصطلح، أم دائرة الحكم العائلية التي يضيق عليها الخناق أكثر من أيّ وقت مضي؟ وإذا لم تكن معركة الوجود أو العدم التي تخوضها العائلة اليوم هي الفحوي والخلاصة والمنتهي في هذه البلاغة الكاشفة، فبأيّ معني يمكن حقاً الحديث عن ذهاب سورية لقتل نفسها؟
ثمّ، علي المنوال ذاته في جدل الفارق بين الإرتجال والنصّ المعدّ، كيف لا نفهم المأزق، كلّ المأزق في تراجع الأسد عن بلاغة جيّاشة في التبرئة والتأثيم، كان قد أطلقها قبل عهد قريب في حديثه مع الـ
CNN، حين صنّف في باب الخيانة كلّ سوري يثبت تورّطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري؟ ألا يقول اليوم: فهموا قولي أنه سيكون خائناً فهما خاطئاً ، وكأنه يوحي أنّ للخيانة كما عرضها في حديثه ذاك (ونطق المفردة بإنكليزية عاثرة، فصححتها له كريستيان أمانبور لكي تكون واثقة ممّا تسمع!) مستويات مختلفة في الفهم؟ هل كان كلّ متورّط خائناً قبل نشر تقرير ميليس، ثمّ بعد نشر التقرير وانكشاف التفاصيل بات لكلّ متورّط مرتبة في الخيانة خاصة به، مغايرة متغايرة؟ مرتبة أولي للواء آصف شوكت مثلاً، لعلها نسيج وحدها؟ ومرتبة ثانية للواء بهجت سليمان؟ وثالثة لأمثال العمداء رستم غزالة وجامع جامع وعبد الكريم عباس وظافر يوسف؟
وكيف لا ندرك، نحن السوريين بصفة خاصة، طبيعة الأخطار التي يمكن أن تجلبها هذه العائلة الحاكمة علي بلدنا حين نسمع من الأسد تلميحات ـ في صيغة غمغمة تمزج وعد المقايضة بوعيد الإبتزاز ـ إلي احتمال نقل حريق سورية الداخلي إلي بلدان عربية أخري، لبنان علي رأسها كما للمرء أن يفهم دون كبير عناء؟ وإذا كان القليل من العناء أيضاً هو اللازم لفهم أسباب العنف اللفظي الذي لجأ إليه الأسد في حديثه عن بعض اللبنانيين (تجار دم، نكران الجميل، قلة الأخلاق...) فإنّ التلويح من جديد باحتمالات تكسير لبنان علي رأس اللبنانيين ليس بضاعة مكرورة مستهلكة فحسب، بل هي تلحق الأذي الشديد بمشاعر الاخوّة التي جمعت وتجمع السوريين واللبنانيين. إنها أيضاً، غنيّ عن القول، تذكرة بروحية السلوك الإنتحاري التي تهيمن علي أركان النظام منذ وقت غير قصير، والتي أسفرت وقد تسفر في كلّ يوم عن مغامرات طائشة، عاثرة بالضرورة وبالغة الضرر والخطر، هنا وهناك، في الداخل كما في الخارج.
وإلي أية صفقة يلمح الأسد حين يقول: قلت للأمريكيين إذا كان لديكم صفقات فتفضلوا واعرضوها علي وإن وافق الشعب سأوافق ولا توجد مشكلة ؟ يا للطهارة في صلة الحاكم بالمحكوم! هنالك، باديء ذي بدء، ذرّ للكثير من الرماد في العيون حول احتمال أن تعرض واشنطن أيّ طراز من الصفقات علي هذا النظام الضعيف في تعبير الرئيس الأمريكي جورج بوش، والذي بات أضعف وأضعف اليوم، ويتجه باضطراد إلي المزيد من الضعف كلّ يوم. وهنالك، تالياً، الكثير من الديماغوجية في حكاية عرض أية صفقة علي الشعب، فإذا وافق الشعب عليها، فإنّ الحاكم الصالح سيبرمها باسم الشعب! والمرء، هنا، لا يملك سوي ضرب كفّ بكفّ إذْ يتذكّر انعدام أيّ تاريخ للتشاور بين هذا الحكم والشعب، وإذْ يعجب من تلك الطمأنينة الخرافية التي تجعل هذا الحاكم يعرض الإحتكام إلي الشعب، وفي هذه الظروف الشاقة، وسط كلّ هذه الخطوب المحدقة!
أليس واضحاً لكلّ ذي بصيرة أنّ التسامح الأمريكي العتيق إزاء تجاوزات سورية حافظ الأسد لم يعد يسير في المنحي ذاته بالنسبة إلي سورية بشار الأسد، أو بالأحري سورية ما بعد غزو العراق وسقوط صدّام حسين كما ينبغي أن نقول؟ ألم يسارع بوش، بعد ساعات معدودات علي سقوط مدينة تكريت، آخر معاقل صدّام، إلي تحذير النظام السوري من إيواء مسؤولين عراقيين سابقين، و... حيازة أسلحة كيميائية؟ ألم يصرّح بالحرف: نعتقد أنّ في سورية أسلحة كيميائية، ونحن جادّون حول منع أسلحة الدمار الشامل. كلّ وضع يتطلب رداً مختلفاً... أمر يأتي بعد أمر... الآن نحن في العراق والأمر الثاني في ما يتعلّق بسورية هو أننا ننتظر تعاونها التامّ ؟ ألم تكنّ كلّ هذه السياسات تتراكم قبل اغتيال الحريري واعتماد القرارَين 1559 و1636 وانسحاب الجيش السوري من لبنان، فكيف بعد هذه الحوادث كلها، وبعد ما يهبّ من ريح صرصر؟
ثمّ مَن يظنّ الأسد أنه يخدع حين يقول إنّ ما تواجهه سورية من تحديات سببه مواقفها الرافضة للمساومة علي الاستقلال مقابل التبعية ؟ ومَن الذي يصدّق البضاعة التالية التي سعي النظام إلي بيعها مراراً، وجاءت كذلك في خطبة الأسد يوم أمس: لو أن سورية ساومت علي المقاومة في لبنان والإنتفاضة في فلسطين وعلي استقلال العراق وعلي كرامة أمتنا لما كان لها مشاكل مع بعض القوي الدولية ؟ أو لو شاءت تجريد حزب الله اللبناني من سلاحه؟ أو أسقطت سياسة الحفاظ علي عروبة العراق؟ مَن يصدّق والمؤشرات الكثيرة، الراهنة منها أو القديمة التي تعود إلي زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول إلي دمشق في أعقاب غزو العراق، تقول إنّ النظام السوري لم يعرب عن الرغبة في التعاون الإيجابي التامّ في عشرات الملفات فحسب، بل هو أدهش السناتور توم لانتوس (كما يُقال أنها أصابت رئيس وزراء الدولة العبرية أرييل شارون بدهشة مماثلة) حول مدي استعداد النظام للتعاون.
وكيف لا تنذرنا الريح بدنوّ العاصفة ونحن نشهد النظام ينتقل من تخبّط إلي تخبّط في معالجة المأزق الراهن مع تقرير ميليس، ضمن المأزق الأمّ الشامل والبنيوي الذي يعيشه منذ عقود؟ أليست الرابطة وثيقة تماماً بين عجز الأسد عن صياغة موقف واضح متماسك من القرار 1636 (ترحيل الضباط الستة إلي حيث يريد ميليس، أم محاكمتهم أمام القاضية غادة مراد؟ رفض التقرير لأنه مسيّس ، أم التسليم بأنه مسيّس لأنّ الجريمة سياسية أوّلاً وجوهرياً؟ رفض الإنصياع لاشتراطات ميليس ضمن ما يسمّيه الأسد المقاومة ، أم التحايل علي الإنصياع عن طريق اتخاذ إجراءات مسرحية مثل تشكيل لجنة تحقيق سورية ـ سورية ومنع الضباط الستة من السفر...؟)، وعجزه الفاضح عن التطرّق إلي الوضع الداخلي من الزوايا التي يحلو لمَن تبقي من المراهنين علي نظامه أن يطلقوا عليها صفة الإصلاحات السياسية و الإنفتاح علي الشعب و تمتين الجبهة الداخلية ؟
والحال أنه لولا الحياء لما أتي الأسد علي ذكر الوضع الداخلي أساساً! فأيّة جبهة داخلية هذه سوف يجري تمتينها بقانون للأحزاب كسيح في الأصل، ويحذرنا الأسد سلفاً أن إقراره سيأخذ وقتا طويلا لحساسية هذا الموضوع ؟ وأية وحدة وطنية سوف يعزّزها مجرّد الوعد بردّ واحد من المظالم الكثيرة التي حاقت بالمواطنين الأكراد، وهو تصحيح الإحصاء وردّ الجنسية إلي بعضهم... وليس إلي جميعهم؟ وما الفارق، حقاً، بين أيّ إصلاح سوف يعتمده النظام ذات يوم، إذا اعتمده، وبين الإصلاح السياسي الذي يقول الأسد إنّ أمريكا تريد فرضه علي نظامه بهدف أن تفلت البلد وتصبح بلا ضوابط كي يبتزوا البلد ؟ وإذا كان يرفض معارضاً لا يرتفع صوته من البيت الداخلي بل من التوازي مع الخارج كما يقول، فهل اجتمع أمثال رياض الترك ورياض سيف ومأمون الحمصي وعارف دليلة مع أيّ من مساعدي مستشار الأمن القومي الأمريكي حين اعتُقلوا في حملة وأد ربيع دمشق ؟ أليس من الثابت الجليّ أنّ هموم المواطن السوري، وعلي رأسها حقوقه وحرّياته وكرامته، لا تندرج البتة علي لائحة المطالب الأمريكية التي يتوجب أن ينفّذها النظام السوري إذا شاء العيش أكثر؟
وفي مناسبة الحديث عن الدولة العبرية، ألا يقرأ الأسد التقارير الصحافية الأمريكية والإسرائيلية التي تؤكد أنّ شارون غير موافق علي إحداث تغيير ديمقراطي جوهري في سورية، لأنّ ذلك التغيير سوف يفتح ملفات الجولان وقد يشعل الحدود السورية ـ الإسرائيلية الهادئة المنضبطة الآمنة (علي عكس الحدود السورية ـ العراقية)، ولأنّ حال النظام هكذا بديعة مريحة ممتازة مناسبة ملائمة تماماً لمصالح إسرائيل؟ أليس تعديل سلوك النظام هو اقصي ما تريده تل أبيب، وأنّ واشنطن لا تختلف معها إلا في منطوق ذلك التعديل وتفاصيله اللوجستية وتحريك او تبديل بعض الشخوص هنا وهناك، علي المسرح ذاته؟ أليس الشعب السوري هو الخاسر الأوّل في الحالين: إمعان النظام في السلوك الإنتحاري وإقدامه علي مغامرات أخري تجلب المزيد من الأخطار، أم خيار واشنطن في تعديل السلوك وتطبيق نظرية كوندوليزا رايس في تغيير النظام من الداخل ؟
وهل، ثمّ متي، ستتحقق نبوءة عمرو موسي فتشهد سورية وقوع أمر في غاية الأهمية ؟