الاصلاح ضرورة فحاجة امريكا للنظام السوري وهم خطر

د. عصام نعمان القدس العربي

 


ثمة وَهْم لدي فريق من أهل النظام في سورية يستولد وهما آخر.
الوَهْم الأول عتيق مفاده ان الولايات المتحدة ما زالت بحاجة إلي النظام السوري لأن البديل ـ الإخوان المسلمون ـ أسوأ منه واخطر. الوَهْم الآخر ان الهجمة الأمريكية الراهنة علي سورية يمكن تجاوزها بالمزيد من الشيء نفسه، أي بمفاهيم النظام وأدواته ذاتها دونما حاجة لأي إصلاح ديمقراطي.
بعضٌ من الفريق الحاكم، بل الواهم، لا يفقه معني ان تصبح أمريكا منتشرة بجيشها وطيرانها علي طول الحدود الشرقية لسورية من طرفها التركي في الشمال إلي طرفها الاردني في الجنوب. بل لعله لم يدرك بعد ان سورية، بعد إخراجها من لبنان، باتت مطوقة من جهاتها الأربع، وان لا أصدقاء لها فاعلين إلاّ في لبنان، وأنهم محرجون بملابسات إغتيال الرئيس رفيق الحريري وما نُسب إلي ضباط لبنانيين حلفاء لها وسوريين خلصاء من تهم وادوار.
بعضٌ من هذا الفريق الواهم ما زال يعتقد ان أمريكا ما زالت بحاجة إلي دور تلعبه سورية في العراق كما سبق لها ان لعبته في لبنان. انه دور المهدّئ والكابح وأحيانا القامع للقوي الراديكالية.
هؤلاء لا يدركون ان استراتيجية أمريكا مع بوش الأب هي غيرها مع بوش الابن. هذا الأخير ليس في وارد الخشية من الإخوان المسلمين بما فيهم من متطرفين . ذلك ان المتطرفين من كل ملّة وحزب ودين يخدمون مخططه ـ وإن من حيث لا يريدون ـ في تعميم الفوضي الخلاقة علي كل الأقطار والأمصار. فمن خلال الفوضي الامريكية المصنوعة والمفروضة يصار إلي إعادة تشكيل البلدان والمناطق سياسيا وثقافيا.. أو هكذا يأمل بوش.
أليس من خلال الفوضي الشاملة يجري حاليا تفكيك العراق إلي مكوّناته الأولي في محاولة مكشوفة لإقامة دولة كردية في شماله، وسنّية في وسطه، وشيعية في جنوبه؟
أل
يس في مخطط المحافظين الجدد من أركان إدارة بوش مساعدة إسرائيل علي تزنير نفسها، بعد تفكيك كل من سورية ولبنان، بمجموعة من جمهوريات الموز الهزيلة والهزلية، تقوم علي أسس طائفية وقبليـة وأثنية؟
أليست الحدود الآمنة التي طالما طالبت بها إسرائيل هي هذه الفسيفساء من الدول والدويلات الضعيفة والعاجزة تطرّز بها أمريكا لوحة المشرق العربي من ساحله علي البحر الأبيض المتوسط إلي خليجه علي المحيط الهندي؟ وهل نغالي اذا حذرنا من أن مخطط هؤلاء المحافظين الجدد يرمي إلي وضع ينابيع النفط في المنطقة تحت قبضة أقليات أثنية ومذهبية محدودة العدد والعدّة والإستعداد : نفط شمال العراق في قبضة الأكراد ومثله نفط شمال شرق سورية، ونفط جنوب العراق في قبضة الشيعة، ونفط المنطقة الشرقية في السعودية في قبضة الشيعة ومثله نفط البحرين، ونفط خوزستان الإيرانية (الأهواز) في قبضة الأقلية العربية، ونفط حوض بحر قزوين في قبضات دول إسلامية متعددة القوميات والمذاهب والمشارب عاجزة، في التحليل الأخير، عن تشكيل قوة سياسية وعسكرية رادعة؟
بعضٌ من الفريق السوري الحاكم، بل الواهم، لا يدرك خطورة التحدي المشع من الوجـود الأمريكي الغازي، فتراه ساعيا إلي تدّبره بالمزيد من الشيء نفسه، مقرونا بقليل من الشعارات والتدابير الإصلاحية التجميلية: تعزيز نهج الإصلاح والتحديث وتكريسه ، العفو عن المزيد من المعتقلين السياسيين، إصدار تشريعات اقتصادية للوصول إلي إقتصاد السوق الاجتماعي ، تشريع قانون للأحزاب يسهم في تعزيز المشاركة الشعبية في العمل السياسي ... وذلك كله مع وعد بأن يتحقق بسرعةٍِ قياسية لسلحفاةٍ هرمة !
في موازاة هؤلاء الواهمين في الفريق السوري الحاكم، ثمة مجموعة أخري داخل النظام منفتحةٌ علي حقائق العصر، متفاعلة مع القوي الوطنية الحية في المجتمع المدني والبلاد، مدركةٌ أن لا سبيل إلي مواجهة التحديات الماثلة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية النابعة من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، وإغتيال رفيق الحريري، وإخراج سورية من لبنان، وصدور القرارات 1559 و 1595 و 1636 عن مجلس الأمن... اجل، هي مدركة ان لا سبيل إلي مواجهة هذه التحديات بالنهج التقليدي القديم من مخلفات الحرب الباردة الذاوية وعقلية النُظم البيروقراطية المنغلقة علي نفسها. هذه القوي الوطنية الحية، بكل شرائحها ومشاربها وتلاوينها، باتت مقتنعة بأن النظام السوري ليس حاجة أمريكية، وان لا سبيل لإنقاذه والبلاد من شراسة الهجمة الأمريكية المتصاعدة بإجتراح دورٍ مساعد للسياسة الإمبراطورية الأمريكية.
أكثر من ذلك: تؤمن هذه القوي الحية، الجدية والجادة، بأن الإصلاح الديمقراطي في سورية كان استحقاقا ملحاحا قبل احتلال العراق، واغتيال الحريـري، وإخـراج سورية من لبنان، وصدور قرارات مجلس الأمن الآنفة الذكر، وانه أصبح بعدها ضرورة استراتيجية تفرضها إرادة المحافظة علي ثوابت سورية الوطنية والقومية من جهة وتسوّغها من جهة أخري متطلبات الصراع في صيغته الراهنة من حيث هـو صـراع بين أمريكا الإمبراطورية والإسلام بشقيه المقــاوم و الإرهابي . ذلك ان بقاء سورية أسيرة التقليد الجامد والسلطان الجائر والعدو الطامع يعجّل في وقوعها في فخ الفوضي الخلاّقة . وما الفوضي الخلاّقة؟ أليست هي حال من التسيّب وإنعدام الوزن وتفكيك البلاد إلي متحداتها الأولي، القبلية والاثنية والطائفية، وصعود العناصر والمافيات المنفلتة من أي وازع أو رادع؟ أليست هي نسخة غير منقحة عمّا كان عليه لبنان عقب الاحتلال الإسرائيلي وما هو فيه العراق اليوم عقب الإحتلال الأمريكي؟
في حال الفوضي، لا دور للقوي الحية الوطنية والديمقراطية. الفعل سيكون حكراً علي قوي العنف الأعمي والتطرف الديني والمذهبي. من هنا تنبع ضرورة مبادرة القوي الحية في الحكم وحزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية وقوي المعارضة المؤتلفة في إعلان دمشق أو في غيره من التجمعات الديمقراطية، إلي إستباق حال الفوضي والتفكك والتسيّب التي ستنجم حتما عن إنهيار النظام تحت وطأة الضغوط الأمريكية والصهيونية.
الإستباق والاستدراك يكون بإقرار الجميع بأن لا قدرة لأية قوة بالإنفراد علي إنقاذ البلاد من التحديات الماثلة، وان بالإتحاد سيكون بمقدورها صون السيادة والاستقلال والارتقاء بالوحدة الوطنية إلي مستوي إجتراح برنامج إنقاذ وطني ديمقراطي نهضوي يصوغه ويقره مؤتمر وطني تأسيسي وتنفذه حكومة وطنية جامعة بصلاحيات استثنائية تشريعية وتنفيذية.
كانت سورية دائما قلب العروبة النابض. لتكن مرةً واحدة والي الأبد منطلق تغيّر ديمقراطي ذاتي يكفل تجدد العروبة الحضارية ويصون الإسلام الحنيف من نوازع العنف الأعمي، ويرتقي بالإنسان العربي إلي ذري الحرية والعدالة والإبداع.